Homeمقالاتسقوط الجمهورية العراقية ؛ نهاية السياسة وبداية المزاد الكبير !!!!!: عزيز الدفاعي

سقوط الجمهورية العراقية ؛ نهاية السياسة وبداية المزاد الكبير !!!!!: عزيز الدفاعي

 

في مشهدٍ سياسي يكاد يكون الأكثر عبثية في تاريخ العراق الحديث، يبدو أن البلاد تدخل مرحلة جديدة تُدار فيها الدولة بمنطق السوق لا بمنطق السياسة، حيث لم تعد الشرعية تُصنع عبر التاريخ السياسي أو الكفاءة أو المشروع الوطني، أو صناديق الانتخابات بل عبر المال والصفقات والقبول الخارجي.

فالعراقي الذي باع صوته الانتخابي بأقل من خمسين دولارًا، لم يكن يدرك أنه لا يبيع ورقة اقتراع فحسب، بل يبيع حقه في الاعتراض لاحقًا على صعود شخصيات مجهولة أو مرتبطة بمصالح مالية ضخمة إلى قمة السلطة. ولو أن بعض رجال الأعمال أو المقاولين الذين يملكون النفوذ المالي ترشحوا غدًا، فهل هناك ما يمنع فوزهم في بيئة انتخابية تحوّل فيها الفقر إلى أداة سياسية، والناخب إلى سلعة موسمية؟

الأكثر غرابة أن العراق يقف اليوم أمام رئيس وزراء لم يُعرف عنه أي نشاط سياسي أو برلماني أو فكري سابق، وكأن الدولة التي تضم عشرات الأحزاب وآلاف السياسيين انتهت فجأة إلى “مرشح مجهول” تعرفه العواصم الدولية وفي مقدمتها البيت الأبيض أكثر مما يعرفه الشعب العراقي نفسه. والمفارقة أن هذا الصعود السريع يتزامن مع ملفات وشبهات وتحقيقات برلمانية تتعلق بعقود تجهيز مفردات البطاقة التموينية ومطالبات مالية بمليارات الدولارات من خزينة الدولة.

ولا تتوقف الأزمة عند هذا الحد، فبعض الوجوه التي صوت لها لإدارة الوزارات السيادية ترتبط أيضًا بإمبراطوريات مالية وتجارية ضخمة، في وقت يفترض فيه المنصب التنفيذي التخلي الكامل عن أي نشاط تجاري أو منفعة مالية مباشرة أو غير مباشرة. وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف يمكن لمن يطالب الدولة بمليارات الدولارات أو يمتلك مصالح اقتصادية واسعة أن يدير وزارة يفترض أنها تراقب وتنظم وتنفق المال العام؟ وكيف سيتم الفصل بين القرار الحكومي والمصلحة التجارية الخاصة للساده الوزراء الجدد ومن اوصلهم خلف الستار ؟

والمؤلم أكثر أن كل ذلك يحدث في بلد لا يعاني أصلًا من نقص الكفاءات. فالعراق يمتلك آلاف الأكاديميين والخبراء والمهنيين الرصينين القادرين على إدارة أعقد مفاصل الدولة بكفاءة ونزاهة، سواء داخل البلاد أو في جامعات ومؤسسات العالم. لكن ما جرى لم يكن عملية اختيار وطنية قائمة على الخبرة، بل بدا أشبه بمزاد سياسي ومالي مفتوح، لم تشهد له حتى أكثر الأنظمة فسادًا مثيلًا واضحًا، حيث أُزيحت تدريجيًا أسماء وقوى سياسية مخضرمة كانت تمثل الجيل التقليدي للسلطة، لصالح جيل جديد من المقاولين ومدراء المكاتب وشبكات المصالح المرتبطة بزعماء وقادة بلغ كثير منهم من العمر عتيًا، ولم يعودوا قادرين على إدارة المشهد إلا عبر واجهات شابة تدير المال والنفوذ بدل السياسة والدولة.

أما التحول الأكثر إثارة للسخرية السياسية، فهو انتقال جزء كبير من الجمهور الشيعي، خلال سنوات قليلة، من خطاب “حاكمية المذهب والمرجعية” والتبعية السياسية لإيران، إلى حالة جديدة من التهيؤ النفسي والسياسي للقبول بأي سلطة تحظى برضا واشنطن أو مباركة ترامب. وكأن الجماهير التي كانت تعبّأ بشعارات السيادة ورفض الهيمنة الأجنبية، أصبحت اليوم مستعدة لتغيير بوصلتها العقائدية والسياسية وفق اتجاه القوة الدولية المهيمنة.

إن ما يجري لا يشبه تداولًا طبيعيًا للسلطة، بل يكشف عن انهيار تدريجي لفكرة الدولة نفسها، وتحول النظام السياسي إلى مساحة مفتوحة لتجارب النفوذ والمال والتسويات الدولية، وسط شعب أُنهك بالفقر والدعاية والطائفية حتى فقد القدرة على التمييز بين رجل الدولة ورجل الصفقة في جمهورية المقاولين: انها نهاية السياسة وبداية المزاد الكبير
وداعًا دولة الأحزاب… أهلاً بجمهورية الصفقات والمليارات انها الدولة المخطوفة: حين أصبح العراق صفقة لا وطنً

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular