Homeمقالاتمن "الاستسلام" إلى "الاتفاق الشريف"... خطاب يكشف مأزق النظام الإيراني : منى...

من “الاستسلام” إلى “الاتفاق الشريف”… خطاب يكشف مأزق النظام الإيراني : منى سالم الجبوري

لم يكن التحول المفاجئ في خطاب حرس النظام الإيراني تجاه التفاهمات الأخيرة مع الولايات المتحدة مجرد تبدل في اللغة السياسية، بل عكس حجم المأزق الذي يواجهه النظام داخلياوخارجيا. فما كان يصور قبل أسابيع على أنه تنازل مذل وخيانةلثوابت الثورة، أصبح فجأةاتفاقا شريفاأنجز ـ بحسب الروايةالرسمية ـ من موقع القوة وبإشراف مباشر من الولي الفقيه. وهذاالتناقض لا يكشف براعة سياسية بقدر ما يفضح ارتباكا فيإدارة الأزمة ومحاولة يائسة لاحتواء آثار التراجع.

فقد سبق للأجنحة المتشددة ووسائل الإعلام المقربة من الحرس أن شنت حملة واسعة ضد أي تفاهم مع واشنطن، واعتبرت المفاوضين متهاونين بحقوق إيران، بل جرى تحريك القواعد الأيديولوجية لتأليب الرأي العام ضد أي تسوية. واليوم يطلب منهذه القواعد نفسها التصفيق لما كانت تعتبره استسلاما. وهذاالتحول السريع يثير تساؤلات حول طبيعة القرار داخل النظام،ويعكس حجم الضغوط التي دفعت القيادة إلى تغيير موقفها.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن المتغيرات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة. فالضغوط العسكرية والاقتصادية، وتراجع النفوذ الإقليمي، وارتفاع كلفة المواجهة، جعلت استمرار سياسة التصعيد خيارا بالغ الخطورة. لذلك بدا القبول بتفاهم معواشنطن أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد بقاءالنظام نفسه.

لكن التجربة الإيرانية تؤكد أن أخطر ما يواجه السلطة ليس الضغوط الخارجية وحدها، بل انعكاسها على الداخل. فكل تراجع سياسي أو عسكري يتزامن مع تصاعد المخاوف من احتجاجات شعبية جديدة، خصوصا في ظل الانهيار الاقتصادي واتساعرقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى. ولهذا تسعى السلطة إلىتسويق التراجع باعتباره انتصارا، خشية أن يفسر داخليا بوصفهعلامة ضعف تشجع الشارع على التصعيد.

وفي هذا السياق، تكتسب تحركات وحدات المقاومة داخل إيران أهمية متزايدة، إذ تشير إلى أن المعارضة المنظمة تواصل نشاطها رغم القبضة الأمنية المشددة. كما أن تصاعد الإعدامات والإجراءات القمعية يعكس إدراك النظام بأن التهديد الحقيقي لم يعد يقتصر على الضغوط الدولية، بل يتمثل في احتمال التقاء الأزمة الاقتصادية مع السخط الشعبي في موجة احتجاجات واسعة.

إن تحويل “الاستسلام” إلى “اتفاق شريف” ليس انتصارادعائيا، بل اعتراف غير مباشر بأن موازين القوى لم تعد كما كانت. فالنظام الذي يحاول إقناع أنصاره بجدوى التراجع، يدرك في الوقت نفسه أن مستقبله لن يتحدد على طاولة المفاوضات وحدها، بل في الشارع الإيراني، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع المطالب السياسية، ويتزايد حضور الرفض الشعبي كعامل مؤثر في معادلة التغيير.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular