حالَما تَتَبادر للأَذهان كلمَة الصَوم ، تَشردُ الأَفكار وتَتَسارع العقول نَحو عالم آخر غَير عالمِنا الواقعي الحَقيقي ، حَيث تَشتَرك العاطِفة والوَعي لِتُحاصَر النَفس في سجن الشَهوات والرَغاب والمَلذات ، لأَهداف قَد تَكون لايَعلمه إلا الصائم نَفسهُ ، وغائبة عَن الوَعي الجَمعي أَحياناً وأَحياناً يَخلقها الأنسان بدواعي صحية أَو أنسانية أَو روحية ، وفي جَوهرها هو السّمو فوق حاجاتهِ المادية نَحو مَعنى أَعمق للحَياة ، هذا هو رأي المُتَواضع في تَعريف الصَوم ، َرغم هناك العَديد من المَعاني والتَعريفات لِها . حَيث هناك مَن يَربطها بالطَبيعة وحَركة النجوم والكَواكب وعلم الفَلَك كنجمة الزهرة والميزان وعَطارد ( پيرو – قُرغ – ته رازو ) ومن يَربطها بالأعتدال الخريفي أَو الأنقلاب الشِتائي والتي لا أُجيد البَحث فيها حَقاً ، وهُناك مَن يَربطها بظاهرة أنسانية قَديمة أرتَبَطت بأَقدم النَواميس البَشرية ، سَبقت حتى طقوس الصَلاة ، والشَعائر التي عَرَفتها الأَديان ، كَما تُعَد الصِيام الرُكن الأَساسي من أَركان الديانات الأبراهيمية الثلاثة والأيزيدية وبَعض الديانات الشَرقية المُتأَخرة ، فالأيزيدية
مَثلاً تربط الصيام بِتَقليد الشيخ عادي -ع – ، وبيَزيد بن مَعاوية الخَليفة الأَموى بحسب ( الكاتب سعيد الديوَجى ) (١)، وهُناك
من الأيزيدية مَن تربطها بتَقليد للنَبي شَهيد ، وهناك نَص ديني حول القصة ( قه ولئ هه زارو ئيك ناف ) ، وعند الأسلام بِتَقليد شَهر رَمضان ، والنَبي يونان وهو في بَطن الحوت ، والنَبي أبراهيم الخليل ، والنبي نوح وقصة الطوفان وغيرهُ كثير أَما بِخصوص التَسمية عند الأيزيدية وهو مانَبحث عَنهُ في هذا المَقال فَهناك مَن يُسَميهِ صَوم ئيزي ( روژييت ئيزئ ) ومن يُسَميهِ صَوم الشيخ شَمس ( روژييت شيشم ) . ميثر – أَو ميهر ، فَيا تَرى أَيهما الأَصَح ، أَحَدهما ،أَم كلاهُما أسمَانِ لمَعنى واحد . ئيزي ومِيترا .
الإِله ميترا :
ورد في الألف الثالث قبَل الميلاد في جِبال زاكروس ( الموطن الأَصلي للدِيانة الأيزيدية ، الخالتيين ، الهوريين ، الهكاريين ، مهركا – الداسنيين – الكاتب ) قامت أَول دولة كوردية في آسيا الصغرى وأتخذت من ( ميثرا ) ميهرا إِلهاً لها حَمَلت أسمهُ ( مهرانو ) وتسمى شَعبها باسم ( ميهري ) *، وكان أَول أسم لها في المَصادر المسمارية ( السومرية – الأَكادية ) خلال حكم نرام سين – بين( 2236 – 2200) ق.م ثم ذكرت بشكل دائم في نقوش لملوك آشور حتى 973 ق.م ومنها نَص أسرحدون الشَهير ( 680 – 669 ) ق.م .أن مَمْلكة ميهري قَديمة جداً في جبال زاكروس ، حَيث يَعود قدمهُ الى الألف الثالث قبل الميلاد ، وقد ورد ذكرها عند الأَكاديين ، الذين قدموا قبل ذلك بفترة قصيرة ، الى شمال ميزوبوتاميا ، حيث يَعود جذر هذا الأسم الى العَصر القَديم أيام وحدة الهندو أوربيين عندما كانت الشَمس تُعبد تحت أسم ( مهري – ميترا ) الأله الشاهد على أبرام أتفاقيات الآريين ومُعاهداتهم والحامي للقَسم ،وتحفل – بترانيم الشمس والدين المُقدس لمِيترا – ميهري (٢) وَورد هذا الأسم في المُعاهدة المَعقودة بين الميتانيين والهيتيين على شَكل (ميتر- Miter ) وفي الأَفستا ورد على شكل ميثر والبهلوية