تحتل النار مكانة خاصة في المعتقدات الدينية الكردية القديمة، بوصفها رمزاً للنور والطهارة والحياة، كما ترتبط بالشمس التي تعد المصدر الأكبر للنور والدفء في الطبيعة، حتى قديما يقال إن الكرد كانوا يقدسون الشمس لدرجة العبادة وتسميتهم ب «ڕۆژ پەرست» في بعض المصادر التاريخية.
وفي الموروث الديني الكردي القديم كما في عدد من معتقدات شعوب الشرق القديمة، يتكون الكون من أربعة عناصر أساسية: التراب، الماء، الهواء، والنار، وهي عناصر تحمل دلالات روحية وفلسفية تتجاوز معناها المادي.
ولا تزال آثار هذه الرمزية حاضرة في الثقافة الكردية إلى يومنا، وبخاصة في عيد نوروز حين يشعل الكرد النيران على قمم الجبال وفي الساحات احتفالاً بقدوم السنة الجديدة، بوصف النار رمزاً للتحرر والانبعاث والانتصار على الظلام.
كما أن للشمس مكانة رمزية بارزة في الثقافة الكردية ولا يزال قرص الشمس يتوسط علم كردستان في دلالة تتجاوز البعد السياسي إلى جذور ثقافية وروحية قديمة.
وترتبط النار أيضاً بالموروث الميثرائي القديم، حيث كان ميثرا يمثل النور والعهد والشمس، كما حافظت التقاليد الإيزيدية على حضور النار والضوء بوصفهما رمزين للطهارة، ويظهر ذلك في لالش حيث تبقى الشموع والزيوت المقدسة مشتعلة بصورة دائمة تقريباً.
ويقال في الموروث الشعبي الكردي إن النار ظلت مشتعلة لقرون طويلة على قمة جبل أرارات في «قمة سیپانێ خەلاتێ»، وكلمة «خەلات» في اللغة الكردية تعني «عطاء الله» أو «هديته» ولهذا ينظر إلى القمة كمكان له قدسية. وتذهب بعض الروايات والأساطير الشعبية إلى أن الكرد كانوا من أوائل الشعوب التي احتفظت بالنار في الكهوف الجبلية وعدتها رمزاً مقدساً، كما يرى بعض المهتمين بالموروث الشرقي أن رمزية إشعال الشموع والنار والالعاب النارية في بعض الاحتفالات في اوربا ربما تأثرت بصورة غير مباشرة أو مباسرة بثقافات الشرق القديم ومنها كردستان.
ولا تقتصر رمزية القداسة في الموروث الكردي على النار وحدها، بل تمتد إلى التراب أيضاً كما في المعتقدات الايزيدية، وبخاصة التراب الأحمر الذي يشبه بلونه النار والحمم. ففي بعض المعتقدات الشعبية القديمة كان التراب الأحمر ينظر إليه بوصفه رمزاً للطهارة والقوة والخصب، وربما ارتبط ذلك بلون الأرض الجبلية في كردستان وبالدم والتضحية والشمس معاً، ويصنع من هذا التراب العديد من الصناعات والأواني، ولهذا نجد في بعض الطقوس والعادات القديمة احتراماً خاصاً للأرض والتراب، بوصفهما مصدر الحياة والهوية والانتماء.
وتوجد في الذاكرة الشعبية والأسطورية الكردية حكايات تربط بين الكرد والنار، بل وتصور أصل الكرد بوصفه مرتبطاً بالنور أو بالنار المقدسة… وبعض هذه الأساطير تبدو متأثرة بالموروثات الشرقية القديمة ومنها أسطورة تشبه إلى حد بعيد قصة بروميثيوس في الميثولوجيا اليونانية؛ الذي سرق النار ومنحها للبشر فعوقب من الآلهة.
ففي بعض الروايات الشعبية الكردية يرد ذكر شخصية «كوردومتيوس» الذي سرق شرارات النار المتطايرة من صنع سيف «مزوس»، من الحداد كاوايي هسنكار، ولاول مرة أشعل كوردومتيوس النار على قمم الجبال ومنحها هدية لشعبه بعدما رفض «مزوس» منح الشعب الكردي تلك الهدية أسوة بباقي الشعوب والقوميات. ولذلك غضب الإله من كوردومتيوس، فتعرض للعقاب وربط إلى صخرة تنهش الطيور كبده كل يوم. ورغم أن هذه الروايات ليست موثقة تاريخياً بوصفها جزءاً من الدين الكردي القديم، فإنها تعبر رمزياً عن ارتباط النار بالمعرفة والحرية والتمرد على الظلم.
ويبدو هناك ما يشبه بين عقاب الله لكل من كوردومتيوس الكردي والأسطورة اليونانية والروايات الدينية في الاسلام حول «ابلیس» ..
ومن اللافت أن صورة إبليس نفسها في بعض الأشعار والتأويلات الصوفية الكردية لم تقدم دائماً بوصفه رمزاً للشر المطلق، بل جرى النظر إليه أحياناً بوصفه عاشقاً متفرداً لله رفض السجود لغيره.
وهذه الفكرة نجد صداها عند أحمدي خاني قبل ما يقارب أربعة قرون، حين قال:
«ئبلیسێ فەقیرێ بێ جنایەت
هندی تە هەبو دگەل عنایەت
هەر ڕۆژ دکر هەزار طاعەت
لەوڕا کو تە دا وی ئیستیطاعەت
وی سەجدە نەکر بو غەیر مەعبود
گێرا تە ژ بەر دەرێ خوە مەردود»
وفي هذه الأبيات يظهر إبليس بوصفه مخلوقاً لم يرتكب، وفق هذا التصور الصوفي، ذنباً سوى رفضه السجود لغير الله، وهو تأويل عرفته بعض المدارس الصوفية والفلسفية في الشرق الإسلامي، ولا يقتصر على التراث الكردي وحده لكنه يعكس طبيعة التفكير الرمزي والتأويلي في الأدب الكردي الكلاسيكي.
وفي بعض التأويلات الصوفية والرمزية يقال إن إبليس رفض السجود لآدم لأنه خُلق من النار أو النور بينما خلق آدم من التراب، وهو تأويل فلسفي يعبر عن صراع العناصر والرموز أكثر مما يعبّر عن تفسير ديني حرفي.
كما أن بعض الباحثين يرون أن الإسلام الكردي التقليدي احتفظ عبر القرون ببعض السمات الثقافية المتأثرة بالموروثات الدينية المحلية القديمة وبالتعايش التاريخي مع المسيحية والإيزيدية واليارسانية، وهو ما انعكس في الطقوس الاجتماعية في التعايش السلمي ونظرة الكرد إلى الطبيعة والنور والمرأة والموسيقى والاحتفالات الشعبية.
وفي بعض التأويلات المرتبطة بالموروث الميثرائي القديم يشار إلى تعدد الرموز والقوى المرتبطة بالطبيعة والنور والنار. ويقال إن اسم «هاوار» ارتبط في بعض الروايات الشعبية بنداء النجدة والاستغاثة، ولا يزال الكرد حتى اليوم يرددون كلمة «هاوار» عند طلب العون والاستنجاد، كما توجد في منطقة عفرين مواقع وأسماء جبلية وأثرية يربطها بعض المهتمين بالموروث القديم بالرمزية الميثرائية، مثل جبل «هاوار» وقلعة «هورو»، وكما تشكل منطقة «هەورامان» موطن الديانة اليارسانية الكردية، بما تحمله من رمزية روحية وثقافية مرتبطة بالطبيعة والنور والجبال، فإن ذلك يعكس عمق حضور العناصر الطبيعية المقدسة في الوجدان الكردي عبر العصور.
كذلك ترتبط مفردة «خۆر» في اللهجات الكردية بالشمس والنور، وهو ما يعكس الحضور الرمزي العميق للشمس في الذاكرة الثقافية الكردية القديمة، حيث ارتبط النور بالحياة والدفء والحرية والقداسة، وربما هناك ارتباط وثيق بين المفردتین الكرديتین «خۆر» و «خودێ» ای الله.
وربما لهذا السبب بقيت النار والشمس والنور حاضرة في الوجدان الكردي، لا بوصفها مجرد عناصر طبيعية بل باعتبارها رموزاً للحرية والمقاومة والاستمرار وجزءاً من الذاكرة التاريخية والروحية للشعب الكردي عبر العصور.
وبالرغم من التحولات الدينية والسياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، بقيت النار والشمس والأرض والنور رموزاً حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية، لا بوصفها مجرد عناصر طبيعية، بل باعتبارها إشارات إلى الحياة والحرية والاستمرارية والهوية التاريخية للشعب الكردي.

