يُعد الخيط الأحمر والأبيض من التقاليد العريقة التي تمتد جذورها عبر الزمن، حيث تجده حاضرًا في العديد من الثقافات، سواء في أوروبا الشرقية أو في الشرق الأوسط، وخاصة لدى الإيزيديين الذين حافظوا عليه كرمز مقدس منذ آلاف السنين. ومن المثير للاهتمام أن نجد هذا الرمز أيضًا في تقاليد البلقان، مثل “المارتيسور” في رومانيا وبلغاريا ومقدونيا وجمهورية مولدوفا، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الأصل المشترك لهذا التقليد ومدى تأثير الثقافات القديمة على بعضها البعض.
التقليد لدى الإيزيديين: الجذور والرمزية
في الثقافة الإيزيدية، يُعرف هذا الخيط باسم “دزيك ملك فخردين” أو “نيشانا ملك فخردين”، وهو يحمل دلالات دينية وتاريخية عميقة. يتم ربط هذا الخيط في يد الأطفال أو وضعه حول أعناقهم، وكان في الماضي يُفرض على جميع الأطفال ارتداؤه كحماية روحية او هوية دينية او عرقية. أما اليوم، فقد أصبح تقليدًا يرتديه الشباب والشابات أيضًا، مما يعكس استمرارية هذا الرمز عبر الأجيال.
ومن التقاليد المهمة التي تعزز هذا المفهوم في الثقافة الإيزيدية، هو طقس “الباسمباري” الذي يُحتفل به في عيد الباتزمية لدى عشيرة الجيلكية. حيث يتم خلاله غزل خيطين متعانقين، أحدهما أحمر والآخر أبيض، ليربط لاحقًا في معاصم الأطفال أو يوضع حول أعناقهم ليرمز هذا الى طوق الشمس ورأس السنة. ويُعتبر هذا الخيط بمثابة “هوية دينية” تعبر عن الانتماء الإيزيدي، كما يُعتقد أنه يجلب الحظ الجيد لمن يحتفظ به لمدة عام كامل دون أن ينقطع.
هذا التقليد لم يكن مقتصرًا على الأفراد فقط، بل كان يُمارس في الماضي أيضًا على مستوى المجتمع، حيث يتم تعليق الخيط على بوابات المنازل أو أبواق الماشية، لحمايتها من الشرور، وهي ممارسة مشابهة جدًا لما كان يُفعل في رومانيا وبلغاريا، مما يدل على امتداد هذا التقليد عبر مناطق جغرافية مختلفة.
التشابه مع تقاليد البلقان: المارتيسور رمز الربيع والتجدد
أما في رومانيا وبلغاريا ومقدونيا وجمهورية مولدوفا، يحتفل الناس بتقليد يُعرف باسم “مارتيسور” في الأول من مارس، حيث يتم تقديم خيط أحمر وأبيض، غالبًا مع تعليقة صغيرة، كرمز لبداية الربيع والتجدد والبركة. يُقال إن من يرتدي هذا الخيط سيحظى بعام مزدهر وصحي، تمامًا كما هو الحال في الثقافة الإيزيدية.
تاريخيًا، يُعتقد أن هذا التقليد يعود إلى أكثر من 8,000 عام، ويختلف المؤرخون حول أصله، حيث يربطه البعض بالحضارة الرومانية، التي كانت تعتبر الأول من مارس بداية العام الجديد، فيما يرى آخرون أنه يعود إلى التقاليد الداقية القديمة، التي احتفلت بقدوم الربيع بأعياد وطقوس خاصة.
التشابه اللغوي والمفهومي بين “مارتيسور” و”مارس الأحمر”
من المثير للاهتمام أن اسم “مارتيسور” قد يكون مرتبطًا بشكل مباشر بلفظة كردية تعني “مارس الأحمر” (Marts Sor)، وهو ما يصف بدقة الخيط المكون من الأبيض والأحمر. هذا يعزز فكرة أن هذا التقليد ربما نشأ في منطقة بلاد ما بين النهرين، حيث ازدهرت أولى الحضارات الإنسانية، وانتقل لاحقًا إلى شعوب البلقان عبر التواصل الثقافي والتجاري والهجرات.
وهذا التشابه لا يقتصر فقط على الفكرة العامة للخيط كرمز للحماية والبركة، بل يتجلى أيضًا في تفاصيل طقس “البازن باري او الباسمباري” لدى الإيزيديين، والذي يعكس نفس المفهوم من خلال الألوان الرمزية للشمس والحياة، تمامًا كما هو الحال في تقاليد البلقان.
استمرارية الثقافة عبر الزمن والمسافات
رغم الفارق الجغرافي بين شعوب مثل الإيزيديين، الذين انحصروا في أماكن تواجدهم الحالية أو تهجيرهم في بقاع الأرض بسبب الفرمانات أو الإبادات الجماعية التي تعرضوا لها عبر تاريخهم، وبين بقية الشعوب التي استمرت في التوسع والانتشار، إلا أن هذا الخيط يظل شاهدًا على وحدة ثقافية غير مرئية تربط بين هذه المجتمعات. إنها إشارة إلى أن الإنسان، بغض النظر عن موقعه أو ديانته، يميل إلى الرموز التي تعكس الأمان، الحماية، والتجدد.
كلمة لابد منها : …….
تقليد الخيط الأحمر والأبيض ليس مجرد عادة عابرة، بل هو إرث مشترك ثقافي بين شعوب تمتد من الشرق الأوسط إلى أوروبا، وهو مثال رائع على كيفية انتقال وتوارث التقاليد الثقافية عبر الزمن. وبينما يواصل الإيزيديون في الشرق الأوسط الاحتفال به كرمز مقدس للهوية والحماية، تحافظ شعوب البلقان عليه كتقليد للبركة وبداية الربيع. هذا يثبت أن التاريخ والثقافة هما الرابط الإنساني الذي لا يمكن فصله، وأن جذور الإنسانية المشتركة أعمق بكثير مما نتصور.
بالنسبة للإيزيديين، لا يرمز هذا الخيط فقط إلى الحماية، بل هو أيضًا علامة واضحة على الهوية الإيزيدية وانتمائهم إلى تقاليدهم العريقة، تمامًا كما هو الحال في طقوس “الباسمباري” التي تمثل ارتباطهم الروحي والتاريخي بشمس الحياة والطاقة الكونية
هنا صور مختلفة من هذا العيد او التقليد القديم عند شعوب دول البلقان وكذلك عند الإيزيديون وطريقة استخدامهم للخيط، حتى هناك مشاهير في العالم يلبسون نفس الخيط منها ايفانكا ترامب والمطربة العالمية مادونا والكثير منهم.