ميهر أَو ( ميهرك ) وعرف باله النور والعَهد المَوثوق ، وفي الأساطير الهندوأوربية عنصر الخير والبَركة وعَون لأدامة الكَون ، ويَعزو العالم الفرنسي ( دار مستر ) أسمهُ الى الصَديق أَوالصاحب حيث منهُ أشتقت كلِمة مهربان ، (٣) والمناطق التي التي أنتشرت بها الميثرائية هي نَفسها مَناطق أنتشار الأيزيدية ، فقد تَركزت أَماكن أنتشارهم في جبال كردستان والمناطق الشمالية في العراق وسوريا والجبال التي نُحِتَت فيها المَعابد الميثرائية داخل الكهوف والمَغارات التي أتخذها الرهبان والمُتَصوفة صَوامع لَهم ، وتَحَولَت فيما بَعد الى مَراقد وأَضرِحة وأديرة ، كانت بالأصل مَعابد ميثرائية كما في شمال السليمانية وقرب قرية بحزاني الأيزيدية ، ، وكَهف أيزيدي زارَتهُ الباحثة البريطانية ليدي إثل دراور ( عاشت لفترة طويلة في العراق . مختصة بالديانة المندائية ، تَتقن الآرامية المندائية ) وأكدَت الدِراسات أن الكهوف المُكتشفة حديثاً في جِبال الهَكارية ، شِمال الموصل ، هو المكان المُقدس للأيزيدية وتُعَد من أقدَس أماكنهم ، كما أكدَت الكشوفات الأثرية أن هذا الكَهف وينبوعهُ المُتدفق ( كانيا سپى -العين البيضاء – الكاتب )، كان مَوقعاً يُعبَد فيهِ الأله ميثرا ( ميهر ) ، وآلهة اليَنابيع ( أَناهيتا / ناسيتا )(٤) ومن الرموز الموجودة على جدران مَعبد لالش ،رَمز الصَليب ، ( سواستيكا ) رمز الهة الشمس وكانت بداية ظهور هذا الرَمز في عهد حسونة ( ٦٠٠٠ ) قبل الميلاد واستمر حتى العصر الآشوري الحديث ، كَقِراط أَو دَلايات على عَقد ، ويَظهر في حالات صَليب بخطوط مُتموجة وهي مؤشرات قوية على أن الصَليب هو رَمز الأله شمس ( شمش ) أوتو ( مع القرص الشمسي والقُرص المُجنح ) ، كما عُثر على تمثال أَو رمز لِرَجل يَحمل بيَدهِ العَصا في مَعبد لالش، وهو الأله ميترا ، إِله السَماء الذي أَتى الى الأَرض بأَوامر أَو بالسيف لِضَرب أعدائهِ (٥) ، وتَقول الأسطورة الهندوأيرانية ، الميدية أن ميلاد ميترا ،كان في كهف مُظلم ، ويَظهر وهو حاملاً شُعلة وسكيناً ، ويَحتفل بعض الباحثين برمز ميلادهِ في يوم الأنقلاب الشتوي ( والذي يصادف غالباً حوالي ٢٥ ديسمبر ) كما أَشرنا اليهِ بأعتبارهِ ميلاد ” إله النور ” ، ( د. ممو عثمان دراسات ومباحث في فلسفة وماهية الديانة الأيزيدية ) وأذا كان الشَمس التي تُقدسها الأيزيدية في وَقتنا الحاضر. هي نفسها شَمس ميترا / ميثرا ، فأن الدين الأيزيدي هو فعلاً أَقدم من الديانة الزرادَشتية ، وليس منفَصلاً منها أَو من بَقاياها لأَن الديانة الزرادشتية باقية . والدليل الآخر الذي يَدعم قِدم الديانة الأيزيدية
من الزرادشتية والديانات الأخرى ، هو طَقس صَوم الأيزيدية ( صَوم أيزي – صَوم الشمس ) الذي يُعَد أَحد أَركان الديانة ، يُقام مُدة ثَلاثة أيام في هذا التاريخ من شهر كانون الأَول ، وهو عيد ميلاد الشَمس ، يَتَساوى فيها الليل معَ النَهار ، ويَتَحول الشَمس من برج الجدي ( ٢٩ كانون الأَول ) الى بُرج الدَلو ١٩ كانون الثاني ) . وللمَزيد عَن علاقة مَيترا والشمس وكلاهُما بالجغرافية الأيزيدية ( راجع – جندي خليل – الدين الأيزيدي التاريخي ) (٦) وعَن العلاقة ذاتها نَقرأ في( دعاء الصبح ) – دوعايا سبى .
من الدار الى الدار
شيشيمس هو ربّ آل سيقال “
شيشمس هو أَملنا الذ ي لايَنقطع
(٠٠٠٠)
يارب السَماء
ربّ آل ميهر ( أَي الشمس ) القمر
رب النهر والسَواقي
وجاء في ” شهادة الدين “
سلام آ ” ميران ” على ” لالش ” و ” مقلوب “
ونقرأ في نص ( قه ولئ سه ره مه رگئ ) قول الأحتضار
عزرائيل ؛ ملك آل ميهران “(٧)
الإِله : أيزي ، أيزيد ، ئيزداي ، أزدا ، يَزتات ،
هُناالحديث عَن أيزي أَو أيزدا أَو يَزت لَم يَكون جَديد اً ، وقد لا أَضيف في بَحثي هذا شيئاً جَديداً الى ماكتَبهُ الباحثين والمؤرخين الأيزيدييين وغيرهم من قَبلي ، وقد يَكون في أعادة للشيء مَللاً يَبعد القارئ عَن قراءتهِ إلا أَن مَوضوع البَحث قَد يختلف شيئاً عَن التَسمية ، أَلا وهو المُقارنه بينهُ وبين الأله ميترا أو ميهر ، وعلاقَتهما بالصَوم ، والميلاد ، والتَقليد الطَقسي بَينهم ، فبالتأكيد أن كلِمة الأيزيدية لَم تأتي من فراغ بَل هو من إِلههم الأَكبر أيزيد أَو ( يَز ) – yaz – والذي جاءت في الأَفستا – الكتاب الزردشتي المُقدس ، وهي مُفردة للتَقدير والعِبادة ، وبمفهومها الديني تَعني تَقديم الشُكر والتَضحية وتَعظيم الله ، وفي ديانة ( المزديسني ) أَي الزرادشتية الحديثة فأن مُفردة ( يسنة ) تعني الأَرواح السَماوية ، ويُمكن قد تَغَيرت وأَصبحت ( يه زت ) ومن ثم يَزدا أَو ( أيزده ) ومن ثم ( أيزيد) وثم تَحولت الى يزدان ، ، وهي كلمة تَقدير ذات شمولية يُليق أَن تُطلق على مَن يَمتلك دَرجة من السّمو والعَظمة كالله ، ، وفي اللغة الكردية تُطلق كلمة الله . كلمتان أيزيد ويزدان ، وهو رأي الكثير من رجال الدين الأيزيديين عَن كلمة ( أيزيد ) ،حيث يَعني إله بِحسب النص ( قه ولى هه زارو ئيك ناف )
سُلتان ئيزئ بخو په دشايه
هه زارو ئيك ناف ل خودايه
نافئ ،مه زن هه ر خودايه
بمعنى أن الله ( أيزي ) هو الشاه أَو الأله وقد سُمي أسمه بأَلف أسم وأسم . ، ويَنطبق هذا مع رأي الدكتور خليل عبدالرحمن حيث يَقول
أن الأيزيدية أساسها من ( يَز ) بمعنى يَعبد (٨)
ويُعَلل هذهِ التسمية القَس سليمان الصائغ في مؤلفهِ ( تاريخ الموصل ) تَسميتهم ( الأيزيدية ) الى إِله كانوا يَعبدونهُ أسمهُ ( يَزد ) مُستداً بذلك الى ماجاء في تاريخ ( كلدو وآثور ) نقلاً عَن( توما المَرجي ) في القرن التاسع للميلاد ** الذي ذَكر في كتابهِ ( الرؤساء ) عَن أَهالي مدينة (موغان ) أنهم كانوا يَعبدون صَنماً أسمهُ (( يزد )) فيَقول المؤَلف : قَد يكون فيما ذَكرهُ توما المَرجي أَصل تسمية هذهِ الشيعة ( الجَماعة ) باليزيدية على أَن كلمة ( يَزدان ) ،تعني الأله بالفارسية ، (٩)، ويذكر الكاتب صباح كنجي أسماء وصور أَربعة عشر معبداً ومزاراً ل ( أيزي ) في مختلف مناطق تَواجد الأيزيدية لازالت مَعالمها شاخصة الى يَومنا هذا وتُزار من قبل الأيزيدية أَحدهم في جورجيا ، (١٠)
الخلاصة:
هنا وبَعد الأنتهاء من بَحثي كَغيرعادتي سَوف أَتَجاوز أسلوب البَحث العلمي في كتابة المَقالات التي تَعلمتها في دراستي الأَكادمية وأَنأى بِنَفسي عَن خُلاصة المَقال وأترك الأجابة عليهِ للمُختصين والمُتابعين للشأن الديني الأيزيدي وللمُهتمين ، لَيس لِكوني لاأجيدها ، ولكن لأعطي لِلمَوضوع مَساحة أَوسع للبحث عَنهُ ( الصَوم ) لأَهميتهِ ، ولكي لانَتخصر لتاريخٍ ٍ عُمرهُ آلاف السنين بِمقال أَو كِتاب .كل الوُدْ للمتابعين والقُرّاء الأعزاء ،ولهم السؤال ،( هَل بينَ ميترا وأيزيد ، صِيامٌ ، ميلادٌ أَم تَقليد ؟ )
المَصادر :
٠١ سَعيد الديوه جي – الأيزيدية
*٠ ميهركا ، من العشائر الكبيرة والقديمة في شنكل ، سنجار
٠٢ صَلوات كولياموف ، آريا القديمة وكوردستان الأبدية ، تَرجمة أسماعيل حصاف ، أربيل ، ٢٠١١
٠٣ علي تتر نيروه ي -الميترائية تاريخ ومعتقدات ، تَرجمة المَرحوم بير خدر سليمان ، منشورات ، مركز لالش الثقافي والأجتماعي / ٢٠٠٨
٠٤ د. عايدة بدر ، أثر الديانة الأيزيدية في الديانة الزردشتية / مَطبعة روژهلات ، أربيل ، ٢٠٢١، عَن ، أبن خلكان ، أبن الأَثير ، تَوفيق وهبي ، أبن المستوفي ، للمزيد عَن أثر الميثرائية في الديانة الايزيدية ، مراجعة المصدر
٠٥ د. قيصر خَلات أيزدين ، العمارة الدينية الأيزيدية في بلاد الرافدين / ط١ ، مطبعة هاوار – دهوك، ٢٠٢١
٠٦ د. خليل جندي ، البحث عَن الدين الأيريدي التاريخي ، بيت الكتاب السومري ، ط١ ، بغداد شارع المتنبي ، ٢٠٢٣
٠٧ هوشنك بروكا ، لغز طاوسي ملك ، أَو أَصل الخير والشَر في الأيزيدية
٠٨ د. خليل عبد الرحمن ، الأَفستا ، الكتاب الزرادَشتي المُقَدس
**٠ أَي قبل ولادة الشيخ آدي – عادي – عليهِ السَلام
٠٩ صديق الدَملوجي ، اليزيدية ،. مطبعة الاتحاد – الموصل – العراق ، ١٣٨٦ هـ – ١٩٤٩ م ،
10. صباح كنجي ، الأيزيدية ،محاولة للبَحث عَن الجذور ، ط١ ، دار نشر طهران ، ٢٠٢١
غازي نزام / أوكسبورك
١٦/ ديسيمبر / ٢٠٢٥

