في دردشة مع الذكاء االإصطناعي الـ(Chat GPT) سأله الأخ صالح عبدو الركافايي سؤالاً عن تاريخ بعشيقة و بحزاني, فكان جوابه إجتراراً لما ينشره الكتبة الئيزديون عنهما : أنها قديمة تعود إلى عهود السومريين والآشوريين والكلدان وغيرهم من قدماء ميسوبوتاميا, لكنه فعلاً ختم جوابه أنها تنشّطت في القرن الثالث عشر الميلادي وكانت هذه هي النقطة الصحيحة الوحيدة في إجابته, فأجبته فوراً : أن البلدتين قد تأسّستا معاّ في سنة 652 هجرية / 1255 ميلادية بالتحديد والتدقيق …..
لاشك أنّ كل مكانٍ توفرت فيه المياه الدائمية صيفاً وشتاءً والأراضي الخصبة, قد إستوطنها البشرمنذ إنبثاق الثورة الزراعية في كوردستان العراق قبل أكثر من 12 ألف سنة ق. م. وفي محيط كهف شانيدر أولاً ومن هناك إزدهرت وإنتشرت الحضارة الزراعية حتى ضاقت بها السهول الجبلية الضيقة لتترك الجبال زاحفة نحو الجنوب حيث الأرض السهلة الخصبة الوفيرة ونجحوا في بناء المآوي الطينية بدلاً من الكهوف التي كانت متوفرة في الجبال فظهرت أولى القرى البدائية بمحاذات قدمات الجبال من السليمانية وحتى دهوك مثل جرمو وشمشارة و زةويا جةمي وبالي كورة وعندنا في الشيخان قرية الحسنية كوران وتل زيناوة والحسنية الئيزدية و كر امبارك والجراحية وحتى نمريك في دهوك, ولا بد أن الزحف الحضاري قد امتد جنوباً في العصور اللاحقة لتشمل سهل نينوى ومنطقة ناوران وبحزاني وبعشيقة الوفيرة المياه صيفاً وشتاءً وقرى أُخرى زراعية كثيرة جداً ولابد أنها قد هُجرت وعُمرت من جديد مراراً و تكراراً على مر العصور بحسب الظروف البيئية والإجتماعية المختلفة لكن سكانها لم يكونو مستعربين, بل أكراد ميديون من سكان الشمال فلم إنسانٌ قد تقدم من جنوب العراق نحو الشمال قبل الآشوريين بعد سكنٍ في شرقاط لأجيال عبر الملك الآشوري أدد نايريري الثاني دجلة شمالاً في القرن العاشر وبالذات في سنة 922 قبل الميلاد عندها مباشرةً بدأت حروبهم مع السكان الأصليين حتى استعانوا بنابو بلاصر الكلداني البابلي للتخلص من حكمهم بعد ثلاثة قرون.
لم نقرأ في التاريخ القديم كله أن السومريين أصحاب دويلات المدن, أنهم قادوا الغزوات وفتح الممالك, أول من أسس دولة موحدة بجيش كان الأكديون ولم يخرجو أبعد من السهل الرسوبي . بعد الزحف العربي الإسلامي توغل العرب حتى شمال العراق وفرضوا الإسلام والتعريب بالسيف على الشعب الساساني الداسني خاصة بعد زيارة هارون الرشيد القاسية للموصل في 179 هـ وكفَّر دين الداسنيين ولغتهم فاستعرب كل من كان يسكن الموصل المدينة بسبب تعرضهم للضغط المباشر من الدولة باعتبارها مركز الوالي فاستعرب سكانها كلهم بمن فيهم الآشوريون المتعايشون معهم منذ العهد الآشوري, لكن المسيحيين احتفظوا بدينهم المسموح به إسلاميّاً بدفع الجزية المنصوص عليها في القرآن, كما تمكن بعض الداسنيين من الإحتفاظ بدينهم الشمساني الزراشتي سراً بإستخدام التقية عند الحرج وظل الشعبان المستعربان يتعايشان تحت الحكم الإسلامي حى اواخر الحكم العباسي حين ضعفت سلطة الخليفة العربي فحكم الأجانب وتسلم صلاح الدين قيادة جيش الدولة واستعان بالداسنيين الكورد والمستعربين الموصليين فنهضوا بقوة حتى شكلوا خطورة حقيقية على سلطة بدرالدين لؤلؤ حاكم الموصل فقتل زعيمهم الشيخ حسن صاحب الدعوة الأموية بإسم يزيد بن معاوية , وفي 652 هـ وبسبب قدوم هولاكو وخطورة الوضع في المنطقة خاف منهم بدرالدين أن يتعاونوا مع الأعداء كطابور خامس مثلما حدث في أربيل التي سقطت بيد هولاكو بسهولة قبل بغداد فأقام فيهم السيف وقتل كثير منهم وهرب كل من ناصر الشيخ حسن فتعقّبهم بدر الدين بقصد إبادتهم وتدمير معبدهم في لالش لكن سقوط بغداد بيد هولاكو جعله ينتبه إلى الخطورة الأعظم في الداخل فتركهم وعاد لتصحيح الأوضاع في الداخل ومع الحكم الجديد في بغداد إستعداداً للبلاء القادم منها بعد قتل الخليفة , فاستقر الداسنيون المستعربون في مرتفعات ناوران والفاضلية وبعشيقة وبحزاني وحتى شرف حيران كانت يزيدية لكن الفرمانات قلّصتهم إلى قريتين متجاورتين متحصّنين بالجبل المجاور, لا يزيديٌّ قد نجا من الإسلام من غير جبل, ولم يكن بينهم مسلم أو مسيحي واحد في البداية لكنهم هاجروا إليها في القرون اللاحقة لأسبابٍ إقتصادية أو إجتماعية مختلفة فهم كلهم أقارب و جيران وصُنّاع مهرة في النسيج والغزل وصناعة الصابون و استخراج الزيت وبهم كانت الموصل مشتهرة بالنسيج في العهد الأتابكي قبل خروجهم منها , ومعظم بني عمومتهم قُدماء الموصل فضّلوا البقاء في مدينتهم ولم يتبعو دعوة الشيخ حسن وقبلوا بالإسلام خوفاً من سيف بدرالدين وهم الآن مسلمون قدماء الموصل الأصليين ومعظمهم يقر بأصله الكوردي وكثير منهم إحتفظ باللقب الداسني حتى بعد إسلامهم بقرون بل و حتى العهد العثماني أمير أمراء الموصل المسلم السني لُقب بأحمد باشا الداسني حين عيّنه السلطان العثماني والياً على ولاية الموصل ف 1608 م .
إذن فلولا صلاح الدين ما تحرّك الداسنيون, ولولا الشيخ حسن ما تمّسكوا بدينهم الداسني وخرجوا من الموصل ولولا بدر الدين لما خرجوا من الموصل ولا سكنوا بعشيقة وبحزاني ولولا هولاكو ما نَجَوا من قبضة بدرالدين ولا تأسست القريتان المستعربتان المصلاويتان, فلا علاقة لسومر ولا آشور ولا بختنصر ولا نابو ولا غيرهم بشيء يخص الئيزديين الداسنيين .
25 حزيران 2025

