لم تكن مراسم تشييع المرشد الأعلى للنظام الإيراني مجرد مناسبة لتوديع شخصية سياسية ودينية، بل تحولت إلى عملية استثمار سياسي وإعلامي واسعة، سعى النظام من خلالها إلى تعويض ما يعانيه من تراجع داخلي وخارجي. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن الهدف لم يكن الاقتصار على أداء مراسمالتأبين، وإنما توظيف الحدث لإظهار صورة نظام ما زال يمتلكزمام المبادرة ويحظى بتأييد شعبي واسع، رغم ما يواجهه منأزمات متلاحقة وتحديات غير مسبوقة.
وكان النظام الإيراني يراهن على أن تشكل هذه المناسبة فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ورص صفوف أجنحته المتصارعة، واستعادة معنويات قواعده التي تأثرت بفعل الضغوط السياسية والاقتصادية وتصاعد حالة السخط الشعبي. غير أن المشهد جاء على خلاف ما خطط له منظموه، إذ سرعان ما ظهرت الخلافات إلى العلن، وتحولت مراسم التشييع إلى ساحة لتبادل الرسائل بين أجنحة السلطة. فقد علت هتافات ضد الرئيس مسعود بزشكيان ووصِف بأنه “مساوم“، كما تعرض وزير الخارجية عباسعراقجي لهتافات تتهمه بالتفريط، الأمر الذي كشف أن الأزمةداخل النظام أعمق من أن تخفيها مظاهر الحشد والاستعراض.
لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل تمثل في نقل الجثمان إلى النجف وكربلاء، وهي خطوة حملت دلالات سياسية أكثر مما حملت مضامين دينية. فاختيار المدينتين لم يكن بعيدا عن محاولةاستثمار مكانتهما الروحية لإضفاء شرعية معنوية على النظام،وإرسال رسائل إلى الداخل الإيراني وإلى القوى الحليفة فيالمنطقة. غير أن هذه الخطوة أثارت استياء واسعا لدى كثير منالعراقيين الذين لا يزالون يستحضرون الدور الذي لعبته طهرانفي الشأن العراقي خلال العقود الماضية.
لقد عبرت انتفاضة تشرين عام 2019 بوضوح عن حجم الرفضالشعبي العراقي للنفوذ الإيراني، عندما رفع المحتجون شعاراتتندد بسياسات طهران وأحرقوا صور خامنئي في عدد من المدن. ولم يكن ذلك تعبيرا عابرا عن غضب سياسي، بل انعكاسا لتراكمسنوات من الاحتقان نتيجة ما يعتبره كثير من العراقيين تدخلامباشرا في القرار الوطني، ودعما لفصائل مسلحة ارتبط اسمهابأعمال عنف وانتهاكات، فضلا عن مساهمتها في تكريس الفسادوإضعاف مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن تحويل مراسم التشييع إلى منصة للدعاية السياسية لا يغير من حقيقة الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني، ولا ينجح في طمس حجم الانقسامات التي تعصف به. فالشرعية لا تصنع بالمواكب الضخمة ولا بالمراسم الاستعراضية، وإنماتبنى على رضا الشعوب واحترام إرادتها. وكلما حاول النظامتوظيف الرموز الدينية لتحقيق مكاسب سياسية، ازداد انكشافالفجوة بين الصورة التي يسعى إلى تسويقها والواقع الذييواجهه في الداخل، وكذلك في الدول التي دفعت ثمنا باهظانتيجة سياساته وتدخلاته.

