Homeمقالاتالذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟ : د. مجيد حسو...

الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟ : د. مجيد حسو مراد

هناك شعوب تُصاب بما يشبه فقدان الذاكرة، لا لأن تاريخها غاب عنها، بل لأنها تتوقف عن الإصغاء إلى دروسه. وهناك شعوب من نوع آخر؛ تحفظ تفاصيل ماضيها، وتروي مآسيها جيلاً بعد جيل، لكنها تعود لتسلك الطريق ذاته الذي قادها إلى تلك المآسي. وبين هذين النموذجين يقف الكرد أمام سؤالٍ لا يزال مفتوحاً: كيف يمكن لشعبٍ يحمل ذاكرةً مثقلة بالآلام أن يجد نفسه، مرةً بعد أخرى، يعيد إنتاج الظروف التي صنعت تلك الآلام؟

فالتاريخ الكردي لم يُكتب في الكتب وحدها، بل حُفظ في الأغاني، والمراثي، والحكايات الشعبية، وفي ذاكرة العائلات التي تناقلت أسماء القرى المدمرة، والمدن المنكوبة، والآباء الذين لم يعودوا من الحروب. غير أن الذاكرة، مهما كانت قوية، لا تكفي إذا بقيت مجرد وسيلة لاستحضار الألم، ولم تتحول إلى أداةٍ لإعادة النظر في الخيارات السياسية والاجتماعية.

جرحٌ لا يندمل لأنه لا يُقرأ

بحكم موقعها الجغرافي، ظلت كردستان عبر قرون طويلة ساحةً لتقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية. فمنذ العصور الإسلامية الأولى، مروراً بالصراعات بين الإمبراطوريات الإسلامية، ثم الحروب العثمانية الصفوية، وصولاً إلى صراعات القرن العشرين والحادي والعشرين، بقيت هذه الأرض على تماسٍ دائم مع مراكز القوة، بينما ظل الكرد يدفعون، في كثير من الأحيان، ثمن صراعات لم يكونوا أصحاب قرار فيها.

ولعل الحرب العثمانية الصفوية كانت من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك. فقد وجد الكرد أنفسهم موزعين بين معسكرين متنازعين، يقاتلون في صفوف هذا الطرف أو ذاك، بينما بقيت مصالحهم الوطنية خارج حسابات الطرفين. تغيرت أسماء الدول والأسلحة والرايات، لكن النتيجة بقيت واحدة: كان الكرد، في كثير من المحطات التاريخية، وقوداً لصراعات الآخرين أكثر من كونهم شركاء في رسم مصائرهم.

غير أن المأساة لا تكمن في استغلال القوى الكبرى للشعوب الصغيرة؛ فهذه حقيقة عرفها التاريخ مراراً. المأساة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الانقسامات الداخلية إلى أداة تسهّل على الآخرين إدارة ذلك الاستغلال. فعندما يستعين طرفٌ كردي بقوةٍ خارجية لإضعاف طرفٍ كردي آخر، أو عندما تُقدَّم الحسابات الحزبية على المصلحة القومية، يصبح الخصم الخارجي أقل حاجة إلى فرض نفوذه بالقوة، لأن الانقسام يتولى هذه المهمة عنه.

والأشد مرارة أن التجربة نفسها تتكرر بأسماء مختلفة. فمن يُستخدم اليوم لإضعاف شقيقه، قد يجد نفسه غداً في الموقع ذاته عندما تنتهي الحاجة إليه. إنها دائرة لم تنجح التجارب المتراكمة، حتى الآن، في كسرها بصورة كاملة.

النسيان بوصفه خياراً سياسياً

ليس أخطر ما يواجه الشعوب الاحتلال أو التدخل الخارجي، بل عجزها عن التعلم من تجاربها. فالخطر الخارجي يمكن مقاومته حين تتوافر الإرادة المشتركة، أما الانقسام الداخلي فيقوّض تلك الإرادة من أساسها.

ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في ضعف الذاكرة الكردية، بل ربما في طبيعة استخدامها. فالكرد لا ينسون الأنفال، ولا حلبجة، ولا عفرين، ولا سنجار ، ولا سائر المحطات التي حفرت جراحها في وجدانهم الجمعي. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تتحول هذه الذاكرة إلى معيارٍ عند اتخاذ القرار السياسي، أم تبقى حاضرة في لحظات الحداد والذكرى فقط؟

إن إحياء الذكريات واجب أخلاقي تجاه الضحايا، لكنه لا يغني عن مراجعة الأسباب التي أفضت إلى تلك المآسي. فالذاكرة التي تكتفي بالبكاء على الماضي، من دون أن تؤثر في خيارات الحاضر، تتحول تدريجياً إلى طقسٍ رمزي، بينما تبقى الأخطاء نفسها قابلة للتكرار.

بين قسوة الجغرافيا ومسؤولية القرار

سيكون من الظلم تجاهل التعقيدات التي تحيط بالقضية الكردية. فالكرد شعب موزع بين أربع دول، يعيش في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، وتلتقي حوله مصالح إقليمية متناقضة لا يجمعها في أحيان كثيرة سوى رفضها لأي مشروع كردي جامع.

في ظل هذا الواقع، قد تبدو بعض التحالفات السياسية اضطرارية، فرضتها محدودية الخيارات لا قناعة أصحابها. والسياسة، بطبيعتها، لا تُدار بالأمنيات، بل بموازين القوى والمصالح المتغيرة. لذلك لا يمكن الحكم على جميع التحالفات بمعيار واحد.

غير أن هذا التعقيد لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لتغليب الخلافات الداخلية على المصالح العليا. فالتحالف مع قوة خارجية قد يكون خياراً فرضته الظروف، أما تحويل الخصومة الكردية–الكردية إلى مدخلٍ دائم لتدخل الآخرين، فهو أمر مختلف تماماً، لأنه يترك آثاره في بنية المجتمع والثقة المتبادلة، ويجعل الانقسام أكثر رسوخاً من أي ضغط خارجي.

الذاكرة التي تصنع المستقبل

ليست الذاكرة الجماعية أرشيفاً للألم، وإنما وسيلة لحماية المستقبل من تكرار أخطاء الماضي. وما يحتاجه الكرد اليوم ليس مزيداً من استحضار المآسي، فهذه حاضرة في وجدان كل بيت كردي، وإنما ترسيخ ثقافة سياسية تجعل من تلك التجارب مرجعاً عند اتخاذ القرار، لا مجرد مادة للخطابات السنوية واحتفالات الذكرى.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تنهض بعدد ما قدمته من تضحيات، وإنما بقدرتها على تحويل تلك التضحيات إلى وعيٍ جماعي، وإلى مؤسسات، وثقافة سياسية، وأولويات تتجاوز الحسابات الضيقة.

إن الانقسام الداخلي، والتصالح المتعجل مع من يكرر أنماط الهيمنة ذاتها، ليسا مجرد تفاصيل في المسار الكردي، بل من أبرز العوامل التي أعاقت، عبر عقود طويلة، بناء مشروع قومي أكثر تماسكاً. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كم مرة ظُلِم الكرد؟ فالإجابة يعرفها الجميع. بل السؤال الأهم هو: ماذا تعلم الكرد من هذا التاريخ، وكيف سينعكس ذلك على قراراتهم المقبلة؟

فالأمم لا تُقاس بعدد جراحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الجراح إلى وعيٍ يحمي مستقبلها. والكرد، بعد قرونٍ من المعاناة والتضحيات، لا تنقصهم عدالة القضية ولا شجاعة أبنائهم، وإنما يحتاجون، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تصبح الذاكرة مرجعاً للفعل، لا مستودعاً للحزن، وأن تتحول الوحدة من شعارٍ يُرفع في الأزمات إلى ثقافةٍ تُمارس في أوقات الاختلاف. وعندها فقط، لن يكون الماضي قيداً على المستقبل، بل سيكون الطريق الذي يمنع تكرار المأساة، ويفتح الباب أمام أملٍ طال انتظاره.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular