Homeاخبار عامةرئيس المخابرات التركي في بغداد، صفقات الغرف المغلقة مع الطامعة وصمت البوصلة...

رئيس المخابرات التركي في بغداد، صفقات الغرف المغلقة مع الطامعة وصمت البوصلة العراقية

اختراق أمني بنكهة دبلوماسية: “إبراهيم قالن” في بغداد.. صفقات الغرف المغلقة مع “الجارة الطامعة” وصمت البوصلة العراقية!

ضياء احمد الشكرجي:؟ ا.
في خطوة تجاوزت بروتوكولات الدبلوماسية التقليدية، استقبل قصر بغداد رئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم قالن، والوفد المرافق له، بحضور كبار القادة الأمنيين والقضائيين في العراق، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس القضاء الأعلى. الخبر في ظاهره يبدو لقاءً بروتوكولياً لبحث “الأمن المشترك”، لكن في باطنه يثير عاصفة من التساؤلات الحرجة حول توقيت الزيارة، ماهية الرسائل الاستخبارية العميقة التي يحملها “رجل الظل” التركي، واللامبالاة الغريبة التي تبديها النخبة السياسية والشعبية في العراق تجاه جارٍ لا يتوقف عن قضم السيادة وقطع شريان الحياة (المياه).
من هنا، نفتح ملفات هذه الزيارة المثيرة للجدل عبر الأسئلة والمحاور التالية:
س1: لماذا يزور رئيس جهاز المخابرات التركي بغداد في هذا التوقيت بالذات؟
الجواب: التوقيت ليس عبثياً. تركيا تعيد ترتيب أوراقها الإقليمية وتبحث عن حسم ملفات عالقة قبل حدوث أي تغيرات في موازين القوى الدولية. مجيء “رئيس المخابرات” تحديداً يعني أن أنقرة تجاوزت لغة الدبلوماسية الناعمة وتريد وضع النقاط على الحروف في ملفات “قاسية” لا تحتمل التأجيل، مثل العمليات العسكرية التركية في الشمال، ملف حزب العمال الكردستاني، وتأمين مسار “طريق التنمية” الحيوي للاقتصاد التركي، مستغلةً حالة الهدوء السياسي النسبي في بغداد لتمرير إملاءاتها الأمنية.
س2: لماذا شملت اللقاءات “الصف الأول” في العراق بما في ذلك رئيس مجلس القضاء الأعلى؟
الجواب: عندما يلتقي رئيس مخابرات دولة أجنبية بـ “رأس الهرم القضائي” ورؤساء السلطات، فهذا مؤشر خطير يتجاوز التنسيق الأمني العادي. تركيا تريد “غطاءً قانونياً وسياسياً شاملًا” لتحركاتها داخل العراق. اللقاء مع القضاء العراقي قد يستهدف تنسيق ملفات ملاحقة المطلوبين، أو شرعنة بعض الاتفاقيات الأمنية، أو الضغط باتجاه تجريم جهات عراقية معينة تصنفها أنقرة كتهديد، مما يعني أن الأتراك يريدون إلزام كل مفاصل الدولة العراقية (التنفيذية، الأمنية، والقضائية) بمخرجات هذه الزيارة.
س3: ما هي ماهية الرسالة التي جاء بها “قالن”؟ وهل هي سياسية أم أمنية؟
الجواب: بالتأكيد ليست رسالة سياسية، فلو كانت كذلك لكان الأجدر بوزير الخارجية التركي الحضور. إنها رسالة أمنية عالية المستوى ومصحوبة بتهديد مبطن. الرسالة التركية واضحة: “أمن تركيا القومي خط أحمر، وسنتوغل في أراضيكم بالعمق الذي نريده، وعليكم كاملاً القبول بالتنسيق الاستخباري أو التحمل الصامت لتبعات العمليات العسكرية” وطالما أن “رجل المخابرات الأول” هو من يحمل الحقيبة، فإن لغة الحوار خلف الكواليس هي لغة الخرائط، والعمليات، والخطوط الحمراء، وليست لغة المصالح المشتركة.
س4: كيف يُفسّر الصمت المطبق للمستشارين والساسة العراقيين تجاه هذه الزيارة؟
الجواب: هذا الصمت يعكس حالة من العجز السياسي أو التواطؤ خلف الكواليس. الساسة العراقيون يدركون الحرج الشديد أمام الشارع في حال كشفوا عن حجم التنازلات الأمنية لتركيا، فآثروا الهروب إلى الأمام ببيانات إنشائية مكررة ومطاطة مثل “تعزيز العلاقات” و”الأمن المشترك”، متجنبين إطلاق أي تصريح ناقد يغضب الجانب التركي أو يحمل بغداد مسؤولية الرد على خروقات السيادة المستمرة.
مفارقة “الجار العدو” وضياع بوصلة الوطنية العراقية
هنا تبرز المفارقة الصادمة والأكثر مرارة في المشهد العراقي-التركي:
تركيا: الجارة، العدو، المستثمر، والطامع!
كيف يستقيم في عقيدة الدول أن يتم التعامل مع جارٍ يهتك السيادة الوطنية عشرات المرات، ويقصف القرى الحدودية ويقوض أمن المواطنين، ويقطع مياه دجلة والفرات ليعطش بلداً بأكمله، كـ “شريك اقتصادي مدلل”؟ تركيا لا تخفي طمعها التاريخي والجغرافي في أجزاء من العراق (كركوك والموصل)، ومع ذلك يتعامل معها المفاوض العراقي بلينٍ غريب.

والأدهى من ذلك، هو ما يحصل على الصعيد الشعبي والاستثماري. فبينما تحبس أنقرة المياه وتجفف الأهوار والأراضي الزراعية في العراق، وترسل طائراتها المسيرة لتقصف الشمال، نجد أن المواطن العراقي هو ثاني أكبر مستثمر في قطاع العقارات داخل تركيا! العراقيون يضخون مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد التركي الذي يمول الآلة العسكرية التي تنتهك أرضهم.
ولا يمكن للتاريخ أن ينسى أو يغفر لتركيا دورها المظلم خلال السنوات الماضية، فهي التي فتحت حدودها ودربت وقدمت الدعم المادي واللوجستي لآلاف المتطرفين الإسلاميين (داعش وأخواتها) ليدخلوا العراق ويحتلوا المحافظات الغربية، مما تسبب في شلالات من الدم العراقي وتدمير البنى التحتية.

إن هذه المفارقات الصارخة تؤكد حقيقة مؤلمة: أغلب الشعب العراقي (ومعه النخبة السياسية) قد فقد بوصلة الوطنية الحقيقية. لقد تحولت الوطنية إلى شعارات جوفاء، بينما في الواقع، يتم مكافأة المعتدي اقتصادياً، والصمت عنه سياسياً، وتمرير أجنداته أمنياً في قصر بغداد. زيارة إبراهيم قالن لم تكن لبناء بيئة مستقرة، بل كانت لتثبيت النفوذ التركي، والسؤال الحقيقي ليس ماذا يريد الأتراك، بل: متى يستيقظ أصحاب القرار في العراق لحماية ما تبقى من سيادة وماء؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular