تسجل أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، تراجعا مستمرا منذ نحو اسبوعين، في ظل الضغوطات المتزايدة على الاقتصاد العراقي، فوصل سعر صرف الدولار الواحد الى 1600 دينار، وهو رقم غير مسبوق منذ سنوات، وسط توقعات باستمرار موجة الارتفاع ووصولها الى 1700 دينار في الفترة المقبلة.
وكان الدينار العراقي يُتداول ومنذ أشهر، بأسعار صرف تتراوح بين 1480 الى 1500 دينار للدولار الواحد (150 ألف دينار لكل 100 دولار) قبل ان تظهر آثار الأزمة المالية العراقية نتيجة تصاعد العجز وافتقاد السيولة، في ظل تراجع صادرات العراق النفطية عبر مضيق هرمز تحت تأثير الحرب الأمريكية الايرانية.
وجاء الهبوط الأخير لقيمة الدينار، مع إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل إلى نطاق 3.75% – 4.00% وهو ما يؤثر على شروط الاقتراض وحركة رؤوس الأموال وأسعار الصرف في الكثير من دول العالم. العودة الأمريكية الى سياسة التشديد النقدي، جددت المخاوف العالمية من اضطراب أسواق الصرف، وهو ما ينعكس بصورة أكبر على الاقتصادات الريعية المرتبطة بشكل كبير بالعملة الأميركية.
لفهم التأثيرات والتداعيات المحتملة لرفع أسعار الفائدة الأمريكية، على السوق العراقية، ومع تراكم جملة ضغوطات أخرى ترتبط بالعجز المالي المتصاعد وتراجع صادرات النفط العراقية، تقصت منصة “صحيح العراق” في حالة الأسواق العراقية، وبحثت في الأسباب المختلفة لانخفاض قيمة الدينار، بما فيها القيود التي فرضها البنك_المركزي والسلطات العراقية على الاستيراد والتحويلات المالية.
“تراجع عائدات النفط بالتزامن مع ارتفاع القوة الشرائية للدولار، يفاقم عجز الموازنة ويبعث باضطرابات مباشرة إلى السوق الموازية”
🔴أثر الفائدة.. أكبر من مجرد فراشة
▪️تُفسِر نظرية تكافؤ أسعار الفائدة (Interest Rate Parity) الاقتصادية كيف يؤدي رفع الفائدة الأميركية إلى تراجع العملات المحلية؛ فعندما ترتفع الفائدة على الأصول المقومة بالدولار (مثل سندات الخزانة الأميركية)، تتجه الاستثمارات العالمية نحو الولايات المتحدة طلباً للعوائد المرتفعة والآمنة. هذه الحركة تسحب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، مما يخلق طلبًا كبيرًا على الدولار مقابل عرض مفرط للعملات المحلية، فينعكس ذلك في هبوط قيمتها التبادلية.
▪️خلال الفترة بين 1979 و1982، رفع رئيس الفيدرالي الأميركي بول فولكر أسعار الفائدة لمستويات قياسية بلغت نحو 20% لكبح التضخم. تسببت تلك الخطوة في صعود صاروخي للدولار بحوالي 50% مقابل العملات العالمية، لكنها أدت في المقابل إلى نزيف مالي حاد في دول أميركا اللاتينية المقترضة بالدولار، والتي عجزت عن سداد ديونها المرتفعة الكلفة، لتندلع أزمة الديون الشهيرة في الثمانينيات وترتفع معدلات الفقر والتضخم فيها.
▪️كما امتدت تأثيرات قرارات فولكر لكل دول العالم تقريبًا، حيث تعرضت عملات الدول النامية لضغوط هائلة. وفقدت عملات مثل الجنيه المصري والليرة التركية والبيزو الأرجنتيني جزءًا كبيرًا من قيمتها، ما أسفر عن “تضخم مستورد” ناتج عن ارتفاع فاتورة استيراد السلع الغذائية والمواد الأساسية المقومة بالدولار في الأسواق العالمية.
🔴هل سيتأثر العراق؟
▪️ويؤدي رفع الفائدة الأميركية إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، ما يقلل مستويات الطلب على النفط الخام ويضع ضغوطاً تنازلية على أسعاره. بالنسبة لدول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار، تجد بنوكها المركزية نفسها مضطرة لرفع الفائدة آلياً لمنع تسرب رؤوس الأموال، وتقديم سعر فائدة مماثل أو أكبر مما يقدمه الاحتياطي الفيدرالي لمنع الأموال من الذهاب إلى السوق الأميركي.
لكن ذلك يرفع كلفة الاقتراض على القطاع الخاص، فسعر فائدة مرتفع يعني أقساط دين وفوائد دين أكبر، ما يعني أن الاقتراض من المصارف لغرض الاستثمار سيكون أكثر تكلفة.
“تشديد تطبيق معايير الامتثال النقدية من قبل البنك المركزي، يمنع شريحة واسعة من التجار غير المستوفين للشروط الدولية من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي (1320 دينار) مما يدفعهم بالكامل إلى السوق الموازية لتدبير السيولة بأي سعر”
▪️وفي العراق، فإن تراجع عائدات النفط بالتزامن مع ارتفاع القوة الشرائية للدولار يفاقم عجز الموازنة ويبعث باضطرابات مباشرة إلى السوق الموازية.
وحتى قبل صدور القرار الأميركي، واجه الدينار العراقي ضغوطا محلية؛ حيث يواصل البنك المركزي العراقي تطبيق معايير امتثال نقدية صارمة عبر المنصة الإلكترونية لتتبع الحوالات الخارجية ومكافحة تهريب الأموال والتجارة المشبوهة. هذا التشديد يمنع شريحة واسعة من التجار غير المستوفين للشروط الدولية من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي (1320 دينار)، مما يدفعهم بالكامل إلى السوق الموازية لتدبير السيولة بأي سعر.
▪️يستورد العراق كميات كبيرة من البضائع والسلع الأساسية من دول أخرى، وبعضها (مثل إيران والصين) تخضع لعقوبات اقتصادية أو قيود على نظام “سويفت” المالي الدولي. وبما أن التحويلات المصرفية الرسمية لهذه الدول غير متاحة عبر المنصة الرسمية، يلجأ التجار إلى شراء الدولار “الكاش” من السوق الموازية لتسوية هذه المستحقات، وهو ما يولد طلبا حادا ومتواصلاً يرفع سعر الصرف إلى حدود 1600 ديناراً فما فوق.
ويرى الكاتب والصحفي المتابع للشأن الاقتصادي، حسين أسكندر، ان تراجع سعر صرف الدينار سيستمر في ظل الضغوط التي يعانيها الاقتصاد العراقية، وعلى رأسها تراجع صادرات النفط وارتفاع العجز المالي.
ويقول ان قيود البنك المركزي قللت من الطلب الرسمي على الدولار، لكنها رفعت أسعار السلع، وحتى في المستويات الحالية للطلب الرسمي على الدولار، وفي ظل مستويات الطلب في السوق الموازي، فان الدينار سيواصل هبوطه وسيصل الى 1700 دينار للدولار الواحد، ما لم يتغير الوضع وتعود الحركة الى سابق عهدها في مضيق هرمز.
219
“انخفضت مبيعات العملة الأجنبية إلى 3.697 مليار دولار خلال شهر آب/ أغسطس، عن 5.662 في شهر تموز/ يوليو”
🔴قيود غير معلنة في العراق
▪️يقلّل مصدر في البنك المركزي العراقي، من تأثير سعر الفائدة الأميركي الجديد على سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، قائلاً: “له تأثير بالطبع لكنه لم يظهر إلى الآن، أما ما يتعرض له الدينار العراقي فذلك بسبب عوامل داخلية قوية”.
▪️ويكشف المصدر، عن قيود جديدة غير معلنة “فرضها البنك المركزي العراقي خلال الأسبوع الأخير”، مبينا أنّ “هنالك أيضا مخاوف كبيرة لدى الشارع من اضطرابات محتملة مع اقتراب 30 أيلول/سبتمبر، موعد خروج قوات التحالف قضية حصر السلاح، بل وهنالك تخوّف حتى عند إدارة البنك المركزي”.
▪️يقول المصدر أيضا، إنّ “بطاقات الدفع الإلكتروني تعرضت لتقييدات غير معلنة خلال الأيام الأخيرة”، ويضيف سببا آخر وصفه بـ ”المهم جدًا” وهو خفض تعزيز أرصدة المصارف خارج نافذة بيع العملة وانخفاض مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية.
▪️وتعزز آخر بيانات البنك المركزي العراقي، التي راجعتها منصة “صحيح العراق” هذه المعلومات، حيث انخفضت مبيعات العملة الأجنبية إلى 3.697 مليار دولار خلال شهر آب/ أغسطس الأخير، عن 5.662 في شهر تموز/ يوليو الذي سبقه و5.857 في حزيران/ يونيو، كما انخفض تعزيز أرصدة المصارف خارج نافذة بيع العملة الأجنبية إلى 3.427 مليار دولار خلال آب/ أغسطس، بعد أن بلغ 5.367 في تموز/ يوليو، و5.538 في حزيران/يونيو اللذين سبقا آب.
“مستوردون كبار: قيود البنك المركزي أثرت على عملنا وأرباحنا، وسلاسة الاستيراد والتحويل المالي، بشكل ملحوظ.. وحملتنا تكاليف اضافية”
🔴جحيم الاستيراد والتجارة
▪️على مستوى السوق العراقية، يبدو واضحا تأثير انخفاض سعر صرف الدينار، كما لا يمكن إغفال الحالة التي يعيشها التجار جرّاء القيود التي يفرضها البنك المركزي أو السلطات ذات العلاقة بعملية الاستيراد في العراق.
▪️ويؤكّد كبار المستوردين أن القيود التي تُفرض عليهم، أثرت بعملهم، وأرباحهم، وسلاسة الاستيراد والتحويل المالي، بشكل ملحوظ، إذ يقول أحد التجار، إن عملهم تأثر منذ فرض نظام إسيكودا، ويوضح أنّ هذا النظام بحد ذاته ليس المشكلة “بل الأزمة في تطبيقه وعدم وضوح الإجراءات المرتبطة به، وتخبط وتضارب بعض القرارات والتعليمات”.
▪️ويؤكد التاجر، أنّ الأيام الأخيرة شهدت فرض قيود جديدة على عملية الاستيراد. يقول: “صار مطلوبا منا أن نحدد الموقع الجغرافي للشركة أو المصنع المصدّر في الصين، هنالك تطبيق خرائط صيني، باللغة الصينية فقط، يجب أن تكون الشركة التي نستورد منها تمتلك موقعاً مسجلاً في هذا التطبيق تحديداً، ويتضمن التسجيل في هذا التطبيق معلومات إضافية مثل إجازة التصدير والعمل أو رقم الترخيص…”
▪️لم تقف القيود الجديدة عند هذا الحد، إذ يشير التاجر إلى إنّ قرارًا صدر قبل أيام يفرض استخراج إجازات استيراد لكل آيتم/مُنتَج، ما يعني “أنني كتاجر مواد منزلية أمتلك إجازة وهوية استيراد عامة تجيز لي ممارسة عملية الاستيراد كشركة مسجلة بشكل أصولي تام، يجب عليّ أن أستخرج إجازة استيراد للمواد الزجاجية، وأخرى للستيل، وأخرى للكهربائية، وهنالك تصنيفات فرعية في نظام إيسيكودا ويجب أن أستخرج إجازة باستيراد كل صنف على حدى”.
▪️وبحسب التاجر، فإنّ استخراج إجازة استيراد من هذا النوع ستتطلب إجراءات وجهدًا ودفع مبالغ، ويجب تجديدها، ما يعني أن التاجر سيدفع أموالاً ويمر بقيود وتعقيدات إجرائية إضافية، مبينًا بالقول: “حتى اليوم 17 أيلول سبتمبر لم يتم تطبيق القرار رغم وضوحه، وذلك بسبب تخبط الإجراءات”.
“بدءا من أكتوبر، سيتم استقطاع الجمرك كاملاً، والضريبة كاملةً مع عملية التحويل المالي، يعني قبل وصول البضاعة إلى المياه العراقية، وربما قبل مغادرتها ميناء الدولة المصدّرة”
▪️تاجر آخر استعرض قيودا جديدة تفرض الآن: “بدءا من الأول من أكتوبر، سيتم استقطاع الجمرك كاملاً، والضريبة كاملةً مع عملية التحويل المالي، يعني قبل وصول البضاعة إلى المياه العراقية، وربما قبل مغادرتها ميناء الدولة المصدّرة”
▪️ويقول التاجر: “هنالك رسم بقيمة 0.5% تمت إضافته بعد هذا القرار ولا نعرف سببه”، مؤكدًا أنّ عملية التحويل المالي لم تعد بالسهولة ذاتها التي كانت عليها قبل شهر أو شهرين، على الرغم من أنها خلال تلك الأشهر لم تكن يسيرة”، كما يؤكد أنّ بعض الحوالات المالية الأصولية، صارت تستغرق 3 أسابيع: “هنالك حوالة أنتظر وصولها إلى الصين منذ أن أتممت إجراءات التحويل والإيداع آخر أيام شهر آب الماضي”؟
▪️وتحدث التاجر عن قيد آخر يتمثل بعملية تتبع البضاعة من ميناء البصرة إلى مخزن شركة التاجر المستورد، مشيرا إلى أنّ “الإجراء ممتاز أمنيا، لكننا سندفع كالعادة، رسوما أخرى ونضطر للمرور بإجراءات معقدة أخرى”.
▪️وإلى جانب كلّ هذا يواجه التجار أيضًا مشاكل مالية وفنية، منها أن الإجراءات في المصارف العراقية ليست سلسة بالمستوى المطلوب. قال أحدهما:”أنا الآن غارق في مشكلة بسبب ترجمة وثيقة صينية، لأن المصرف يعتمد ترجمة غوغل، وليس لديه مترجم قانوني ضليع باللغة الصينية”.
🔴عودا على الدولار والفائدة
▪️بدوره، يؤكد أستاذ السياسات النقدية في جامعة بغداد الدكتور إحسان جبر، أنّ هناك أسبابا داخلياً مباشرة لانخفاض قيمة الدينار، قبل الفائدة الأميركية، منها أنّ “قواعد الامتثال التي يفرضها البنك المركزي على تحويل العملة إلى الخارج، تضاعفت مع العقوبات الأميركية على إيران، وهذه الإجراءات تسري بالتزامن مع وجود طلب محلي من قبل التجار على الدولار لتغطية عمليات الاستيراد الصغيرة”
▪️ويضيف جبر سببا محليا آخر يتمثل في “السيولة الكبيرة خارج البنك المركزي، والتي تعززت مع مخاوف الناس من الذي سيحصل في 30 أيلول/سبتمبر”.
▪️ومع أنّ دكتور جبر، لا يعتقد أن رفع الفائدة سيؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي، لكنه يؤكد، في الوقت نفسه، أنّ هناك تأثيراً غير مباشر “لأن الاقتصاد العراقي يُصنف من الاقتصادات الهشة الريعية المرتبطة بالنفط”.
▪️ويضيف أستاذ السياسات النقدية في جامعة بغداد، أنّ العراق ”لا يمتلك استثمارات مالية ضخمة مرتبطة بالعالم، كما أنّ النظام المصرفي العراقي معوّق وغير مرتبط بالأنظمة المصرفية الحديثة التي ستتأثر برفع الفائدة”، لكنّه يوضح في الوقت ذاته أنّ ارتفاع سعر الدولار في كل السوق العالمي يؤدي بالنتيجة إلى رفع سعر الفائدة.
▪️ويبرر جبر هذا الارتفاع العالمي بجذب السوق الأميركي لرؤوس الأموال نظرا للفائدة المرتفعة التي ستمنحها للمستثمرين، وهذه العملية تؤدي لزيادة الطلب على الدولار الأميركي، ما يؤدي لارتفاع سعر الاستيرادات.
▪️ويقول الأستاذ في جامعة بغداد، إنّ الحلول ليست مستحيلة لكنها بحاجة لإرادة سياسية وإدارة اقتصادية، وتبدأ بـ”زيادة بنوك المراسلة المعتمدة من قبل البنك المركزي العراقي لتغطية حاجة التجار، واعتماد أتمتة ورقمنة صارمة لمحاربة التهريب مع رقابة وتدقيق مضاعف، مع العمل على رفع كفاءة إدارة السيولة وهذا يتطلب وقتاً طويلاً لتعزيز الثقة بالنظام المصرفي”.
تيريژ

