Homeاراءإصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي تمويه القداسة، ترويضٌ للسياسة ح 19 دلشاد...

إصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي تمويه القداسة، ترويضٌ للسياسة ح 19 دلشاد نعمان فرحان

ونحن نعيش التشظي الوجودي والاضطراب المؤسسي، يبرز عامل بنيوي يكاد يكون المحرّك الأساس في استدامة الأزمة وتفاقمها، إذ أن التداخل غير المنضبط بين الحقل الديني والحقل السياسي، حيث إن غياب القطيعة الإبستمولوجية بين ما هو مقدّس وما هو مدني لا ينتج فقط تداخلاً وظيفياً، بل يُنتج حالة من التهجين الأيديولوجي التي تسمح بإعادة تشكيل السلطة على أسس لا عقلانية، يُختزل فيها الوعي الجمعي في نماذج خضوعية مؤدلجة.

وقد بيّن ماكس فيبر في تحليله لظاهرة السلطة أن “الشرعية التقليدية ترتكز على الإيمان بالطابع المقدّس للعادات الموروثة، وليست قابلة للنقاش العقلاني”، وهو توصيف دقيق لما يعانيه الأيزيديون من استغلال ديني باسم القداسة، بحيث تتحوّل فيه الرمزية إلى أداة للهيمنة، ويُستثمر الإيمان كآلية لإنتاج الإذعان، وهذا النمط السلطوي لا يتأسس على المشروعية القانونية أو الكفاءة المؤسساتية، بل على بنية كاريزمية هجينة تكرّس نوعاً من “التسلط الروحي” الذي يتعدى حدوده الرمزية إلى الفضاء المدني، ليشوّه إمكانات التنظيم السياسي والعدالة الاجتماعية.

وفي الحالة الإيزيدية، يُلاحظ كيف أن بعض الأطراف السياسية باتت تُعيد إنتاج نفسها ضمن سردية دينية نفعية، والعكس صحيح أيضاً، حيث تُهيمن على الطبقات البسيطة من المجتمع، مستفيدة من هشاشة الوعي النقدي وانغلاق قنوات التثقيف المدني إلى حدٍ ما، وهذا التواطؤ الخفي بين رجال الدين والسياسيين ليس سوى إعادة تدوير لنسق السيطرة الرمزية، حيث يتم الترويج لهويات ماضوية مغلقة، يُقيَّد فيها المجال العمومي بمنظومة من العادات، لا من القوانين.

الفصل بين الدين والسياسة، في هذا السياق، لا يعني إنكار البُعد الروحي أو إسقاطه من المعادلة الاجتماعية، بل هو محاولة لحمايته من التشييء السياسي، ولحماية الإرادة الجمعية من الانقياد اللاعقلاني. وكما أشار فيبر: “السياسي الحقيقي هو من يُوازن بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية”، أي بين ما يعتقده داخلياً وما يترتب على قراراته عملياً، وإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على الحالة الإيزيدية، فإن ما يُمارسه بعض الأحزاب السياسية اليوم باسم الدين “الإيزيدي” لا يُراعي أخلاق المسؤولية بقدر ما يخضع لمنطق الامتيازات والانتماءات الضيقة.

وبلا شك أن التأسيس لفضاء مدني قائم على الكفاءة لا على الأعراف العشائرية أو العادات والتقاليد، يتطلب خطاباً تفكيكياً يُسائل السلطة التقليدية، ويحرر المشترك الاجتماعي من طغيان الموروث غير المتسائل عنه، كما أن التباين في الرؤى لا يُبرر القطيعة أو الإقصاء، بل يدعونا للبحث عن لغة جامعة تؤسس للتواصل لا للتنازع، وتُعيد إنتاج العلاقات على قاعدة الاعتراف التبادلي لا الهيمنة الأحادية، لأن المجتمع الإيزيدي، بوصفه نسيجاً من علاقات ما قبل السياسة، لا يمكن أن يُبنى من جديد إلا عبر إعادة هندسة علاقاته الداخلية ضمن أفق تعاقدي، تُلغى فيه أشكال الوصاية وتُفتح فيه إمكانيات التداول الديمقراطي.

وفي نهاية المطاف، لا بد من الإقرار بأن ما يفصل بين الانحطاط والنهوض، ليس فقط في أدوات الحكم، بل في مضمون الشرعية التي يُبنى عليها الاجتماع السياسي، وفقط حين يتم تحييد المقدّس عن التوظيف السلطوي، يمكن للهوية أن تتحرر من أسرها، وللمجتمع أن يستعيد سيرورة بنائه الحرّ.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular