– المظاهرة المناوئة:
شهد يومَي الثالث عشر والرابع عشر من سبتمبر، وبالتوازي مع انعقاد مؤتمر الحوار الإيزيدي، مظاهرة مناهِضة للفعالية السلمية.
لم يكن في الحقيقة ما تم تحت ستار “المظاهرة” حدثا مألوفا ولا معارضة عادية عابرة، بل شأنٌ يستحق ـ ونحن ما نزال نتجرَّعُ الإبادة ـ الوقوفَ عليه والتساؤلَ: ماذا جرى بالضبط، ولمَ؟.
فتلك “الأعمال الشائنة” و”الأفعال غير المنضبطة” و”التصرفات الصبيانية” و”التشهير غير المسؤول” وتلك “العقلية الطائشة” التي سطَت على المظاهرة لم تُدلِّل مطلقا على “معارضة عقلانية” تسعى إلى كسب “حقوق مشروعة”، أو على نهجٍ سياسيٍّ ـ اجتماعي ـ قيمي، أو على “مظلومية إنسانية”، بل برهنت على مثالب من “البلطجة” و”العنتريات” و”الرعونة”.
وليس من العدل ـ في المقابل ـ القطع هنا بأن المتظاهرين كلهم كانوا من تلك “العينة المؤذية”. فالمنطق السليم يقتضي حسن الظن ببعض، ولو قليل، ممن ينبغي الاستماع إلى آرائهم وحججهم والدوافع التي قادتهم إلى التظاهر. لكنَّ “عقلية التسلط” والمشاكسةَ التي سُيِّرت بها المظاهرة أَساءت كثيرا إلى غثِّها وسمينها وخلطت حابلَ المتظاهرين بنابلهم؛ لذا كان ينبغي أن يحترس أصحاب النوايا الحسنة والمطالب المشروعة ممن يمكن أن يُسيء إلى وجودهم وحقوقهم في هذه التجمهرة التي شاركون فيها.
– تحضيرات احترازية ووقائع مرعبة:
كانت اللجنة التحضيرية قد توقَّعت ما قد يحدث بعد التصريحات النارية التي أطلقها معارضو المؤتمر عبر منصات “تيك توك” و”فيسبوك”، فطلبت من سلطات هانوفر تعزيز الحماية الأمنية، وأبرمت اتفاقا مع شركة أمنية خاصة، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لضمان سلامة المشاركين.
فقد أقدَم خلال يومَي المؤتمر المتظاهرون على “سلوكيات عدوانية” غير مألوفة، تمثلت في الاعتداء على كل داخل إلى أو خارج من القاعة، رجالا كانوا أم نساء، مستخدمين أساليب التهديد والتنمُّر والوعيد والاستفزاز،التي شملت القدح والذم والتشهير والقذف في الأعراض، إلى جانب التحقير والتعنيف اللفظي عبر مكبرات الصوت والصراخ التوبيخي.
كما توعَّدوا بعض أعضاء اللجنة التحضيرية من قلب المظاهرة وعلى مرأى ومسمع البوليس، فضلا عن تربُّص عدد منهم بمن يغادر القاعة رغم الوجود الأمني المكثَّف، ليباغتوهم بالصفع واللكم والركل والرشق بالبيض والطماطم، إضافة إلى اعتداءات جسدية أخرى صاحبتها ألفاظ نابية ومسيئة.
– بين الحق المشروع والفعل التعسفي غير المحق:
هكذا تجسَّدت المعارضة الإيزيدية حيال مؤتمر هانوفر، وهكذا عبَّر عنها المتظاهرون الإيزيديون، وقبلهم ومعهم وبعدهم بعض “التيك توكيين” وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي الإيزيديين في دولة القانون: ألمانيا. ولأن ما حدث جرى بلا أي التزام يُذكر بقوانين الدولة التي احتضنتهم واحتضنتنا جميعا من القهر والإبادة، ولا حتى مراعاة للقيم المجتمعية التي ينحدر منها المعارضون والمتظاهرون، فإن السؤال المشروع هنا هو: هل كانت تلك المغالاة بسبب جهل المتظاهرين بحدود حريتهم في الاختلاف، أم أنهم كانوا يعلمون فاستغلوا الطابع الإنساني في القوانين الألمانية وتعسفوا في استعمال الحقوق الممنوحة؟
ومهما يكن، فلا بدّ من الهمس في أذن كل من يبتغي أن يخالف في الرأي أو يختلف في الرؤى: إنّ للمعارضة حدودها المشروعة. فالاختلاف أمر مباح، بل ومفيد، شرط ألّا “يُفسد الخلافُ للودِّ قضية”. واستحضارا لمقولة سقراط الشهيرة: “إن حياةً لا تُنتقد لا تستحق أن تُعاش”، فإن النقد الجادّ والبنّاء ينبغي أن يكون مدخلا لمعارضةٍ إيجابية: معارضة سلمية وواعية تؤمن بالحوار، وتحترم المعقولية، وتعزّز القيم الإنسانية، وتراعي حقوق الإنسان. هكذا ينبغي أن تكون المعارضة؛ وعلى هذه الصورة الإنسانية. وما إن تُبْنَى المعارضة على ازدراء وسباب وتشهير وتحقير، وسائر أشكال العنف اللفظي، حتى تخرج من نطاق الاختلاف المشروع لتتحول إلى أفعال جرمية يعاقب عليها القانون.
بساطةُ بعضنا وتقديراتُه المغلوطة، فضلا عن الروح الريفية ـ القبلية ـ العائلية التي قد تُثقَل أحيانا بسلوك ثأريّ وطيش، قد تُورِّط أصحابها في أفعالٍ يظنُّونها مشروعة، بينما تُجرِّمها القوانين والتشريعات، ولم تعد ملائمة للبيئات الجديدة التي نعيش فيها. بل قد يُقدِم بعضنا، من حيث لا يدري، على أفعال تندرج تحت جرائم مُفاقِمة.
ومن المفيد هنا أن يعلم القاصي والداني أنّ كل فعل او قول اويماءة يقترن بالعنف الجسدي أو بالقوة البدنية ضد المعتدى عليه يضاعف من وطأة الجرم، وتزداد العقوبة شدّة تبعا للمقاصد والنتائج والمآلات. لذلك، وحيال هذا الواقع الإبادي الذي نعيشه، فإن الانسياق وراء ما تُمليه أحيانا الذهنية الريفية والعشائرية من وحشية وشقاق وسخط ثأريّ قد يُوقِعنا، بخاصة في أوروبا، في شراك لم تعد منسجمة مع معطيات المكان والزمان والحال.
ومن ثم فإن المعارضة المبنية على العنف والعضلات والمشاحنات السلبية لا ولن تُعالج معضلاتنا الراهنة، كما لن تُفضي مطلقا إلى حلول عملية مفيدة. فالمعارضة، أو المخالفة في الرأي، لمن يصف نفسه معارضا، لها آدابها وقيمها وأعرافها في المجتمعات الإنسانية. فإذا تجاوزت حدودها القانونية والأخلاقية، فقدت مشروعيتها وتحولت إلى جريمة تنأى عن خدمة المجتمع أو الإسهام في تطويره، بل تصبح عقبةً في الطريق.
وعودة إلى مظاهرة هانوفر، يطرح الفضول سؤالا على “التيار القومي الإيزيدي” بوصفه الجهة المتولية للمظاهرة: أي عقلٍ سياسيٍ هذا الذي أدار مظاهرةً من هذا النوع ؟ ما الفائدة العملية التي جنيتموها منها ؟ وبماذا خدمتكم فعالية قامت على العنف اللفظي والجسدي، وضمت مدمنين على المخدرات والكحول لا يعرفون أصل الحكاية ؟.
هل بهذه الطريقة، أصدقائي وإخوتي، تريدون أن تُدار القضية الإيزيدية في المحافل العراقية والإقليمية والدولية والأممية إذا تسلَّمتموها أنتم؟.
فمظاهرة هانوفر، أصدقكم القول، جسّدت معارضة تفتقر إلى الروح النقدية البنّاءة؛ إذ أفصحت عن موقف يهدم الثقة، ويشوّه القيم، ويضعف النسيج الاجتماعي، ويغلق كلّ طريق إلى الحوار والاعترافِ بالآخر المختلف. فضلا عن أنها ساهمت في إرهاق سلطات الدولة المضيفة، وأساءت في الوقت عينه إلى صورة الإيزيدي لدى المجتمع والدولة الألمانية، خصوصا فيما يتعلق بالاندماج ومطلب عدالة المظلومية الإيزيدية.
رغم أن لي علاقة شخصية وطيدة مع عدد من المؤمنين بهذا الفكر، ورغم أن متابعتي للتيار القومي الإيزيدي ليست متعمِّقة، فإنني أتفهم ـ وفق ما تحصَّلت عليه من معلومات عنهم ـ هواجسهم وأتضامن معهم؛ لكني أختلف مع كثير من طروحاتهم ونهجهم وأساليب تعاطيهم مع واقع الحال.
إنّ اللجوءَ إلى العنف وبِهذِهِ الصورة الفظة لفرض الآراء والأجندات قد ينزلق بصاحبه إلى مزالق تُخرجه من المعادلة التي كان فاعلا فيها.
لذا فما أتمناه شخصيّا من إخواني في “التيار القومي الإيزيدي” أن يركِّزوا في تعاطيهم مع إيزيدييهم، وإن كانوا من مشارب مختلفة، على الحوار وتقبّل الرأي الآخر.
إن لم نحتوِ بعضنا بعضا، فستستمر الإبادة ـ لكن هذه المرة بأيدينا.
30.09.2025

