متابعة ــ الطريق الثقافي
لا يقدّم أبو الفوز في هذا الكتاب مجرد متابعات انطباعية لأعمال سينمائية وتلفزيونية، بل ينهض بمشروع قراءة يتقاطع فيه السردي بالنقدي، والجمالي بالفكري. إذ يتعامل مع الصورة بوصفها نصًا مفتوحًا، تتشابك فيه طبقات الدلالة، وتتحوّل الشاشة إلى فضاء لإنتاج المعنى لا استهلاكه. ومن خلال مقاربات تتراوح بين التحليل والتأمل، يشتغل المؤلف على تفكيك البنية البصرية، واستنطاق ما تخفيه من أنساق ثقافية وأسئلة إنسانية عميقة.
ويستثمر المؤلف خلفيته كروائي وقاص ليمنح النص النقدي حساسية سردية واضحة، حيث تتحوّل القراءة إلى فعل حكائي موازٍ، يعيد بناء المشهد ويُضفي عليه أبعادًا إنسانية وتأملية. بهذا المعنى، لا يقف النص عند حدود الوصف أو التقييم، بل يتجاوزهما إلى مساءلة أثر الصورة في الذاكرة، وكيفية اشتغالها كخبرة ممتدة تتجاوز لحظة المشاهدة.
يضع “سِحر الشاشات” القارئ أمام تصورٍ مغاير لدور الشاشة؛ فهي ليست وسيطًا ترفيهيًا محضًا، بل جهازًا ثقافيًا معقّدًا، يشارك في تشكيل الوعي وإعادة إنتاج الأسئلة الكبرى للإنسان المعاصر. ومن هنا، يكتسب الكتاب أهميته بوصفه محاولة لقراءة الصورة من داخلها، والإنصات إلى ما تقوله ــ وما تُخفيه ــ في آن.
ويُذكر أن يوسف أبو الفوز، المولود في السماوة عام 1956، راكم تجربة حياتية وثقافية غنية، تنقّل خلالها بين بلدان وسياقات متعددة، قبل أن يستقر في فنلندا منذ عام 1995، حيث اشتغل في الحقلين الثقافي والأكاديمي، إلى جانب منجزه السردي والإعلامي.

