Homeاراءقصة قصيرة :إيمان قوي في وجه العواصف : صباح سمير 

قصة قصيرة :إيمان قوي في وجه العواصف : صباح سمير 

في صباح الثالث من آب 2014، استيقظت سولاف في قريتها الصغيرة وردية، الواقعة جنوب جبل سنجار، على أصوات غير مألوفة في الأفق. في تلك اللحظات، لم تكن تعرف أن حياتها على وشك أن تتغير للأبد. كانت سولاف تستعد ليومها المعتاد، بينما كانت والدتها عيشي تحضر الطعام في المطبخ. كان والدها، الذي كان من مقاتلي الإيزيديين، قد خرج صباحاً للانضمام إلى صفوف المقاومة ضد الهجوم الذي كان يوشك أن يقع.

بينما كانت العائلة تلتف حول المائدة في انتظار الإفطار، تفجرت أصوات إطلاق النار في الخارج، وركض الجميع بسرعة نحو الجبال. ولكن في تلك اللحظات الحاسمة، تم فصل سولاف عن عائلتها. جرى اختطافها مع العديد من النساء والفتيات إلى قرية كسر المحراب في تلعفر، التي كانت تحت سيطرة مسلحي داعش.

في قرية كسر المحراب، كانت سولاف محجوزة مع مجموعة من النساء الإيزيديات، حيث تعرضن لأبشع أنواع المعاملة. كان المسلحون يعاملونهن بوحشية، يهددونهن بتغيير دينهن بالقوة، ويُجبرن على تحمل الضغوط النفسية والجسدية. لكن سولاف، رغم كل ما تعرضت له من أهوال، لم تستسلم. كانت كلمات والدتها عيشي تردد في ذهنها: “قويّة يا سولاف، لا تدعيهم يهزمونك.”

سولاف لم تكن مجرد فتاة إيزيدية عادية؛ بل كانت مثالاً حيًا للتعلق العميق بإيمانها وتفانيها في الديانة الإيزيدية. منذ طفولتها، كانت تجد في طقوسها وتقاليدها الروحية الراحة والأمان، حيث تعلمت من عائلتها معنى التمسك بالدين في أصعب الظروف. ورغم كل الأهوال التي مرّت بها، فقد ظلت سولاف متمسكة بمعتقداتها، تجد في إيمانها درعاً يحميها من كل شر، وقوة تدفعها للمضي قدماً.

كانت سولاف ترى في الديانة الإيزيدية أكثر من مجرد طقوس وشعائر؛ كانت تعني لها الروح، والجذور، والهوية التي لا يمكن أن تمحى، مهما كانت التحديات. في أسوأ لحظات الأسر، وفي قلب الظلام الذي فرضه داعش، كانت كلمات معبد لالش و تهون عليها أوجاعها. كانت تقول لنفسها دائماً: “لن يستطيعوا هزيمتي لأن إيماني أقوى من أي سجن أو تهديد.”

مرت الأيام، وسولاف كانت تبحث دائماً عن طريقة للهروب. في إحدى الليالي، أثناء إحدى عمليات التفتيش الأمنية، اكتشفت أن الحراس قد أصبحوا أكثر استرخاءً. استغلت سولاف هذه الفرصة، وقررت الهروب مع مجموعة من الفتيات اللواتي كانت قد كونت معهن صداقة خلال فترة الأسر.

في الظلام، وبينما كان الحراس نائمين، نجحت سولاف في التسلل مع الفتيات عبر جدار منخفض. سارت المجموعة في صمت مطبق، بعيداً عن القرية المحصنة، واختبأن في الأراضي المفتوحة في محاولة للوصول إلى جبل سنجار. كانت الرحلة شاقة ومليئة بالمخاطر. مرّوا بصحارى قاحلة ومناطق قريبة من خطوط القتال، دون طعام أو ماء، لكن سولاف كانت دائماً تؤكد لرفيقاتها: “سننجو. سنعود إلى ديارنا.”

بعد ثلاثة أيام من السير الشاق، وصلن أخيراً إلى أطراف جبل سنجار، حيث وجدوا مقاتلين من البيشمركة والإيزيديين المدافعين عن الجبل. استقبلهم الجنود بحرارة، لكن سولاف لم تتوقف عند هذا الحد. كانت قد قررت أن تبقى وتساعد في مقاومة داعش، مثلما فعل والدها الذي كان يقاتل في صفوف المقاتلين الإيزيديين في الجبل.

وفي الأيام التي تلت، تحولت سولاف إلى رمز للأمل والشجاعة. تعاونت مع باقي الناجيات على إعادة تنظيم حياتهن، وبدأت تدافع عن حقوقهن في المحافل الدولية. كانت تحكي للعالم عن الجرائم التي ارتكبها داعش ضد الإيزيديين، وتروي عن شجاعة والدها الذي قضى في معركة ضد المسلحين دفاعاً عن قريته وأرضه.

بعد تحرير سنجار، عادت سولاف إلى قريتها وردية، وساعدت في إعادة بناء ما دمره داعش. أسست منظمة لدعم النساء الناجيات، وعملت على توفير التدريب والدعم النفسي لهن.

وفي إحدى الأيام، وقفت سولاف على قمة جبل سنجار، نظرت إلى الأفق البعيد، وتذكرت والديها وكل من ضحوا من أجل حرية الإيزيديين. رفعت رأسها وقالت بصوت عالٍ: “لقد هزمناهم لأننا تمسكنا بإيماننا. واليوم، سنحمي هذه الأرض كما حماها والدنا.”

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular