ورقة وكيل وزير سابق
توصي ورقة بحث نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بفرض عقوبات فردية تشمل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس منظمة بدر هادي العامري، إذا واصلا “عرقلة” محاولات حصر سلاح الفـ”ـصائل، إذ يرى المعهد أنهما لا يميلان إلى خيار نزع السلاح، خاصة حينما تعهد المالكي بتهدئة الفـ”ـصائل، ومنع التصادم مع سياسة بغداد ثم انتهى الأمر بانطلاق هجمات من العراق استهدفت أنبوب “شرق – غرب” السعودي قرب الرياض والمدينة المنورة، ويستشهد التحليل الذي تابعته شبكة 964، بسابقة كادت أن تعرض المالكي لتلقي عقوبات من إدارة ترامب الأولى، كما يدعو البيت الأبيض إلى مساعدة بغداد في “تدقيق وضع قيادات جهاز مكافحة الإرهـ”ـاب” وضمان عدم وجود “ضباط مقربين من الفـ”ـصائل” في هذه المؤسسة التي بقيت “الأقل تأثراً بالنفوذ الإيراني”.
وكانت كتلة المالكي اعترفت بأن الهجمات ضد السعودية “لعبت بإعدادات” لجنة الإطار التنسيقي التي تصورت للحظة أنها “حققت معجزة ومنعت التوتر” ثم انطلقت الصواريخ نحو أنبوب النفط قرب المدينة المنورة!
◾ورقة ديفيد شينكر وهو وكيل وزارة الخارجية الأميركية حتى 2021، وتابعتها شبكة 964:
مع اقتراب الموعد النهائي المحدد في 30 أيلول لنزع سلاح ميليـ”ـشيات الحـ”ـشد الشـ”ـعبي، ينبغي لواشنطن أن تدعم جهود حكومة الزيدي وأن تضمن أن تكون التنازلات التي تقدمها الميليشيات حقيقية.
في 10 أيلول، هاجمت فصـ”ـائل مدعومة من إيران ضمن قوات الحـ”ـشد الشـ”ـعبي العراقية خط أنابيب النفط السعودي في ينبع، ما أدى إلى تعليق تصدير ما يصل إلى 4-5 ملايين برميل من النفط يومياً عبر البحر الأحمر. ولم يكن وابل الطائرات المسيّرة الذي أطلقته قوات الحـ”ـشد الشـ”ـعبي سوى أحدث تذكير بالدور المزعزع للاستقرار، إقليمياً ومحلياً، الذي تؤديه هذه الميلـ”ـيشيات.
قبل أشهر، حدد رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، يوم 30 أيلول موعداً نهائياً لنزع سلاح هذه الجماعات. وفي اليوم نفسه، من المقرر أن تغادر القوات الأميركية المتبقية المتمركزة في العراق ضمن التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسـ”ـلامية، وفقاً لاتفاق أُبرم في حزيران 2024. وكان تزامن الموعد النهائي لنزع السلاح مع موعد مغادرة القوات الأميركية يُنظر إليه، في وقت من الأوقات، على أنه فرصة لبغداد لإعادة تأكيد سيادة الدولة. لكن، في حين تسير القوات الأميركية في طريقها نحو المغادرة، يبدو الآن أن الميليـ”ـشيات ستستمر حتى بعد انقضاء الموعد النهائي. ويشكّل استمرار هذه الجماعات الشيعية المسلحة تحدياً خطيراً للزيدي، وكذلك لإدارة ترامب، التي تسعى إلى إحداث تحول في العلاقات الثنائية.
◾رسم خط فاصل؟
تولى الزيدي رئاسة الوزراء في 14 أيار، بعد أقل من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيـ”ـلية على إيران. وبعد أيام فقط من توليه المنصب، أطلقت فـ”ـصائل الحـ”ـشد الشـ”ـعبي المدعومة من إيران، وأبرزها كتـ”ـائب حـــ””””ـزب الله، وحركة حـ”ــــ”””ـزب الله النـ”ـ”ـجباء، وكـ”ـتائب سـ”ـيد الشـ”ــ”ـهداء، موجات من الطائرات المسيّرة باتجاه السعودية والإمارات العربية المتحدة. وهذه التنظيمات، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهـ”ـ”ـابية، أُنشئت عام 2014 لمحاربة تنـ”ـظيم الدولة الإسـ”ـلامية، وكانت قد هاجمت على مدى سنوات أفراداً دبلوماسيين وعسكريين أميركيين في العراق. لكن بعد بدء الحرب، وسعت هذه الفـ”ـصائل قائمة أهدافها لتشمل أكراد العراق، والمنشآت الأمنية العراقية، والقواعد الأميركية، والبنية التحتية النفطية في شبه الجزيرة العربية والأردن. ومن شباط حتى نيسان، شنت هذه الفـ”ـ”ـصائل عدداً غير مسبوق من الهجمات ضد مثل هذه الأهداف.
وإدراكاً للتهديد الذي تشكله هذه التحركات المنفردة للميلـ”ـيشيات على العراق وعلى العلاقات الجيدة مع دول الخليج العربية، وضع الزيدي، في الركيزة الأولى من برنامجه الحكومي الجديد الذي صدر في 17 أيار، «حصر السلاح بيد الدولة وفرض سيادة القانون». وكرر هذه السياسة خلال اجتماعه مع الرئيس ترامب في المكتب البيضاوي في 14 تموز، مضيفاً أنه بعد 30 أيلول، «لن نقبل أبداً بأي جهة تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة».
وفي وقت مبكر من عهد الزيدي، دخلت حكومته في حوار بشأن نزع السلاح مع فـ”ـصـ”ـائل الحـ”ـشد الشـ”ـعبي المدعومة من إيران وميلـ”ـيشيات أخرى. وبدعم ظاهري من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي ربما يكون الشخصية الأكثر نفوذاً في العراق اليوم، حقق الزيدي بعض التقدم. ففي أوائل حزيران، وافقت عصـ”ــائب أهـ”ـل الحـ”ـق، وهي فصيل بارز في الحـ”ـشد الشـ”ـعبي ومصنف من قبل الولايات المتحدة منظمة إرهـ”ـابـ”ـية، على تسليم أسلحتها. ورغم أن عصـ”ـائب أهـ”ـل الحـ”ـق لم تكن نشطة عسكرياً بدرجة كبيرة في الآونة الأخيرة، فإن تنازلها المعلن يظل مهماً؛ إذ يسيطر قـ”ـيس الخـ”ـزعـ”ـلي، زعيم الجماعة، على ثمانية وعشرين مقعداً في البرلمان العراقي من خلال كتلة الصادقون التابعة له. كما انضمت ميليـ”ـشيا أخرى ضمن الحـ”ـشد الشـ”ـعبي مصنفة أميركياً، وهي كتائب الإمـ”ـام عـ”لي، التي كانت أيضاً قليلة النشاط نسبياً في الآونة الأخيرة، إلى عصـ”ـائب أهل الحـ”ـق في الموافقة على نزع السلاح. كذلك وافق رجل الدين النافذ والسياسي السابق مقتدى الصدر على دمج ميليـ”ـشيا سـ”ـرايا السـ”ـلام التابعة له، والتي لا تخضع لطهران، في الجيش العراقي.
وليس من المستغرب أن تكون مناقشات الحكومة بشأن نزع السلاح مع أكثر الفـ”ـصائل الإرهابـ”ـية نشاطاً داخل الحـ”ـشد الشـ”ـعبي أقل إنتاجية. ففي هذا الصيف، سافر إسـ”ـماعيل قـ”ـاآني، قائد فيـ”ـلق القـ”ـدس التابع للحـ”ـرس الثـ”ـوري الإسـ”ـلامي الإيراني، إلى بغداد للقاء قادة هذه الفـ”ـصائل الإرهـ”ـابية وتعزيز موقفهم الرافض لنزع السلاح. وفي ظل غياب التقدم، اتخذت الحكومة خطوة جريئة، لكنها قصيرة الأمد، تمثلت في اعتقال بعض عناصر الميلـ”ـيشيات المرتبطين بكتـ”ـائب حـ”ـزب الله، وحـ”ـركة حـ”ـزب الله النجـ”ـباء، وكت”ـ”ـائب سـ”ـيد الشـ”ـهداء. لكن، للأسف، جرى لاحقاً تسليم هؤلاء المعتقلين إلى مديرية الأمن المركزي التابعة للحـ”ـشد الشـ”ـعبي، وسرعان ما أُطلق سراحهم.
◾فرض الشروط:
منذ إدارة ترامب الأولى، ولا سيما منذ عملية القتل الأميركية المستهدفة في كانون الثاني 2020 لقائد فيلق القدس قاسم سليماني ورئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، طالبت الفصائل المدعومة من إيران بانسحاب القوات الأميركية من العراق، وجعلت ذلك شرطاً لنزع السلاح. إلا أن الفصائل أضافت في آب عدة شروط أخرى، من بينها انسحاب القوات التركية، وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية، وإقرار تشريع يكرّس رواتب ومزايا الحشد الشعبي، وإنهاء النفوذ المالي الأميركي في العراق، وحل قوات البيشمركة الكردية.
ولن تنظر حكومة الزيدي في هذه المطالب القصوى؛ فوجود قوات البيشمركة، على سبيل المثال، مكفول بموجب الدستور العراقي. وعلى أي حال، ظلت تنازلات الحشد الشعبي حتى الآن محدودة. ففي آب، رفضت بغداد، بحسب تقارير، عرضاً من الحشد الشعبي يقضي بـ«تجميد» الأنشطة العسكرية لمدة عامين وتخزين أسلحة الميليشيات في مخازنها الخاصة بدلاً من تسليمها إلى الدولة. ومن الخيارات الإشكالية الأخرى التي طرحتها الفصائل تخزين بعض أسلحتها الثقيلة في إيران.
ومن المفارقات أن هذه الفصائل، التي تجاهر بولائها لطهران، تقدم شروطها بوصفها محاولة لضمان «سيادة» العراق. وكما وصف ذلك متحدث باسم كتائب سيد الشهداء، فإن مطالبهم تهدف إلى «حماية الشعب العراقي وأرضه وسمائه». وانسجاماً مع هذا الادعاء، أصرت هذه الميليشيات، التي استهدفت مراراً جيران العراق ومواطنيه الأكراد بالطائرات المسيّرة والصواريخ، أيضاً على أن تقوم بغداد بشراء وتركيب أنظمة دفاع جوي.
◾توصيات للسياسة الأميركية:
أدت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى الضغط على الاقتصاد العراقي المعتمد على صادرات الطاقة. وقد أعلنت بغداد وجود «أزمة»، وهي تكافح من أجل الوفاء بفاتورة الرواتب الضخمة للقطاع العام، بما في ذلك مبلغ 3.6 مليارات دولار تخصصه سنوياً لكتائب حزب الله، وحركة حزب الله النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وبقية قوات الحشد الشعبي. وهذه الضغوط المالية، التي قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب، توفر حافزاً محدوداً للميليشيات من أجل التفاوض. وفي الوقت نفسه، يبدو أن زعيم عصائب أهل الحق، الخزعلي، اختار نزع السلاح جزئياً على الأقل أملاً في المشاركة في عالم السياسة العراقية شديد الفساد والمربح للغاية. لكن الحوافز المالية وحدها من غير المرجح أن تنهي علاقة هذه الفصائل بإيران بوصفها وكلاء لها. علاوة على ذلك، لا ينبغي لواشنطن أن تخدع نفسها بالاعتقاد أن نزع السلاح سيستمر؛ فخلال حرب هذا العام، أعادت إيران تسليح الميليشيات بثلاث دفعات من الصواريخ والطائرات المسيّرة المتطورة.
ونظراً للوضع الاقتصادي الحساس في العراق، وللآمال الكبيرة المعقودة على الزيدي، ينبغي لواشنطن أن تتوخى الحذر بشأن فرض عقوبات واسعة النطاق لإجبار هذه الميليشيات على التحرك. ومع ذلك، ينبغي لإدارة ترامب أن تحافظ على قدر من الضغط من أجل دعم الزيدي في جهوده لنزع السلاح وضمان ألا تكون أي تنازلات من الميليشيات مجرد إجراءات شكلية أو قابلة للتراجع عنها. وفي الأشهر المقبلة، ينبغي لواشنطن القيام بما يلي:
اغتنم فرص العمل العسكري. مواصلة العمل عن كثب مع الرياض لتعقب واستهداف كبار قادة كتائب حزب الله، وحركة حزب الله النجباء، وكتائب سيد الشهداء. ومن شأن ذلك أن يساعد على ردع المزيد من الهجمات المدمرة على المنشآت النفطية السعودية، وإضعاف الميليشيات، وتعزيز موقف الحكومة العراقية.
◾عقوبات فردية.. العامري والمالكي
اثنان من أبرز المسؤولين الذين يمثلون فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران في المفاوضات مع بغداد هما هادي العامري، زعيم منظمة بدر، ونوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون. وهما يسيطران معاً على سبعة وأربعين مقعداً في البرلمان، كما أنهما عضوان رئيسيان في كتلة الإطار التنسيقي الحاكمة، المتحالفة مع إيران. وحتى الآن، يتمسك الرجلان بمطالبهما القصوى ولا يبدوان ميالين إلى نزع السلاح. وبدلاً من ذلك، يتحدث المالكي عن الدخول في عملية تهدف إلى «احتواء» أسلحة الميليشيات، وهي عبارة ملطفة تستخدمها الحكومة اللبنانية كثيراً لتأجيل نزع سلاح وكيل إيراني إرهابي بارز آخر، هو حزب الله. وكانت إدارة ترامب الأولى قد نظرت، بحسب تقارير، في تصنيف المالكي؛ وإذا استمر هو والعامري في عرقلة محاولات الدولة لفرض احتكارها للسلاح، فينبغي لواشنطن فرض عقوبات عليهما.
◾إعادة الانخراط مع جهاز مكافحة الإرهاب
أدى جهاز مكافحة الإرهاب العراقي دوراً حاسماً في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، ولا يزال واحداً من الأجهزة الأمنية القليلة التي لم تخترقها بالكامل جماعات مرتبطة بإيران. وخلال أول 100 يوم من حكم الزيدي، استخدم هذه القوات لاعتقال أفراد من الحشد الشعبي، ومن المرجح أن يحتاج إلى الاعتماد عليها في المستقبل. وينبغي لواشنطن أن تعرض مساعدة حكومة الزيدي في التدقيق في القيادات العليا لجهاز مكافحة الإرهاب من أجل تطهيره من العناصر المرتبطة بالميليشيات وإنقاذ هذه القوة التي كانت في السابق شديدة الاحتراف، وغير مسيسة، وذات توجه وطني عراقي. كما ينبغي للسلطات الأميركية أن تزود الحكومة العراقية بالمعلومات الاستخبارية العملياتية التي تحتاج إليها لإلقاء القبض على الخلايا التي هاجمت السعودية.
استهداف التمويل المباشر للميليشيات. بالنظر إلى أن قوات الحشد الشعبي تضم 238 ألف رجل على قوائم الرواتب، سيكون من الصعب جداً على بغداد حلها بالكامل. ومع ذلك، إذا لم يتحقق أي تقدم نحو نزع السلاح، يمكن لواشنطن أن تنظر في فرض عقوبات على المسؤولين في الحكومة العراقية الذين يوافقون على تمويل فصائل الحشد الشعبي المصنفة من قبل الولايات المتحدة.
الحفاظ على دعم أكراد العراق. تغادر الولايات المتحدة العراق وتسحب أنظمة الدفاع الجوي باتريوت الخاصة بها من أربيل، وهي الحماية الوحيدة التي كانت متاحة للأكراد في وقت أطلقت فيه الميليشيات أكثر من 800 صاروخ وطائرة مسيّرة على مناطق سيطرتهم في الشمال خلال حرب إيران. ويصادف يوم 30 أيلول انتهاء مذكرة التفاهم بين البنتاغون والبيشمركة، ما يثير احتمال قطع مساعدات تبلغ 61 مليون دولار سنوياً. وفي حين لا ينبغي أن تكون واشنطن مسؤولة إلى الأبد عن تمويل قوات أمن دولة تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، فإن اللحظة الحالية التي يشهد فيها الأكراد مستوى مرتفعاً من الهشاشة تبدو توقيتاً غير مناسب لخفض تمويلهم.

