Homeاخبار منوعةقصة ما ضاع حق وراءه مطالب.

قصة ما ضاع حق وراءه مطالب.

 

طُرد من بيته وأرضه وهو طفلٌ، وأُجبر على الانحناء في الحقول تحت شمس حارقة لـ 16 ساعة يومياً مقابل قروش معدودة.. كان يشاهد زملاءه يموتون بالمبيدات، ويُقال لهم: “أنتم مجرد آلات لجمع الخضراوات ولا قيمة لكم!”

لم يبكِ في زاوية على حظه العاثر في هذه الحياة، بل قرر أن يواجه، وأن يقول “لا” بصوت عالٍ أرهب إمبراطورية الظلم..

الأسطورة سيزار تشافيز.. الفلاح الذي أضرَب عن الطعام حتى أركع أباطرة الزراعة في أمريكا!

في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي أوج أزمة “الكساد الكبير” بالولايات المتحدة، ضربت الكارثة عائلة الطفل “سيزار تشافيز”.

فقدت العائلة مزرعتها وأرضها المجاورة لولاية أريزونا، وأُجبرت على النزوح إلى ولاية كاليفورنيا للعمل كـ “عمال يومية مهاجرين” يعملون ويتنقلون بين المزارع بأجور زهيدة.

عاش سيزار طفولة قاسية للغاية؛ كان ينام مع أسرته في سيارات متهالكة أو خيام قذرة بلا ماء ولا كهرباء. ولأن أسرته تتنقل تنقلاً دائماً خلف مواسم الحصاد، تنقل سيزار بين 37 مدرسة مختلفة في طفولته!

وفي سن الخامسة عشرة، عندما مرض والده وعجز عن العمل، اتخذ سيزار قراراً مؤلماً على نفسه: قرر أن يترك الدراسة التي كان يحبها نهائياً، ونزل إلى الحقول ليعول عائلته.

شاهد سيزار بعينيه كيف كانت الشركات الزراعية الإقطاعية الكبرى تعامل الفلاحين البسطاء..

كان الفلاحون يعملون تحت قيظ الحر الشديد دون توفير مياه شرب نظيفة لهم، ولا توجد مراحيض آدمية في الحقول، ورُشّت المحاصيل بالمبيدات السامة فوق رؤوس العمال مباشرة أثناء حصادهم!

وكان يُستغل العمال، وإذا تعب أو مرض أحدهم مثل أبيه، أُلقي خارج المزرعة دون حقوق صحية أو حتى نقابة يلجأ إليها، و يُطرد ويُضرب كل من يتجرأ على الشكوى!

كان هذا هو الحال داخل كل المزارع الكبرى للبيض في أمريكا، وكأنه قانونٌ مسلّط على رقاب الفقراء؛ ليزيد الأغنياء غنىً، ويزداد الفقراء فقراً.

لكن سيزار كان له رأي آخر؛ فرغم أنه لم يكمل تعليمه، كان يملك عاطفة جياشة وإرادة كالفولاذ.

قرر أن يفعل ما ظنه الجميع مستحيلاً: توحيد الفلاحين المشتتين والمقهورين على كلمة واحدة.

في عام 1962، ترك سيزار عمله المستقر واستثمر كل مدخراته البسيطة ليؤسس “جمعية عمال المزارع الوطنية” (والتي أصبحت لاحقاً نقابة UFW).

بدأ سيزار يجوب المزارع بسيارته القديمة، ينام في حقول الغرباء، ويقنع الفلاحين الخائفين بأن القوة تكمن في الاتحاد.

وفي سبتمبر 1965، اندلعت لحظة الصدام التاريخية في بلدة “ديلانو” بكاليفورنيا؛ حيث أعلن عمال حصاد العنب الإضراب عن العمل مطالبين بالحد الأدنى من الأجور والكرامة.

استعانت حينها شركات الزراعة الكبرى ببطش الشرطة، وحشدت البلطجية لضرب المضربين، واستصدرت قرارات قضائية تُجرّم حشد العمال!

لكن سيزار تشافيز ابتكر أسلوباً نضالياً أعزل أربك حسابات الإمبراطورية الإقطاعية؛ حيث قال لهم: “أنتم تريدون أن تجعلوا العدالة لا ترانا، ونحن سنجعل العالم كله يرانا!”

قاد مسيرة راجلة أسطورية من بلدة “ديلانو” إلى عاصمة الولاية “ساكرامنتو” لمدّة 25 يوماً، حافية الأقدام، تحمل راية النسر الأسود، واستقطب حوله تغطية إعلامية هزت الضمير الأمريكي!

دعا الشعب الأمريكي للتعاطف مع الفلاحين ومقاطعة شراء العنب ومنتجاته بالكامل، ونجح في إقناع ملايين المستهلكين في أمريكا وكندا وأوروبا برفض شراء “عنب الظلم”!

في عام 1968، وعندما بدأ التوتر يشتد ومال بعض العمال إلى استخدام العنف ردّاً على بطش أصحاب المزارع، أعلن سيزار الصيام التام عن الطعام لـ 25 يوماً متواصلة؛ ذاب جسده ونحُل، ووضع حياته على المحك ليرسخ نضالاً سلمياً ناصعاً!

أثارت صور سيزار وهو على فراش الموت ضجة عالمية، وجاء روبرت كينيدي (شقيق الرئيس الأمريكي) ليجلس بجانبه ويثني على شجاعته النادرة.

أمام انهيار مبيعات العنب وخسارة ملايين الدولارات، وانقلاب الرأي العام العالمي ضد أصحاب المزارع، خرّ أباطرة الزراعة جثواً على الركب!

وفي عام 1970، وبعد 5 سنوات من الصمود والنضال والتحدي، وقّع أصحاب المزارع أول عقد تاريخي مع النقابة؛ ضمن للفلاحين أجوراً عادلة، وتأميناً صحياً، وحماية من المبيدات السامة، وكرامة إنسانية لم يعرفوها من قبل!

كان سيزار تشافيز برهاناً حيّاً على أن العزيمة لا تُقاس بالمال أو السلاح؛ فقد يكون الفرد فلاحاً بسيطاً لم يكمل دراسته، لكنه يملك إرادة من حديد لا يلين.

حاربه كبار المليارديرات والسلطة.. لكنه استطاع بإيمانه وجسده الخاوي أن يصرع الإمبراطورية ويُعيد الحق لأصحابه!

ظل سيزار يردد شعاره الخالد الذي أصبح أسطورة في العالم: “¡Sí, se puede!” (نعم، نستطيع!).

توفي سيزار تشافيز في 23 أبريل 1993 عن عمر يناهز 66 عاماً، توفي أثناء نومه في مدينة سان لويس بولاية أريزونا، بينما كان متواجداً هناك لشهادة ودعم عمال المزارع في إحدى القضايا القانونية.

وحضر جنازته أكثر من 50,000 شخص شيعوه بالأقدام تكريماً لمسيرته النضالية التاريخية، ومُنح بعد وفاته “وسام الحرية الرئاسي” (أعلى وسام مدني في الولايات المتحدة) من قبل الرئيس بيل كلينتون عام 1994.

هُدمت الجبال وانهارت.. أمام عزيمة إنسان رفض أن ينحني، وما ضاع حقٌّ وراءه طالب!

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular