Homeاراءإصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي يأس فأمل، توحدٌ فعمل ح 5...

إصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي يأس فأمل، توحدٌ فعمل ح 5 : دلشاد نعمان فرحان

منذ ما يقارب أربع سنوات، انتابتني مشاعر من اليأس العميق تجاه مواقف عديدة من المحسوبين على المثقفين، والناشطين الأيزيديين، إذ شهدتُ – بأسى – حالة من التناحر والتهجم المتبادل بينهم، دون أدنى اعتبار للظروف الاستثنائية التي نمر بها جميعا، وقد بدا هذا السلوك، القائم على زرع بذور الفتنة والتفرقة بحسب الانتماءات الجغرافية، وكأنه محاولة عقيمة للهروب من الواقع المأساوي، في حين أنه لا يزيد الأمور إلا تعقيداً، ويُجهض كل محاولة صادقة للنهوض.

إيماناً مني بعبثية الانخراط في صراع مشوَّه كهذا، يفتقر إلى روح الانتماء الحقيقي للمجتمع الإيزيدي، اتخذت قراراً بالانسحاب التام، فاعتزلت الكتابة، وأغلقت صفحتي الشخصية على الفيسبوك، رغم إلحاح الكثير من الأصدقاء القريبين على العودة، لكن، لطبيعتي غير القابلة للركون إلى الصمت، اخترت أن أخدم قضيتي التي أؤمن بها من مسار آخر، بعيدا عن الضجيج والانقسامات، وهو طريق البحث والدراسة، لعلّي أجد فيه ما يُشبع شغفي المعرفي، ويمنحني مساحة للتفكر والعمل بهدوء.
ومع أن العمل البحثي في المهجر لا يخلو من صعوبات، أبرزها محدودية المصادر باللغة العربية مقارنة بما توفره المكتبات والمراكز في الوطن، وضيق الوقت والالتزامات الكثيرة، إلا أن هذه التحديات لم تثن عزيمتي عن المضي قدما، بل أصبحت دافعاً لمزيد من الإصرار على التعمق في فهم قضيتنا، وبلورة أفكار أكاديمية رصينة حولها.
هنا، ما أود تأكيده، من خلال هذهِ المقدمة، هو أن ابتعادي عن الساحة الإعلامية، لفترة وجيزة، لم يكن دليلاً على الخمول أو التخلي، بل كان شكلاً مختلفاً من أشكال الالتزام، يتوافق مع قناعتي بأن الصراعات الداخلية لا تخدم إلا أعداء الأيزيدية، وتمنحهم مزيداً من الذرائع لإضعاف صفوفنا.
ولمن يسأل عن توقيت هذا المشروع وسببه، وكيف بدأنا، أوضح له، بأن اختياره لم يكن عشوائياً، بل نابعاً من حاجة واقعية ورؤية مستقبلية مدروسة، وأما التوقيت، فكان استجابة واعية لظرف مناسب، وحكمة لحظة وجب اغتنامها.
ولا أخفي أنني رفضت، مراراً، الانخراط في أي نشاط جماعي، رغم كثرة الدعوات والعروض، وذلك لعدم ثقتي بجدواها وسط الانقسامات العميقة، غير أن حديثاً مختلفاً قلب موقفي تماماً، وكان ذلك عن مشروع مؤتمر الحوار الإيزيدي – الإيزيدي، والاهداف الكامنة خلفها لخدمة الأيزيدياتي، خصوصاً في المهجر، حيث بدأت القصة بدعوة من أحد الأصدقاء الأعزاء، في نشاط ثقافي لإحدى البيوتات الأيزيدية في ألمانيا، وللأسف لم أتمكن من الحضور حينها بسبب التزام خاص، لكنني فوجئت في اليوم التالي باتصال جديد منه، يدعوني بإلحاح للمشاركة في هذا المسعى.
في البداية، رفضت، مدفوعاً بشكوكي السابقة، لكن بمجرد معرفتي بأن خلف المشروع تقف نخبة واعية ومخلصة، وأهداف ناهضة بواقع مجتمعنا، شعرت أن من واجبي أن أكون جزءاً منه، وهكذا، انضممت إليهم، وانخرطنا معاً في نقاشات مكثفة واجتماعات متكررة، رسمنا خلالها ملامح مشروع يحمل أملاً حقيقياً في جمع شتات الأيزيديين في المهجر، والسعي لحلحلة بعض مشاكلهم.

ومنذ اللحظة الأولى، كنا ندرك أن الطريق ليس معبداً، وأن العمل في الساحة الأيزيدية محفوفة بالمصاعب، والتشتت، وانعدام الثقة، وطغيان المصالح الشخصية، كلها تحديات كبرى تعرقل أي جهد وحدوي، وكنا نعلم أيضاً أن هناك من يستفيد من هذا الواقع المأزوم، بل من يراه فرصة لتعزيز نفوذه، لذا، لم يكن غريباً على اي واحدٍ منهم أن يُهاجَم مشروع يدعو ببساطة إلى الحوار بين الأيزيديين أنفسهم!
رغم ذلك، لم نتراجع، بل قبلنا التحدي، ونحن على يقين بأن نبل الغاية وصدق النية كفيلان بمنحنا القوة للاستمرار، فلم نعد نؤمن بأن النهوض سيأتي من الخارج، أو عبر الأصوات الصاخبة، بل من الداخل، ومن صميم الحوار الصادق، حين يجلس الإيزيدي مع أخيه الإيزيدي على طاولة واحدة، واضعاً المصلحة الجماعية فوق كل اعتبار شخصي أو مناطقي.
نعم، لقد اخترنا أن نكون في قلب هذه المحاولة، لا خوفاً ولا طمعاً، بل إيماناً عميقاً بأن مستقبل الأيزيديين لا يصنعه أحد غيرهم، وأن أولى خطوات هذا المستقبل تبدأ بكلمة صادقة، ونقاش صريح، ومسؤولية مشتركة، ولا بأس من المحاولة من المكان الذي نحن فيه وهو المهجر.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular