Homeمقالاتالتعليم في عهدة المنهاج الحكومي.. هروب من الارقام بعباءة التمنيات : محمد...

التعليم في عهدة المنهاج الحكومي.. هروب من الارقام بعباءة التمنيات : محمد الربيعي

ان المتفحص للمنهاج الحكومي الجديد فيما يخص قطاع التربية والتعليم، يجد نفسه امام وثيقة غارقة في فخ الاستعراض اللغوي، حيث يطغى الطابع الانشائي على الرؤية الاستراتيجية المفترضة. يبدو البرنامج في جوهره مجرد مجموعة من التمنيات العاطفية المصاغة بلغة فضفاضة، تفتقر الى ادنى معايير الحوكمة والقياس الكمي، دون ان يقدم في المقابل اي التزام حقيقي يمكن محاسبة الحكومة عليه في المستقبل. اننا امام محاولة لتشييد قلاع في الرمال، سرعان ما ستذروها رياح الواقع لافتقارها الى اساسات رقمية صلبة او سياج زمني يحميها، مما يجعلها اقرب الى بريق الوعود الانتخابية منه الى برنامج عمل تنفيذي لدولة تسعى بجدية لانتشال واقعها التعليمي المأزوم.
تكتفي الحكومة في صياغتها للحلول بعبارات مطاطية مثل “رفع مستوى التعليم” و”اطلاق المبادرات” و”دعم المؤسسات”، وهي مفردات تستخدم عادة للهروب من المساءلة المستقبلية. فغياب لغة الارقام والمؤشرات الاحصائية يحول البرنامج الى اعلان نوايا يفتقر للمصداقية، اذ لا يمكن ادارة ما لا يمكن قياسه. فبدون تحديد دقيق لنسب العجز في الابنية المدرسية، او مستويات الامية الحالية، او نسب التسرب الدراسي، تظل هذه الوعود بلا “خط شروع” ولا يمكن لاي جهة رقابية ان تقيم حجم الانجاز الفعلي بعد انقضاء المدد المحددة، مما يمنح السلطة التنفيذية مرونة مفرطة في عدم الانجاز دون ان توصم بالتقصير.
الا ان الاخطر في هذا المنهاج هو الغياب التام لاي اشارة حقيقية تتعلق بجودة التعليم بحد ذاتها، وكأن التعليم اصبح تفصيلا ثانويا في مؤسسة تحولت تدريجيا الى دائرة امنية بامتياز، تمارس الابتزاز والتخويف بحق الاساتذة والموظفين والطلبة على حد سواء. لم يتطرق المنهاج الى خطوات عملية لرفع مستوى العملية التعليمية، او الى كيفية ربط التخصصات الدراسية بحاجة سوق العمل المتغيرة، بل تجاهل تماما محاربة الفساد المستشري في مفاصل التعليم وخاصة في البحث العلمي الذي يفتقر الى ميزانيات تدعمه او برامج اصلاحية تحميه من التردي. كما اهمل البرنامج تحسين اوضاع الهيئات التدريسية او توفير نظام تامين صحي يضمن كرامة الاستاذ الذي بات يعاني من اهانات مستمرة وتدخلات سافرة من الوزارة في كل صغيرة وكبيرة.
اما الواقع الذي تجاهله المنهاج عمدا، فهو اكثر فجاجة من ان يخفى، حيث سادت التعيينات الولائية التي جعلت من مناصب العمداء ورؤساء الجامعات مكافآت سياسية لا استحقاقات علمية، مما افرغ المناصب الاكاديمية من هيبتها وقدرتها على التطوير. يرافق ذلك فرض اتاوات مالية على الطلبة، حيث يتم ابتزازهم بمبالغ تسخر لخدمة جهات لا علاقة لها بالعملية التربوية، في ظل تحول الوزارة الى جهاز رقابي بوليسي يراقب ويعاقب بدل ان يطور ويحفز. ان هذا الانحراف في وظيفة المؤسسة التعليمية يحولها من منارة للعلم الى اداة للقمع المنهجي وتكريس الفساد الاداري والمالي.
وفي ظل غياب السقف الزمني الواضح، تبدو الاهداف المطروحة مجرد شعارات ترحيل للازمات من دورة انتخابية الى اخرى. فالمواطن اليوم لا يحتاج لسماع ان الحكومة “تنوي” حل الازمات، بل يحتاج لجدول زمني ملزم يحدد متى تنتهي هذه المعاناة وبأي كلفة. ان الاكتفاء بالعناوين العريضة دون تقسيمها الى مراحل تنفيذية يجعل من البرنامج وثيقة ادبية، ويؤكد الشكوك بان الاهتمام ينصب على المظهر الخارجي والضجيج الاعلامي اكثر من الاصلاح البنيوي الجذري الذي يتطلبه القطاع المتهالك الذي يعاني من غياب الفلسفة التعليمية الحقيقية واهمال جوهر العملية التربوية المتمثل في المناهج وجودة المخرجات.
ختاما، ان الاصلاح التعليمي الحقيقي لا يبدأ من الكلمات المنمقة، بل من الارقام الصريحة والالتزامات الموقوتة وحماية الاستاذ والبحث العلمي من التسييس والفساد. وبدون اعادة صياغة جذرية لهذا البرنامج تربط كل هدف بميزانية شفافة وخارطة طريق زمنية ملزمة، سيبقى التعليم يراوح مكانه، وسنظل نبني قلاعا في الرمال بينما ينهار سقف المنظومة القيمي والعلمي فوق رؤوس الجميع. ان المسؤولية الوطنية تقتضي الانتقال الفوري من لغة التمنيات العاطفية الى لغة الحوكمة الرشيدة، لضمان الا يتحول مستقبل الاجيال الى ضحية اخرى من ضحايا الهروب من المساءلة السياسية والقبضة الامنية.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular