Homeمقالاتالترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة"ترتيلة اليقين" ليحيى السماوي : سهيل الزهاوي

الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة”ترتيلة اليقين” ليحيى السماوي : سهيل الزهاوي

المقدمة:

 تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوزحدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربةالنفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبةالمشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلىإعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فرديةمعزولة، بل تنفتح على أفق إنسانيجمعي أوسع، حيث تُستعادالغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدوالوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشادالشعري.

تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسيةبماتنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومراراتتاريخيةإلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرةالروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّدتعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًامن يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أوالحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقينجاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربةذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسارالذي تمثّلهمرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّسعلى الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.

وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرةالجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكريةوالنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذهالتجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لاكانتفاءٍ للمشروع.

انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» منخلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّلفيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعادصياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارةالانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسارالذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال«اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًاداخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.

نص القصيدة

تـرتـيـلـة يـقـيـن

________

أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ

جَـلـيـسَ الـلا  أحَـدْ

//

يـا نـديـمَ  الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ …

نـاطـورَ الأمـانـي …

ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ

//

يـومـكَ المُـمْـتـدُّ  مِـنْ   مـذبـحـةِ  الأمـس ِ

إلى بُـسـتـان ِ غـدْ

//

دون  أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ

ونـامـوسَ  الـمـرايـا  :

خـيـمـة ٌ دون وتـدْ

//

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

//

مُـطـفـأ الـشـمـس ِ  …

وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو  مـن رَمَـدْ

//

فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا  بـيـتـا ً وظِـلا ً

ومـدَدْ

//

ربَّ شـهْـدٍ   في الـهـوى

يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ …

والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى

شَـهـدْ الـرَّغـدْ

//

أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ  الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ …

الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ …

الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :

كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً

وتـراتـيـلَ  يـقـيـن ٍ

بـعـدمـا كـنـتَ  كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ

*****

عنوان القصيدة: «ترتيلة يقين»


يأتي عنوان القصيدة «ترتيلة اليقين» بوصفه بنية دلاليةمكثَّفة تؤدي وظيفة المفتاح التأويلي للنص، إذ يجمع بينلفظتين تُنشئان علاقة إنتاج وتوليد، لا مجرد علاقة وصفخارجي.

أولًا، تحيل كلمة «ترتيلة» إلى فعل طقسيإنشادي يقومعلى التدرّج والتمهّل والتكرار، أكثر مما يقوم علىالتصريح المباشر بالمعنى. فالترتيل، في بعده الثقافي، ليس مجرد لفظة ذات خلفية دينية، بل ممارسة لغويةوإيقاعية يمكن أن تنفتح على النشيد الجماعي والخطابالنضالي والبيان الشعري المبطَّن، بما يجعل من القولنفسه فعلًا لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة.

ثانيًا، لا يحضر «اليقين» في العنوان كحقيقة ناجزة أوعقيدة مغلقة، بل كحصيلة لمسار من التجربة والألموالانكسار. إنه يقين لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُنتَجمن داخلها عبر فعل الترتيل ذاته؛ أي عبر المرور بالجرحوالمنفى والخيبة وصولًا إلى نوع من التسالم الداخلي. بهذا المعنى يغدو اليقين في القصيدة يقينًا متحوّلًا، يتشكّل داخل اللغة والتجربة لا خارجَهما.

ثالثًا، يكشف التركيب الإضافي «ترتيلة يقين» عن علاقةسببية ضمنية: فاليقين هنا هو ما يُرتَّل، وما يتكوَّن عبرالترتيل، لا ما يُفترَض سلفًا. العنوان لا يقرّر يقينًا، بل يعلنمنذ البدء أن النص حركةٌ ترتيلية في اتجاه يقينٍ يُصاغويُختبَر، لا نقطةُ وصولٍ مضمونة.

ومن الناحية النحوية، يتكوّن العنوان من مضاف ومضافإليه: «ترتيلةُ» (مبتدأ أو اسم مرفوع في سياق العنوان) و«يقينٍ» مضاف إليه مجرور، وهو تركيب إضافي يُعمِّقالدلالة على أن موضوع الترتيل هو اليقين نفسه؛ أي يقينلا يُمتلك مباشرة، بل يُعاد إنتاجه عبر الإنشاد واللغة.

خلاصة:
يعمل عنوان «ترتيلة اليقين» بوصفه إعلانًا عن مسار لاعن حالة نهائية؛ فهو يربط بين الترتيل كفعللغويطقسي جماعي، وبين اليقين كأثر متحوّل ينجم عنإعادة تأويل التجربة داخل فضاء الشعر والذاكرة.

تحليل الابيات

 

تحليل مقطعي افتتاحية القصيدة:

 

النداء الافتتاحي وبناء صورة الذات المنفية


«أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا أحَدْ»

1. النداء ووظيفته التأسيسية
يفتتح الشاعر النص بنداءٍ مرتفع النبرة «أيُّها»، وهيصيغة استدعاء تُسند إلى المخاطَب مكانة تتجاوزحدود المخاطَب العابر، لتمنحه ملامح كيان رمزييُستدعى ليشغل مركز الفضاء الشعري. بهذا المعنى، لا يعمل النداء وظيفة بلاغية شكلية فحسب، بل يؤدّيدورًا تأسيسيًا؛ إذ يعلن دخول شخصية محوريةتحمل أبعادًا وجودية وجمعية، ويهيّئ المتلقي لقراءةالقصيدة باعتبارها حوارًا مع حالة أو نموذج رمزي، لامع فرد محدّد في سياق عرضي.
2. «الطاعن بالغربة والحزن» بين الدلالة والنفسية
يعيد الشاعر تشكيل تركيب مألوف هو «الطاعن فيالسنّ» بنقله من حقل الزمن البيولوجي إلى حقلالتجربة الوجودية، فيصبح معيار التقدّم في العمرهو الغربة والحزن لا السنوات. هكذا تتحوّل الغربةمن كونها ظرفًا مكانيًا إلى كينونة زمنية متراكمة؛ فهي خبرة طويلة تُراكِم الانفصال عن الوطن والآخرينحتى تصبح جزءًا من هوية المخاطَب. وبالمثل، لا يظهرالحزن كحالة انفعالية عابرة، بل كرسوب كثيف فيالوجدان والذاكرة، يُثقِل الكائن بزمن عاطفي ممتد. النتيجة أن المخاطَب يُقدَّم كذات «مُسنّة» في ألمهاواغترابها، ما يضفي على النص منذ البدء طابعًاتأمليًا وجوديًا.
3. «جليس اللا أحد» قراءة وجودية ولغوية
يقوم الشطر الثاني على مفارقة دقيقة: لفظة«جليس» تفترض حضور رفقةٍ وأُنس، غير أن المضافإليه «اللا أحد» ينقض هذا الافتراض بتحويله إلىنفيٍ راديكالي للحضور الإنساني. لسنا أمام «وحيد» بمعناه المتعارف، بل أمام ذاتٍ تجلس في حضرةالفراغ، حيث يغدو العدم شريكًا صامتًا. بهذهالصياغة، تتحوّل العزلة من مجرّد نقص في العلاقاتإلى علاقة حميمة مع الغياب نفسه، وتفتح عبارة«جليس اللا أحد» أفق قراءة وجودية تجعل منالوحدة نمطَ كينونةٍ لا مجرد حالة اجتماعية.
4. البعد التداولي والتمهيد السردي للمطلع
من منظور تداولي، يحدّد هذا المطلع أفق التلقّي منذاللحظة الأولى؛ إذ يدعو القارئ إلى مواجهة ذاتٍ مشروخة، منفيّة على مستوى الوجود لا الجغرافيافقط، ويضعه في موقع الشاهد على معاناتها. كماينهض بدور تمهيدي لمسارٍ تحويلي سيتخذه النصلاحقًا: فما يُقدَّم هنا ليس حالة منجزة بل نقطة بدايةلمسار ينتقل فيه المخاطَب من «الطاعن بالغربةوالحزن» و«جليس اللا أحد» إلى كائنٍ تتكثّف هويتهفي «تراتيل يقين»، أي من تفكّك الهوية إلى إعادةبنائها لغويًا وروحيًا.
5. عناصر بلاغية دالّة على أفق القصيدة
النداء بوصفه آلية لرفع المخاطَب إلى مستوى الرمز.
الاشتقاق التصويري في «الطاعن بالغربة» الذي يربطبين الزمن البيولوجي والزمن الوجداني.
المفارقة بين «جليس» و«اللا أحد» كوسيلة لإبرازتناقض التجربة الوجودية.
الإيقاع والوقفة بين الشطرين، بما تعكسه من شعوربالفراغ والتعليق.

خلاصة
يفتح المطلع بوابة القصيدة على ذاتٍ مثقلة بالغربةوالحزن، ويحوّل العزلة إلى علاقة حميمة مع العدم. النداءوالتراكيب التصويرية لا يقدّمان حالة ثابتة، بل يمهّدانلمسار ترتيلي تحوّلي: من «الطاعن بالغربة» و«جليس اللاأحد» إلى حاملٍ لتراتيل قد تصوغ يقينًا جديدًا داخل اللغةوالذاكرة.

 

بورتريه المنفى بين القلق والأماني واللابلد

يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ، ناطورَ الأماني، ونزيلَ اللا بلدِ

يمكن قراءة هذا البيت استكمالًا لبناء صورة المخاطَب عبرسلسلة ألقاب تشكّل معًا بورتريهًا وجوديًا مركّبًا.

أولًا: يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ — يمنح الشاعر المخاطَبصفة الألفة (النديم)، لكنه يقترن هنا بـ«القلق الوحشي» فتتحول الألفة إلى علاقة مع اضطراب مفترس؛ القلق لايبقى حالة عابرة بل شريك حياة، فتتبدّل رغبة الأنس إلىتعايش دائم مع اضطراب لا يهدأ.

ثانيًا: ناطورَ الأمانيينتقل الخطاب من الحقل النفسيإلى حقل التوق والانتظار؛ الناطور حارس لا مالك، وبذلكيُصوَّر المخاطَب كحارسٍ لأحلامٍ مؤجلة أو مهدَّدة، يقظ لكنهعاجز عن التملك، ما يعمّق إحساس الحرمان والأمل المعلّق.

ثالثًا: ونزيلَ اللا بلدينقل اللقب الأخير الصورة إلىبعدٍ مكاني ووجودي؛ النزيل ضيف طويل الإقامة لا يصبحصاحب بيت، و«اللا بلد» تشير إلى فراغ الانتماء ذاته، فتتضاعف حالة الاغتراب إلى إقامة في «لامكان» بينيّ لاوطن فيه ولا بديل.

بهذا التتابع (نديم القلقناطور الأمانينزيل اللابلد) يبني الشاعر سلمًا دلاليًا يتحرك من الداخل إلىالخارج، ومن النفسي إلى الوجودي: ذات تؤانس قلقهاالوحشي، تحرس أمانيها المؤجلة، وتقيم في فضاء بلاوطن. هذه الصورة لا تظل حالة نفسية فردية فحسب، بلتُعرض كبنية للمنفى الوجودي التي ستسعى القصيدةلاحقًا إلى تأويلها أو تجاوزه عبر فعل الترتيل وإنتاجيقينٍ جديد.

الزمن المعلَّق بين «مذبحة الأمس» و«بستان غد»

«يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـسِ إلى بُـسـتـانِ غـدْ»

1. البنية الزمنية والدلالية
لا يَرِد «اليوم» هنا كوحدة زمنية عابرة، بل كزمنٍ وجوديٍّ ممتد يستوعب الماضي والمستقبل معًا. فصفة«الممتد» تلغي الحدود التقليدية بين الأزمنة، وتحيلالحاضر إلى حالةٍ معلّقة بين قطبين: جرحٍ مؤسِّسووعدٍ متخيَّل. بذلك يتحوّل اليوم إلى فضاءٍ توتُّري، تنعقد فيه صلةٌ حادّة بين ذاكرة العنف وأفق الأمل.
2. «مذبحة الأمس» كدلالة تاريخية وتوثيقية
تكتسب عبارة «مذبحة الأمس» بُعدًا توثيقيًاوسياسيًا واضحًا؛ فهي تشير إلى عنفٍ جماعيسابق يشكّل أساسًا لوعيٍ جريح. اللفظة لا تعملكاستحضارٍ عاطفي فحسب، بل كمرجعٍ تاريخي يثبّتالجرح في الذاكرة الجمعية، ويمنح الحاضر ثقلًاأخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة إذاقُرئت في ضوء المذابح التي استهدفت اليساريينوالديمقراطيين في التاريخ العراقي الحديث.
3. «بستان غد» كاستعارة للأمل والتحقق
في المقابل، تأتي «بستان غد» كاستعارة مركَّزةللخصب والتحقّق؛ فهي ليست مجرد مكانٍ طبيعي، بل صورة مكثّفة لأفقٍ إنسانيسياسي يعد بالاكتمالوالعدل والكرامة. البستان هنا رمز لما يمكن أن يولد عنإعادة البناء، ولأملٍ يحتاج إلى رعايةٍ وحراسة كييغدو واقعًا.
4. التوتّر الدلالي ووظيفة القصيدة
بين هذين الحدّينالمذبحة الواقعية وبستان الحلميتموضع «اليوم» بوصفه حالةَ انتظارٍ ونضالٍ معًا. هذا التوتّر هو ما يبرّر حاجة النص إلى فعلٍ لغويطقسي (الترتيل) لتنظيم المسافة بين الجرحوالتحقّق؛ إذ يغدو الترتيل آلية لإنتاج يقينٍ متحوّل أوأملٍ مؤسَّس على الوعي بالألم لا على إنكاره.
5. ملاحظات أسلوبية
يعمل التركيب المضاد (مذبحةبستان) كآلية تضادّ دلالي يضخّ طاقة تأويلية في البيت.
الإيقاع والوقفة بين شقّي البيت يسهمان في توليدإحساسٍ بالامتداد والانتظار.
على الرغم من صيغة الخطاب الفردي «يومك»، فإنّ سياق القصيدة يتيح قراءة هذا «اليوم» بوصفه زمنَ جماعةٍ وتيارٍ وتاريخٍ بأكمله، ما يربط بين ذاكرةالشاعر وذاكرة الأمة.


من فقدان الأنوار إلى «الخيمة بلا وتد»: العالمبوصفه فضاءً منزوَع المرجعيات

«دونَ أنوارِ التي باتت تُسمّى نخلةَ اللهِ
وناموسَ المرايا:
خيمةٌ دونَ وتدْ»


يقدّم هذا المقطع صورةً لعالمٍ تزعزعت مرجعياته الصلبةوتضاءلت فاعلية أنواره، فصار الحاضر فيه فضاءً هشًّامعلّقًا. يفتتح الشاعر بالتركيب «دون أنوار»، فيضع الذاتفي حالة حرمان من مصادر نورٍ مخصوصة هي تلك التي«باتت تُسمّى نخلة الله». الفعل «باتت» يحيل إلىصيرورةٍ رمزية رُفِعت فيها هذه الأنوار، عبر الزمنوالخطاب، إلى مرتبة «نخلة الله»؛ أي إلى رمزٍ جمعيمتعالٍ يجمع بين جذور النخلة العراقية وثباتها وعطائها، وبين بُعدٍ قيمي يجعل منها مرجعًا أخلاقيًا/سياسيًامرفوعًا في الوعي، لكنه متراجع الفاعلية في الواقع.

في المقابل، يجمع تركيب «ناموس المرايا» بين «الناموس» بوصفه قانونًا أو نظامًا ضابطًا، و«المرايا» التي تشتغلعلى الانعكاس والتكاثر. النتيجة هي قانون يقوم أكثرعلى الصور والتمثّلات منه على أصلٍ ثابت؛ نظام منالخطابات يعيد انعكاس ذاته بدل أن يستند إلى مرجعيقيني فعّال، ما يفضي إلى تشتّت المعنى واضطراب الثقةبالمصدر دون أن يعني بالضرورة انعدامه التام.

تأتي الجملة الختامية «خيمةٌ دون وتد» بوصفها خلاصةً مكثّفة لهذا الوضع: فالخيمة، رمز السكن المؤقّت، لاتستقيم بلا وتد، وغياب الوتد يحوّل المأوى إلى بنيةمعلّقة بلا ضمان. هكذا تتجسّد حالة اغترابٍ عميقة يتعذّرفيها الاستقرار؛ إذ يعيش الكائن في عالم خفتت فيه الأنوارالمرجعية، وتصدّع ناموسه، وتهاوى مأواه الثابت.

وإذا قُرئ هذا المقطع في ضوء ما سبقه من ألقابيانديم القلق الوحشيناطور الأمانينزيل اللا بلد»)، اتّضح أن القصيدة تصعد من رسم بورتريه لذاتٍ مشروخةتعايش قلقها وتحرس أمانيها وتقيم في «اللا بلد»، إلىتشخيص مشهدٍ أوسع لعالمٍ متصدّعة مرجعياته: ذاتٌ بلاوطن مستقرّ في عالمٍ خفتت أنواره وتراجعت فعاليةقانونه وتهاوى فيه البيت الآمن. بهذا يتكامل البناءالدلالي من الداخل النفسي إلى الخارج الرمزي، ومنسيرة الفرد إلى صورة كونٍ معلَّق.

في هذا الموضع تحديدًا تتّضح الحاجة إلى فعلٍ ترتيليٍّ قادم: فـ«الخيمة دون وتد» تمثّل لحظة ما قبل الترتيل، أياللحظة التي يستدعي فيها الفراغ والتصدّع فعلًالغويًاطقسيًا يعيد تثبيت المعنى ويعيد توظيف الرموزالمخفوتة. ومن هنا سيظهر «الترتيل» في القصيدةكضرورة لإنتاج يقينٍ جديد، لا عبر إنكار الجرح أو إعلانموت المرجعيات، بل عبر تحويل الجرح ذاته إلى مادةللإنشاد والذاكرة والوعي.

من متاهات البحار إلى جزر اليسر: قراءة في صورالضياع واليقين

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

 

يبني هذا المقطع صورةً لذاتٍ تائهة في فضاء هائلمتحوّل؛ ضياعٌ يتوزّع داخل «متاهات بحار»، حيث لامسار واضح ولا ثبات، بل سيولة ممتدّة تُعقِّد إمكانالتثبيت والاتجاه.

أولًا: تفصيل دلالي

«ضياعٌ في متاهات بحار»: المتاهة ترمز إلى فقدانالاتجاه، والبحر إلى الاتساع والسيولة؛ والجمعبينهما يخلق فضاءً وجوديًا بلا حدودٍ واضحة، فيغدوالضياع بنية مكانيةوجودية لا مجرّد شعور عابر، وتفقد الذات مرجعها في عالمٍ سائل.
«يُسرُها جزر»: يُختَزل اليسر في لحظات انحسارمؤقتة؛ فالفترات المريحة تظهر كجزر قصيرة تتيحللذات التقاط أنفاسها، لكنها لا ترقى إلى حالة دائمةأو مستقرّة.
«وأما العسر والخسر فمدّ»: المقابلة تُظهر هيمنةالامتداد السلبي؛ العسر والخسر مرتبطان بالمدّ المستمر، أي بزمنٍ طاغٍ يطول ويتكرّر، فيصبح اليسراستثناءً لا قاعدة.

ثانيًا: البنية الزمنية والوجودية

يقدّم الشاعر زمنًا وجوديًا غير متوازن: اليسر مقطعيّ ومحدود، والعسر ممتدّ ومهيمن. هذا التوزيع يرسّخشعورًا بأن العالم لا يمنح عدالةً في توزيع المصائر، وأنالذات محكومة بنمطٍ من الخسارة المستمرة مع نوافذضيّقة من الفرج، ما يعمّق الحاجة إلى إطار معنوي ينظّمهذه الفوضى.

ثالثًا: الربط بما قبله

يتواصل هذا المقطع مع الألقاب السابقةنديم القلقالوحشي، ناطور الأماني، نزيل اللا بلد») ومع صورة«الخيمة دون وتد» في توسيع المشهد من الداخل النفسيإلى الخارج الكوني. فإذا كانت الألقاب قد رسمت ذاتًامشروخة تحفظ الأماني وتقيم في لامكان، فإن هذا البيتيرسم عالمًا واسعًا يضاعف ضياعها: فضاء بحري لا حدودفيه، يسْرُه جزر عابرة ومدُّه عسرٌ وخسرٌ ممتدّان. على هذاالنحو، يتكامل البناء الدلالي من الذات المنفيّة إلى كونٍ لايوفّر لها استقرارًا ولا مرجعية ثابتة.

رابعًا: الإيقاع والوقف

يعمل الإيقاع الصوتي في هذا المقطع كمرآة لحركة المدّ والجزر؛ فامتداد المقاطع في «متاهاتِ بحارٍ» و«العسرِ والخسرِ فمدّ» يقابله تقطّع نسبي في «يُسرُها جزرٌ». الوقفات القصيرة بين الشطور، والفواصل الإيقاعية، تخلق إحساسًا بصعودٍ وانحسار موجي: لحظات تنفّستشبه انكشاف القاع عند الجزر، تتلوها جُمَل ممتدّةتعكس ضغط المدّ وطول زمن العسر. بذلك يتحوّل الإيقاعمن عنصر زخرفي إلى آلية دلالية تُجسّد حالة الامتدادوالاختناق والفرج المؤقت.

خامسًا: ربط جزر اليسر بتراتيل اليقين

لا تبقى «جزر اليسر» في النص مجرّد لحظات عابرة، بلتتحوّل إلى مقاطع إيقاعية قابلة للتكرار؛ وهذه المقاطعذاتها هي التي ستغذّي فعل «الترتيل». بالتكرار والوقفالمنظّم تصبح لحظات اليسر وحدات ترتيلية، تعمل كعُقدٍ لغوية تُثبّت معنًى جزئيًا وتؤسِّس لبناء يقينٍ متحوّلداخل اللغة والذاكرة.
«تتحوّل لحظاتُ اليسر إلى مقاطع ترتيلية قابلة للتكرار، فتعمل التراتيل كعُقدٍ إيقاعية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًاجزئيًا داخل اللغة والذاكرة

جدلية الشهد والحنظل: من المرارة إلى شهد الرغد

«ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى
يُـفـضـي إلى الـحـنـظـل ِ…
والحـنـظـلُ قد يُـفـضـي إلـى
شَـهـدِ الـرَّغـدْ»

 

يقدّم هذا المقطع صياغة مكثَّفة لجدلية التحوّل في التجربةالعاطفية والنضالية؛ فما يبدأ بوصفه «شَهدًا في الهوى» – حلاوة أولى مرتبطة بالحب أو بالإيمان بقضية مايمكن أن ينقلب، بفعل الاصطدام بالعنف التاريخيوالمجازر التي طالت القوى اليسارية والديمقراطية، إلى«حنظل» مرّ. غير أنّ هذه المرارة لا تُطرَح كنهاية مغلقة، إذيفتح الشاعر أفقًا معاكسًا: «والحنظل قد يفضي إلى شهدالرغد»، أي إنّ الحنظل ذاته يمكن أن يكون معبرًا إلىحلاوة أخرى أوسع وأعمق. هكذا يُعرَض الزمنالنفسيالنضالي في هيئة سلسلة دورانية: شهدحنظلشهد أوسع، حيث لا ثبات للحلاوة ولا للمرارة؛ فكلاهما قابل لأن يتحوّل إلى ضده عبر المرور بالاختباروالجرح.

دلالات المفردات ووظيفتها في بنية القصيدة

الشهد: يرمز إلى البدايات النقيّة، إلى لذّة الحب الأولأو حماسة الإيمان بالمبدأ، وإلى الوعدالأخلاقيالوجداني الذي يفتتح التجربة.
الحنظل: يمثّل المرارة والانكسار الناتجَيْن عن مواجهةالواقع العنيف، وعن المجازر والقمع اللذين تعرّضتلهما القوى اليسارية والديمقراطية، لا عن خيانةٍ ذاتيةأو شخصية.
شهد الرغد: لا يشير إلى عودة بسيطة إلى الحلاوةالأولى، بل إلى حلاوة ناضجة مقرونة بالوفرةوالاكتمال، هي حصيلة اجتياز المراحل الصعبةوالقدرة على إعادة تأويلها.

البعد التأويلي في سياق «ترتيلة اليقين»

يمكن قراءة هذا المقطع بوصفه خلاصة مكثّفة لفكرةالقصيدة برمّتها: فاليقين لا يولد من تجارب مستقيمةخالية من التناقض، بل من المرور عبر تقاطعات الشهدوالحنظل. في هذا الأفق، يغدو «الترتيل» آليةلغويةطقسية لإعادة تدوير التجربة؛ إذ يجعل من مرارةالانكسار التاريخي مادةً قابلة للتحوّل إلى يقينٍ أكثرنضجًا، ويحوّل أثر المذبحة والمنفى إلى خطوة في طريقترسيخ معنًى روحي وأخلاقي أعمق. اليقين هنا لا يُحسَمدفعة واحدة، بل يُصاغ بالتكرار والإنشاد والعودةالتأويلية إلى الجرح.

بعد أن رسمت المقاطع السابقة ذاتًا مشروخة وعالمًا بلاوتد، يقدّم هذا المقطع نموذجًا مصغّرًا لآلية التحوّلالداخلي: من شهد البداية إلى مرارة الحنظل الناتجة عنالعنف التاريخي، ومن ثم إلى شهد أوسع يُنتَج عبرالترتيل.

خاتمة موجزة

لا يقدّم المقطع تأمّلًا وجدانيًا فحسب، بل يرسم خريطةعملية لصيرورة اليقين: طريقٌ يمرّ بشهد الأحلام الأولىوحنظل الانكسار التاريخي على نحوٍ دائري، حيث يصبحالألم شرطًا ممكنًا لصياغة يقينٍ لغويروحي أكثر متانةواتزانًا.

من «الطاعن بالعشق» إلى «تراتيل اليقين»: اكتمالالتحوّل من الجسد إلى الروح

«أيها الطاعنُ بالعشقِ البتوليِّ التراتيلِ…
الشريدُ السومريُّ… الحاسرُ القلبِ:
كفى أنك بتَّ اليومَ روحًا
وتراتيلَ يقينٍ
بعدما كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»

يختتم الشاعر نصّه بلحظة كشفٍ هُويّاتي تُعلن اكتمال المسارالذي سارت فيه القصيدة. يعود النداء في صيغة «أيها» مثقَّلًابصفاتٍ تؤسِّس صورةً مركّبة للمخاطَب.
أهم هذه الصفات: «الطاعن بالعشق». هنا لا يدلّ الطعن على التآكل أو الضعف، بل على الاستمرار في العشق رغم مرور الزمن؛ فهو شاهد على حيويةٍ لم تنطفئ، وعلى وفاءٍ طويل الأمد لقضية أو فكرة آمن بها الشاعر وجيله. العمر لا يُضعف العشق، بل يضاعف عمقه وصلابته الأخلاقية.

وصف العشق بـ«البتولي» يمنحه طابعًا نقِيًّا وقيميًّا؛ فهو عشقغير نفعي، متحرر من المصالح المباشرة، أقرب إلى التكرّسالمبدئي للفكرة. وإضافة «التراتيل» تجعل من هذا العشق فعلًاطقسيًالغويًا: لا يُعاش فحسب، بل يُنشَد ويُرتَّل، بما يحوِّله إلىممارسة روحية وجماعية في آن.

تتوالى الألقاب لتثبيت هويّة تاريخية ونفسية: «الشريدالسومري» يمدّ الذات بجذور حضارية عميقة؛ فالاغترابالفردي يُرى امتدادًا لتاريخٍ طويل من النكبات الرافدينية، لاحادثة معزولة في الحاضر. أمّا «الحاسر القلب» فيعلن عنقلبٍ مكشوف بلا درع، مستعدٍّ للجرح والصدق معًا؛ قلبٍ لايحتمي بالتورية أو البرود، بل يواجه العالم بعرائه العاطفيوالأخلاقي.

يتجلّى التحوّل النوعي في المقابلة بين:
«كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»
«بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين».

في الشطر الأول، تُختزَل الذات في حقل الحسّ واللذة والجسد:
الكؤوس = بهجة السهر والشراب؛
السرير = الحب الجسدي والحميمية؛
الجسد = الحضور المادّي المباشر.
لا يُبخِّس الشاعر هذه المرحلة، لكنه يضعها في طورٍ كانت فيهالتجربة متمركزة حول الجسد ومسرّاته ومشاركه.

في المقابل، يعلن الشطر الثاني انتقال الذات إلى طورٍ روحيلغوي:
«روحًا وتراتيل يقين». لا يعني هذا هروبًا من الجسد، بل إعادةترتيبٍ للأولويات؛ إذ تُستعاد التجربة الجسدية وما انطوت عليهمن لذة وألم لتغذّي مستوى أعلى من الوعي، هو مستوى الروحوالإنشاد واليقين. «تراتيل اليقين» ليست يقينًا عقائديًا جامدًا، بل حصيلة مسار طويل عبر الغربة والمذبحة والبحر والحنظلوالشهد؛ يقين يُصاغ من التجربة لا من الوصفة، ويتجلّى فيهيئة تراتيل لا في بيانات.

هذا الختام يربط البنية السابقة كلّها: الذات «الطاعنة بالغربةوالحزن»، «نديم القلق»، «ناطور الأماني»، «نزيل اللا بلد»، العالم بوصفه «خيمة دون وتد»، حركة المدّ والجزر، وجدليةالشهد والحنظل. الترتيل هنا ليس ترفًا زخرفيًا، بل آلية تحويلية؛ فـ«جزر اليسر» التي ظهرت كلحظات تنفّس وسط مدّ العسرتتحوّل، عبر التكرار والإنشاد، إلى مقاطع ترتيلية تُثبّت المعنىوتنتج يقينًا لغويًاروحيًا. هكذا يُغلق النصّ دائرته بتحوّلٍ منالجسد إلى الروح، ومن التجربة الحسية إلى الترتيل كصيغةلإنتاج يقين ناضج؛ يقينٍ لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُصاغعبر الوفاء الطويل للعشق والفكرة، وعبر المرور بالشهد والحنظلمعًا.

جملة جاهزة للنسخ داخل الفقرة:
«الطاعن بالعشق» عند السماوي لا يعني تراجعًا بفعل الزمن، بل شهادة على حيوية مستمرة ووفاء للفكرة؛ رغم مرور السنينيظلّ المخاطَب متشبّثًا بمبدئه ومؤمنًا به، فيتحوّل العمر إلىتعميقٍ للعشق لا إلى نقيضٍ له.

البعدان النفسي والسياسي في ضوء تحليلالأبيات


يكشف تحليل الأبيات، من النداء الافتتاحي: «أيها الطاعن بالغربةوالحزن / جليس اللا أحد»، إلى الخاتمة: «كفى أنك بتَّ اليوم روحًاوتراتيل يقين بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»، عن تداخلٍ عميقبين البنية النفسية والبنية السياسية في «ترتيلة اليقين».

على المستوى النفسي، تتشكّل صورة المخاطَب كذاتٍ تعيش منفىداخليًا حادًّا، يتجلّى في مفردات الغربة المزمنةالطاعن بالغربةوالحزن»)، والعزلة القصوىجليس اللا أحد»)، والضياع في«متاهات بحار»، والعطب الكوني الذي يصيب الشمس والنجوممطفأ الشمسوجفن النجم يشكو من رمد»). هذا العالم يُرىسكنًا هشًّاخيمة دون وتد») وزمنًا غير متكافئ في توزيع اليسروالعسريُسرها جزر وأما العسر والخسر فمدّ»)، وهو ما يرسّخشعورًا وجوديًا بالقلق واللااستقرار، وحاجةً ملحّة إلى نوعٍ من اليقينينظّم هذا الاضطراب.

غير أن القصيدة، في مقطع «ربَّ شهدٍ في الهوى / يفضي إلىالحنظلوالحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، تعيد تعريفالخبرة الشعورية من خلال جدلية الشهد والحنظل. فانتقال الشهدإلى حنظل لا يُقرأ كانتكاسٍ نهائي أو سقوطٍ مطلق، بل كمرحلةانكسار ووجدان حداد؛ الحنظل هنا تمثيلٌ لوعي الجرح والمرارة التيتفرض إعادة تقييم الذات والمشروع، لا إعلانًا عن موت نفسي أوروحي. وعلى المستوى النفسي، يشير ذلك إلى أن الألممع شدّتهجزء من مسار نضج الوجدان، وأن المرور بالمرارة شرطٌ لإمكانتبلور يقينٍ أكثر توازنًا.

على المستوى السياسي، تنفتح هذه البنية النفسية على أفقٍ تاريخي واضح المعالم؛ إذ تحيل «مذبحة الأمس» إلى ذاكرة القمعالذي طال القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، ويُستعاد المنفىفي صيغة «نزيل اللا بلد»، بينما تتجسّد أزمة المرجعيات في صورة«أنوارٍ باتت تُسمّى نخلة الله» و«ناموس المرايا»، بما يشير إلىتحوّل القيم والأحزاب والأحلام الكبرى إلى رموز عليا مهدَّدة بالعجزعن الفعل. في هذا السياق، يمكن قراءة «الحنظل» أيضًا كتعبيرعن تراجعٍ مؤلم في الفاعلية السياسية أو في الأمل التاريخي؛ هولحظة خيبة وانكسار للمشروع لا تعني، في منطق القصيدة، انهيارهالنهائي، بل طورًا من الضعف يُمَهِّد لإعادة بناء رمزية أواستراتيجية جديدة.

تُسند القصيدة إلى «الترتيل» وظيفة محورية في آلية هذا التحوّل؛ فالتراتيل، بما تنطوي عليه من تكرار وإيقاع وإنشاد جماعي، تعملكآلية لغويةطقسية لتحويل مرارة الحنظل إلى معنى قابل للوراثة، ومن ثمّ إلى «شهد الرغد» بوصفه حلاوةً ناضجة لا تعود إلى براءةالبداية بل تتشكّل من داخل التجربة الجريحة نفسها. بهذا المعنى، يتحوّل الشهدحنظلشهد أوسع إلى نموذج لصيرورة اليقين: «تحول الشهد إلى حنظل يشير إلى انكسار ووجدان حداد لا إلىانهيار نهائي؛ هو تراجع مؤلم يُجبر على إعادة التقييم، والقصيدةتؤكد أن هذه المرارة قابلة لأن تُستثمر عبر الترتيل لتتحول بدورهاإلى شهدٍ أعمق ونضج يقيني

في ضوء ذلك، يمثّل المسار الذي ترسمه الأبياتمن «نديم القلقالوحشي» و«نزيل اللا بلد» إلى «الطاعن بالعشق البتوليالتراتيل» و«الروح وتراتيل اليقين» – حركة انتقال من طور الحضورالجسدي واليومي للحزب/الذات (الكؤوس، السرير، الجسد) إلىطور الحضور الرمزيالروحي (الروح، التراتيل، اليقين). وهكذايتأسّس «اليقين» في القصيدة لا كمعطى عقائدي ثابت، بلكحصيلة لمسار نفسيسياسي طويل، تُعاد فيه صياغة الجرحوالمنفى والخسارة في هيئة ترتيلةٍ قابلة للإنشاد والتوريث، أيبوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد التفكّك والعدم، واستثمارًا للمرارة في إنتاج شهدٍ أوسع وأعمق.

الخاتمة:


تقدّم قصيدة «ترتيلة اليقين» ليحيى السماوي نصًّا يقوم على جدليةدقيقة بين النفسي والسياسي، وبين الفردي والجماعي، بحيث يتعذّرالفصل بين سيرة الذات المنفية وسيرة الحزب/التيار والذاكرة الوطنيةالمثقلة بالمجازر والانكسارات. فمن خلال بنية تصويرية ترتكز إلىالغربة و«اللا بلد» و«الخيمة دون وتد» و«متاهات البحار» والعطبالكونيمطفأ الشمس، رمد جفن النجم»)، يرسم الشاعر ملامحعالم فقد جانبًا كبيرًا من استقراره الرمزي والأخلاقي، ويجسّد فيالوقت نفسه حالة وعيٍ جمعي مأزوم عاش القمع والمنفى وتعطّلالحلم.

مع ذلك، لا تقف القصيدة عند حدود تشخيص الخراب، بل تنفتحعبر صور السعف والبيت والظل والمدد، وعبر جدلية الشهد والحنظلعلى إمكانية تحويل الخسارة والانكسار إلى رصيد معنوي ورمزييمكن استثماره في إعادة بناء المعنى. فتحوّل الشهد إلى حنظل لايُقدَّم كانتكاسٍ نهائي، بل كمرحلة وجعٍ و«وجدان حداد» تفرضإعادة التقييم؛ والحنظل نفسه يُطرَح بوصفه قابلًا لأن يفضي، عبرالترتيل، إلى «شهد الرغد»، أي إلى حلاوة ناضجة تُستخلص منصلب التجربة الجريحة. هكذا تقرأ القصيدة انطفاء الأنوار كنتيجةللمذابح والتاريخ العنيف، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المبادئ لمتمت، بل يُعاد استثمار مرارة الواقع ترتيليًا لتوليد يقين جديد.

في هذا الأفق، يغدو «اليقين» الذي يَعِد به العنوان يقينًا متحوّلًا لاعقيدة منجَزة؛ فهو ثمرة مسار طويل من التعرّض للجرح وتأويله، ينتقل فيه المخاطَب من طور الحضور الجسدي واليوميالكؤوس، السرير، الجسد») إلى طور الحضور الرمزيالروحيالروحوتراتيل اليقين»)، حيث تتحوّل التجربة الحسيّة والتاريخيةبمافيها من شهدٍ أول وحنظلِ انكسارإلى مادة للإنشاد والترتيل. وهكذا تنجح القصيدة في أن تحوّل التجربة النفسية الفردية إلىمرآةٍ لوعي سياسي وتاريخي أوسع، وأن تجعل من «الترتيل» فعلًاشعريًا ونفسيًا للمقاومة ضد العدم، ومن «اليقين» أثرًا لغويًا وروحيًالتجربة نضال لم تستسلم للهزيمة، بل أعادت صوغ ذاتها في هيئةيقينٍ يُرتَّل ويُورَّث ويظل مفتوحًا على التأويل والاستمرار.
«الانكسار هنا مرحلة لا حكمًا؛ والمأساة تُنتِج عبر الترتيل يقينًامتحوّلًا، فتظلّ الفكرة حيّة رغم تراجع البنى السياسية

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular