علينا كايزيديين ان نفهم جيدا ان الاحزاب وجدت لخدمة الناس لا ليتحول الناس الى ادوات بيد الاحزاب هذه الفكرة ليست مجرد شعار سياسي بل قاعدة اساسية لاي مجتمع يريد ان يعيش بكرامة ويصنع مستقبله بارادته بعيدا عن التبعية والصراعات التي انهكت منطقتنا لعقود طويلة.
حين ظهرت الاحزاب في العالم الحديث كان الهدف منها تنظيم المجتمع وتمثيل مصالح الطبقات والفئات المختلفة اي حزب مهما كان حجمه او شعاره ليس كيانا مقدسا ولا قوة فوق المجتمع بل اداة تمكن المجتمع من تنظيم ذاته واذا تحولت الاداة الى سيد فان الخلل يكمن في طريقة ممارستها وليس في الفكرة نفسها.
بالنسبة لنا كايزيديين عشنا تاريخا مليئا بالخذلان والتهميش كثيرا ما وجدنا انفسنا الحلقة الاضعف في المعادلات السياسية لاننا سمحنا للاحزاب ان تتعامل معنا كجمهور يمكن ان يحشد عند الحاجة لا كقوة واعية تمتلك ارادتها وقرارها الاحزاب استفادت من اصواتنا ومن وجودنا لكن لم يكن لدينا دائما اطار واضح لمحاسبتها او مساءلتها او تقييم دورها في حماية مجتمعنا او تحسين اوضاعه.
وطبعا هذه القاعدة تشمل الاحزاب الايزيدية نفسها لان رفع شعار تمثيل المجتمع الايزيدي لا يمنح اي حزب قداسة او حصانة اي حزب ايزيدي لا يسمع صوت الناس ولا يعبر عن مصالحهم ولا يكون صادقا في الدفاع عن حقوقهم يفقد شرعيته الاخلاقية قبل ان يفقد شرعيته السياسية الناس اليوم اكثر وعيا واكثر قدرة على التمييز بين من يخدمهم فعلا ومن يستخدم اسمهم فقط.
الحزب الايزيدي يجب ان يكون امتدادا للناس لا وصيا عليهم يجب أن يكون انعكاسا لكرامتهم ولمعاناتهم ولتاريخهم ولتضحياتهم مجتمع خرج من الابادة عام 2014 ورأى الموت والدمار لن يقبل ان تتحول معاناته الى سلعة سياسية او ورقة تفاوض من يتحدث باسم الايزيديين عليه ان يكون على مستوى هذه المسؤولية والا يصبح الحديث مجرد شعار بلا روح.
من حق كل فرد ايزيدي ان يسأل ما قيمة حزب لا يحميني ما قيمة قوة سياسية لا تسمع صوتي الا عند الانتخابات وما جدوى الشعارات ان لم تنعكس على حياة الناس وامنهم وحقوقهم الحزب الحقيقي لا يقيس قوته بعدد الرايات بل بقدرته على تقديم خدمات وحماية المجتمع ورفع مستوى الوعي السياسي بين الناس.
حين يتحول الحزب الى مركز نفوذ او مصدر امتيازات يبدأ الانحراف وحين ينسى الحزب ان الناس هم مصدر شرعيته ينفصل عن الواقع ويستمر فقط بقوة العاطفة او الخوف او الضغط هذا الخطر ليس بعيدا عن مجتمعنا فقد شاهدنا في الماضي كيف استخدمت بعض الاحزاب الايزيدية وغير الايزيدية الجماهير لتحقيق مصالحها الخاصة بدل من تمثيل مصالح المجتمع والدفاع عن حقوقه.
لتوضيح ذلك يمكن النظر الى التجربة الايزيدية في شنكال بعد تحريرها من سيطرة داعش حيث ظهرت احزاب محلية جديدة تدعي تمثيل المجتمع بعض هذه الاحزاب ركز على خطاب شعاراتي دون تقديم خدمات ملموسة بينما نجحت احزاب اخرى في بناء مؤسسات صغيرة لدعم الناجين وتقديم مساعدات تعليمية وصحية مما اظهر الفرق بين من يخدم فعلا ومن يتخذ الشعار فقط غطاء للوصول الى النفوذ.
ايضا يمكن النظر الى تجربة الايزيديين في عام 2007 خلال تفجيرات تل عزيز وكيف تدخلت بعض الاحزاب الاقليمية لتقديم مساعدات عاجلة للمجتمع بينما بعض الاحزاب الاخرى اكتفت بالتصريحات والشعارات دون عمل ملموس هذا يوضح مدى اهمية ان يكون الحزب موجودا لخدمة الناس وليس لاستغلالهم.
الابادة الجماعية عام 2014 اصبح واضحا اننا بحاجة الى نمط جديد من العلاقة بين المجتمع والاحزاب لم نعد بحاجة الى احزاب تتحدث باسمنا بقدر ما نحتاج الى مجتمع قوي يفرض شروطه على اي حزب يريد تمثيله نحتاج صوتا مستقلا وعقلا ناقدا وفهما عميقا للسياسة حتى لا تتكرر الاخطاء وحتى لا نكون الحلقة التي تستخدم ولا تستشار.
عندما يفهم الفرد الايزيدي ان الحزب موجود لخدمته سيعرف كيف يختار وكيف يحاسب وكيف يرفض وكيف يفرض ارادته وحين يدرك الحزب ان الايزيديين لم يعودوا جمهور صامت بل قوة اجتماعية لها رأي وكرامة وتاريخ ودماء سيضطر لتغيير سلوكه واساليبه وخطابه المعادلة بسيطة الحزب خادم والناس اصحاب القرار واذا انقلبت هذه المعادلة يختل كل شيء.
السياسة في اصلها وسيلة لتنظيم المجتمع وتمثيل مصالحه لكن حين تنقلب الوسيلة الى غاية يبدأ الانحراف وتظهر الازمات التجارب العالمية تشير الى ان الحزب الحقيقي يقاس بقدرته على خدمة الجمهور وتقديم مشاريع ملموسة وحماية مصالح الفئات التي يمثلها اما حين يتحول الحزب الى مركز نفوذ او قوة تبحث عن الولاء قبل الكفاءة يصبح عبئا على المجتمع لا ممثلا له.
النظر الى الاحزاب الناجحة في العالم مثل بعض الاحزاب الديمقراطية في اوروبا او الاحزاب التقدمية في امريكا يوضح ان الحزب الذي ينجح هو الذي يضع المواطن في المركز يقدم الخدمات يحاسب نفسه ويحافظ على شفافية قراراته هذه التجارب تعطينا خارطة طريق لتطبيقها على الواقع الايزيدي مع مراعاة خصوصية مجتمعنا وتجربتنا التاريخية الفريدة.
من الامثلة الواقعية الاخرى حزب في السويد او المانيا يقدم برامج تعليمية وصحية ومؤسسات دعم للمجتمعات المحلية ما يعكس فهمه ان وجوده مرتبط بخدمة الناس وليس بالسيطرة او النفوذ بالمقارنة نجد ان بعض الاحزاب الاقليمية في منطقتنا رغم شعاراتها الكبيرة لم تقدم خدمات ملموسة ما يجعل الشعب يدرك الفرق بين الشعارات والحقائق على الارض.
يمكن ايضا النظر الى التجارب العالمية مثل حركة الحقوق المدنية في امريكا وكيف شكلت ضغطا على الأحزاب لتقديم خدمات حقيقية وتحقيق حقوق المواطن هذا يعكس قاعدة اساسية ان الوعي الشعبي والضغط المستمر يجعل الاحزاب تتغير وتهتم بمصالح الناس وليس بالسلطة فقط.
المستقبل الايزيدي لا يصنع بشعارات الاحزاب بل بوعي الناس حين يعرف الفرد قيمته ويمتلك رأيه ويحاسب من يمثله ستتغير السياسة من جذورها وعندما يدرك كل حزب ايزيدي او غير ايزيدي ان الناس لم يعودوا جمهور صامت بل قوة تملك ارادتها سيجبر على احترامها.
بهذا الفهم يمكن ان نؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الوعي لا الولاء وعلى الاختيار لا التبعية وعلى احترام الانسان قبل اي شعار سياسي المجتمع حين يعرف قيمته لا يمكن لأي حزب ان يتجاوزه وهذا هو الطريق نحو قرار ايزيدي مستقل ناضج وراسخ قادر على مواجهة التحديات والحفاظ على حقوقه وصناعة مستقبله بارادته الحرة.

