يبقى رحيل الدكتور عبدالعزيز وجعا لا يزول ، إذ لم يكن في الحسبان، ولا خطر على البال، أن يختطف القدر الدكتور عبدالعزيز بهذه السرعة.
رحل في أوج عطائه العلمي والمهني والاجتماعي ، ليترك الجميع يتساءلون:
كيف لقلب نابض بالحياة أن يصمت فجأة!
كيف لشمعة أضاءت دروب الناس بالعلم والمعرفة أن تنطفئ بهذا الشكل المفاجئ!
وكيف ليد اعتادت ملامسة جراحات الناس و مداواة آلامهم أن تتوقف عن العطاء بهذه الصورة التي لم تخطر في مخيلة أحد!
كان الفقيد يسعى إلى الخير بكل معانيه المادية والاجتماعية والدينية ، ويمنحه دون انتظار ، مثلما كان يملأ المكان بحضوره ، ويترك في القلوب أثرا لا يُمحى، بحُسن خُلقه، ورفعة تقديره للناس، سواء كانوا أقارب أو أصدقاء ، معارف أو غرباء.
لم يكن الدكتور عبدالعزيز مجرد طبيب، بل كان ملاذا للمتألمين ، يستقبل مرضاه بابتسامة، ويودعهم بوصفة تحمل الأمل في الشفاء.
فكم من قلب اطمأنّ بكلماته قبل أن يبدأ في رحلة علاجه.
وكم من مريض خرج من عيادته وقد خفّت آلامه أو تلاشت تماما بعد حين ، على وقع وصفته الطبية و كلماته المشجعة التي كان لها اثر نفسي .
ولو أحصينا من امتدت إليهم يده بالعلاج ، لبلغ عددهم مئات الآلاف أو أكثر عبر سنوات خدمته الطبية والمجتمعية الطويلة.
كان أكثر من طبيب ، كان أخاً وأبا وصديقا للجميع. لم يكن يداوي الأجساد فحسب، بل كان يُسكّن ارواح مراجعيه ، ويُنعش نفوسهم بالأمل. ولذلك قصده المرضى من مناطق مختلفة في فترات عمله الطبي في نينوى ودهوك ، لا لعلمه وخبرته الواسعة فحسب، بل لما كان يبثّه من طمأنينة ورحمة، جعلت من استشارته اثناء مراجعتهم له دواء بحد ذاته.
من جانب آخر كان أستاذا جامعيا ينتظره طلابه بشوق لينهلوا من علمه وخبرته، ويتعلّموا من سمو أخلاقه ويستفيدوا من محاضراته ، ومن إشرافه عليهم في دراستهم العليا وما تطلبه من تطبيق وممارسة طبية.
بعيدا عن مهنته الطبية والجامعية ، كان حاضرا في كل مناسبة دينية، اجتماعية أو تراثية. خصّص وقت عطلة نهاية الأسبوع ليترك مدينة دهوك حيث مكان عمله الأكاديمي كأستاذ جامعي وعيادته كطبيب مختص ، ليأخذ طريقه اسبوعيا الى بحزاني وبعشيقة حيث أهله ، رغم أن فتحه لعيادته هذين اليومين كان يدر عليه بحسابات الكثير مبلغا ماديا إضافيا كبيرا ، كما قال لي ذلك يوما في حديث تناول تردده الأسبوعي على منطقته ، ليكون بين أقربائه وأصدقائه وعموم اهله ضيعته ، دون ان ينسى فقرة مهمة ، خصص لها اوقات العصر ، ليجلس مع بسطاء الناس ممن يتواجدون في المقاهي الشعبية ، يشاركهم مع أصدقاء له في ما يقضون أوقاتهم به من العاب شعبية واحاديث مجتمعية عامة ، تدور حول ضيعته او غيرها ، مثلما كان فيها يصغي لآلامهم واستفساراتهم عن ما يعانونه من ازمات او وعكات صحية التي كثيرا ما كان معها يُخرج قلمه و (راجيتته) من جيبه، ليكتب علاجا للحالات التي تتطلب علاجا أو تحويلا إلى مستشفى او مركز طبي بما كان يراه ضروريا ، وكأنه بهذا يحول ذلك المقهى او غيره مما كان يتردد عليه إلى موقع يصح تسميته بالعيادة الشعبية المتنقلة ، دون تردد ، و دون مقابل .
وبعدها كان يؤدي واجباته الاجتماعية بمختلف مسمياتها من افراح او احزان ، بما هو متعارف عليه في منطقته او غيرها.
أما المناسبات الدينية والتراثية واحتفالات رأس السنة الايزيدية وما يليها من احتفالات شعبية في ما تعرف بالطوافات ، فقد كانت تمثل عنده محطة مهمة تتشابك قدسيتها مع عناوين جمالها وفرحها. فكان المرحوم يتهيا لها منذ ايام سابقة ، بما اصبح عنده عرفا ينبغي التفرغ له والمشاركة بحضوره المتواصل لدبكاتها الشعبية بملابسه التراثية التي أعد لنفسه منها نماذج عديدة عكست ذوقه وانتماىه العميق لاهلها وتراث أهله. وكم تذكره أبناء المنطقة هذه الايام ، حيث بدات هذه المناسبات الربيعية ، وقد تملكهم الحزن والاسى لوفاته وغيابه الأبدي عن حضورها ، بما كان يشكل ذلك الحضور فيها ما يصح تسميته بمعلم غاب تجسد في عزيز فقد .
هكذا كان قريبا من الكل ، صديقا للكل ، وابنا بارا لمنطقته ، بتواضعه الجم، ومحبته الصادقة، فأحبه الناس واحتل مكانة رفيعة في قلوبهم.
هكذا رحل، حاملاً بيديه جواز عبوره إلى الخلود، محملا بأعماله الطيبة، وأخلاقه الرفيعة، وصبره بصمت على ما عاناه في مرضه ، مع أنه كان يعلم، كطبيب، نهاية طريقه، بعد أن شهد نهايات كثيرة مماثلة لحالته المرضية خلال سنين ممارسته لمهنته الطبية.
لقد كان الدكتور عبدالعزيز، بحق، إنسانًا استثنائيًا، اجتمع فيه الطبيب ، الصديق والأخ، الأستاذ والمربّي، ففتح قلبه للجميع، ورحّب بكل من قصده، بابتسامته الهادئة المعهوده ، سواء في عيادته أو في منزله.
بعد كل هذا ، لم يعد غريبا أن يتحول يوم رحيله إلى يوم حداد عام، ومشهد وداع مهيب، غمر الجميع مشاعر الحزن والأسى، مودّعين فقيدهم العزيز في موكب تشييع ، اصطف فيه اهله واصدقائه ومعارفه اجمعين ، يودعون عزيزا منهم فقدوه.
كانت ايام عزاء توافدت فيها الناس من مختلف المناطق لتقديم واجب العزاء لعائلته وأهل منطقته التي احتضنته حياً وودّعته راحلًا، بما يليق بكل عزيز كبير.
ليصبح القول بحقّه:
رحم الله موزّع الرحمات بوصفاته الطبية وكلماته الدافئة، في عيادته أو في داره او لقاءاته بمناسبة او صدفة.
رحم الله من جعل من مهنته رسالة إنسانية، وبذل جهده ووقته ليمنح كل من طرق بابه أملاً في الشفاء، وعونا في لحظة ضعف، وسندا في زمن الحاجة.
رحم الله من جعل مهنته رسالة رحمة، وبذل جهده ليمنح كل من طرق بابه بصيص أمل في الشفاء. كان قريبا من الكل ، وصديقا للكل ، وابنا بارا لمنطقته، وطبيبا نال مكانته بين الناس ، يقصدونه من كل مكان.
ولكنها الحياة لا تبقي على احد ، وحسب الإنسان ان يترك بين الناس بعد رحيله ، سمعة حسنة وصيتا رفيعا وذكرى لا تنسى
إنها إرادة السماء، التي تنتقي الطيبين الأطهار في غير موعدهم ، لتجعلهم عناوين في جنانها ، كما كانوا منارات في دنيا الناس، يبقون عند الجميع قدوةً حسنة ، بسيرةً خالدة تروى على مرّ الأزمان.
ولا نبالغ إن قلنا إن الدكتور عبدالعزيز لا يحتاج إلى دعائنا له بالرحمة ، فما تركه من أعمال خيّرة، ودعاء عشرات الآلاف من المرضى الذين خفّف عنهم الألم او ازاله ، يكفي ليكون جواز سفره لتصله من الله رحمة وبركة ، معرّفه له بين يديه. ويا له من جواز، جواز ختمته القلوب بمحبتها، والعقول بتقديرها، والضمائر بإمتنانها.
وهذا هو العزاء الحقيقي لعائلته الكبيرة ، عائلة المرحوم رئيس القوالين قوال سليمان ، مثلما هو العزاز الحقيقي لكل أصدقائه ومحبيه وعموم اهله.
في اربعينية الفقيد ، لا يسعني الا ان اتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى عائلته الكريمة من اخوة وأبناء واولاد عم وفي مقدمتهم سماحة السيد رئيس القوالين قوال بهزاد قوال سليمان ، الذين كانوا جميعا في مصابهم مثالا للثبات والصبر على وقع القدر في مختلف مراحل مرض الفقيد ، مراحل وجدوا معها في اقربائهم وأصدقائهم وابناء المنطقة ككل وغيرهم من المعارف والذوات حولهم ومعهم ، وكأنهم أفراد عائلتهم الممتدة ، مثلما شاركوهم و قاسموهم مشاعر الاسى والحزن بوفاته ، وبعدها في تشييعه و عزائه ، فكانوا جميعا على قدر الوفاء للراحل الكبير.
فلكم جميعا مزيدا من الصبر والسلوان
الرحمة للدكتور عبدالعزيز فقيد بحزاني و بعشيقة وكل من عرفه عن قرب وعن بعد.
الرحمة والسكينة لمن ترك في حياة الناس نورا، وفي قلوبهم طمأنينة، وفي ذاكرتهم أثرا لا يُمحى.
المجد لمن اختارته السماء ليرتقي إلى مقام الخالدين.

