هناك أنظمة تخاف من الشارع، وأنظمة تخاف من الكلمة، ونظام ولاية الفقيه يخاف منهما معا.
لكن خوفه الأكبر ربما هو أن تتجاوز الكلمة حدود السجن، وأن يعبر صوت الشارع الحدود التي حاول طويلا إغلاقها. وهذاتحديدا ما يحدث اليوم. فبينما يواصل النظام الإيراني إحكامقبضته على الداخل، تتسع في الخارج دائرة الحراك الذي يقودهأنصار مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية، لتصل إلى عشرات المدنوالعواصم، حاملة معها صورة أخرى لإيران، مختلفة تماما عنالصورة التي تريد طهران تسويقها للعالم.
من برلين إلى باريس، ومن لندن إلى جنيف ولاهاي، ومن ستوكهولم وأوسلو إلى واشنطن وتورونتو وفانكوفر، خرجت أصوات متزامنة تقول ما يحاول النظام الإيراني دفنه خلف أبواب السجون: هناك شعب يريد الحرية، وهناك سجناء يدفعون ثمن مواقفهم، وهناك نظام يستخدم الإعدام والقمع والترهيب وسيلة لإطالة عمر سلطة فقدت الكثير من شرعيتها.
وليس مهما هنا أن نتوقف طويلا عند عدد المتظاهرين أو حجم كلفعالية. الأهم هو الاستمرارية والتنظيم والانتشار. فالمظاهرة التيتنتهي بعد ساعات قد تصبح خبرا، أما الحراك الذي يتكرر فيمدن متعددة، وعلى مدى أسابيع وشهور، فإنه يتحول إلى قضية.
وهذا ما يمنح الحراك الدولي لأنصار المقاومة أهميته السياسية.
إنه لا يسمح للقضية الإيرانية بأن تموت في زحمة الأخبار. لا يسمح للإعدام بأن يتحول إلى رقم، وللسجين السياسي إلى اسم مجهول، وللقتل تحت التعذيب إلى حادثة عابرة. إنه يعيد كل ذلك إلى الواجهة، ويضعه أمام المواطن الأوروبي والأمريكي، وأمام البرلماني والصحفي والناشط الحقوقي، وأمام المؤسسات الدولية التي يفترض أن تكون معنية بحماية الإنسان لا بمراقبة انتهاكات حقوقه من بعيد.
لقد أدرك أنصار المقاومة أن المعركة على مستقبل إيران ليست معركة داخلية فقط. إنها أيضا معركة على الوعي الدولي.
فالنظام يمتلك أجهزة أمنية وسجونا ومحاكم وأدوات إعلامية، لكنهيواجه مشكلة لا يستطيع حلها بالاعتقال: وجود رواية أخرى عنإيران.
رواية تقول إن المشكلة ليست في الشعب الإيراني، ولا في احتجاجاته، ولا في مطالب الحرية والعدالة؛ المشكلة في نظام جعل من القمع سياسة، ومن الإعدام أداة ردع، ومن تصدير الأزمات وسيلة للبقاء.
وهنا يصبح شعار “لا للإعدام“ أكثر من شعار. إنه تحد مباشرلمنطق السلطة الذي يريد أن يقول للإيرانيين: اخافوا، اصمتوا،تراجعوا.
لكن الحراك في الخارج يقول العكس تماما: لا تصمتوا، لأنالعالم يسمعكم.
إن حملة “ثلاثاءات لا للإعدام“ والتحركات التضامنية مع السجناء السياسيين والمعتقلين، إلى جانب الوقفات والمعارض والأنشطة الإعلامية، تشكل جسرا بين الداخل والخارج. فمن يقف في برلينأو باريس أو لندن لا يتحدث عن قضية بعيدة، بل يحاول أن يمنحصوتا لمن حرم من الميكروفون داخل بلده.
وهنا تكمن قيمة سياسية وإنسانية لا يمكن التقليل منها.
فكل صورة لسجين سياسي ترفع في إحدى الساحات الأوروبيةهي تذكير بأن السجين ليس رقما. وكل صورة لضحايا الإعداماتهي محاولة لمنع النسيان. وكل مذكرة تسلم إلى مؤسسة دولية هيسؤال صريح: إلى متى يستمر الإفلات من العقاب؟
ولعل الرسالة الأكثر أهمية التي يحملها هذا الحراك ليست موجهة إلى طهران وحدها، وإنما إلى العواصم الغربية أيضا.
فسياسة المساومة مع نظام استبدادي قد تمنح هدنة مؤقتة، لكنها لا تصنع استقرارا دائما. والاستقرار الذي يقوم على السجونوالمشانق والخوف ليس استقرارا، بل تأجيلا للانفجار.
إن إيران التي تستحق أن يلتفت إليها العالم ليست إيران الصواريخ والميليشيات والأزمات الإقليمية فحسب. إنها إيران الإنسان الإيراني الذي يريد أن يعيش حرا، وإيران المرأة والشابوالعامل والطالب والسجين السياسي، وإيران المجتمع الذي يريدأن يقرر مستقبله بعيدا عن سلطة رجال الدين والاستبداد.
ومن هذه الزاوية، فإن الحراك الدولي لأنصار المقاومة يؤدي وظيفة تتجاوز الاحتجاج. إنه يحافظ على حضور القضية الإيرانية في الوعي العالمي، ويمنع النظام من احتكار صورة البلاد، ويقول للعالم إن وراء جدران طهران الرسمية إيران أخرى؛ إيران لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
قد تستطيع طهران أن تغلق سجنا، لكنها لا تستطيع إغلاقعاصمة بأكملها.
وقد تستطيع أن تمنع صوتا في شارع إيراني، لكنها لا تستطيعأن تمنع صدى ذلك الصوت في برلين وباريس ولندن وواشنطن.
وقد تستطيع أن تنصب مشنقة، لكنها لا تستطيع أن تنصب مشنقة للنسيان.
وهنا تحديدا تكمن قوة هذا الحراك: أن يجعل كل إعدام شاهدا،وكل سجين قضية، وكل شارع في عاصمة عالمية نافذة مفتوحةعلى إيران التي يحاول النظام إخفاءها.
فالمعركة ليست فقط من أجل أن يسمع العالم الإيرانيين.
إنها، قبل كل شيء، من أجل ألا يستطيع النظام الإيراني أن يقنع العالم بأن الإيرانيين لا صوت لهم.

