Homeمقالاتأبا جعفر... لم أفكر بهذا أبداً : يوسف أبو الفوز

أبا جعفر… لم أفكر بهذا أبداً : يوسف أبو الفوز

يوماً في بغداد، عام 2007 على الأرجح، دخلتُ قاعةالمسرح الوطني، ومضيتُنحو مقعد قريب منالصديق، الناقد السينمائيعلاء المفرجي، فإذا بصوتٍيناديني باسمي. التفتُّ،مرتبكاً، محاولاً استيعابملامح وجهٍ نهض بقامتهالفارعة لتحيتي، وكأن بيننا تاريخاً مؤجلاً. لحظات قليلة، ثم انكشف الاسم: صادق الصائغ، الشاعر والخطاط والناقد السينمائي، متعدد المواهب، ذاكالذي كنّا، في سنوات دراستنا الجامعية، نلقّبه مازحين: (ألان ديلون الحزبالشيوعي العراقي)، لوسامته. عندها، لم يهدأ الارتباك، بل ازداد عمقاً.

جلسة قصيرة، لكنها بقيت: أولى وأخيرة، مفعمة بودٍ لا يُنسى. حدثته ساعتهاعمّا أثبتُّه لاحقاً في مقدمة كتابيسحر الشاشات، عن كتاباته النقديةالتي كانت تستوقفني في جريدةطريق الشعبفي سبعينيات القرنالماضي؛ وكيف دفعتني إلى البحث، إلى المقارنة، وإلى أن أرى الأعمالالفنية بعينٍ أخرى.

في المنفى، وعلى امتداد سنوات، انشغلتُ بكتاب عن الشهداء والراحلين، عنأولئك الذين تشابكت حيواتنا مع حيواتهم، في تفاصيل عابرة أو لحظاتمصيرية. وخلال العمل، اكتشفتُ صلته القريبة بالشهيدة زينب أحمد حسينالألوسي. كان اسمها قد مرّ بي من قبل، حين اطلعتُ، بعد سقوط النظامالديكتاتوري الفاشي، على ملفها في مكاتبطريق الشعب؛ ملفٌ من بينوثائق كثيرة كشفت شيئاً من فظاعة ما ارتكبته أجهزة ذلك النظام الدموي،الذي طالما زيّن وجهه بخطابٍ إنساني زائف.

كتبتُ يومها قراءة بعنوانقصة ملف، وبعد نشرها، في صيف 2005،أصبحت مرجعاً لكتابات وبرامج تلفزيونية لاحقة، لكنها ـ وهذا الأهم ـ فتحتلي باباً إنسانياً للتواصل مع عائلة الشهيدة، وكان أستاذنا أبو جعفر أحدالوجوه المضيئة. وعبر ذلك الباب، وأنا أعدّ للكتاب، توصلتُ إلى تفاصيلأكثر، ودقّقت أخرى، وكأن الذاكرة ترمّم نفسها، رغم القسوة المحيطة.

وفي يومٍ ما، خلال حديثٍ هاتفي عن الكتاب، سألني عن عنوانه. ترددتُلحظة، ثم اقترحت ـ مدفوعاً بإعجابٍ قديم ـ أن يتولى تصميم خط الغلاف. ضحك بهدوئه المعهود، وقال إن موافقته مشروطة بعدم الإفصاح عن ذلك: لايريد، في ظل وضعه الصحي، أن يفتح باب طلباتٍ من أصدقاء قد يعجز عنتلبيتها.

وخلال أيام، وصلني الخط، أنيقاً كما توقعت، ومعه اقتراح لوحة مناسبة. وافقتُ من دون تردد، ولم يخطر لي، آنذاك، أن هذا الاسم ـ الذي أضفته إلىغلاف الكتاب ـ سأعود فأضيفه، بعد حين، إلى قائمة الراحلين فيه.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular