
في هذه اللحظة أشعر أن الكلمات ثقيلة، وأنا أكتب عن الكاتب مراد سليمان، كأن الحروف متعبة مثله. هو رجل حمل شنكال في قلبه بكل ما فيها من ألم وفقر وخسارات وأحلام لم تتحقق، حاول أن ينقل كل ذلك إلى الورق بهدوء وصدق، من دون ضجيج أو بحث عن شهرة. لم يكتب ليكون معروفًا، بل كتب لأن الصمت كان أصعب من الكلام، ولأن الألم إذا لم يتحول إلى كلمات، يرهق صاحبه أكثر. وكل كلمة أكتبها تبدو وكأنها محاولة لفهم عمق تجربته ورؤيته للعالم، أراه يختزل في الحروف سنوات من الصبر والمقاومة وتجربة شخصية ووجع جماعي معًا، فالكتابة عنده كانت علاجًا لنفسه ووسيلة لتوثيق ذاكرة شعب بأكمله.
مراد لم يكن كاتبًا بعيدًا عن الواقع، بل كان شاهدًا على زمن مجروح، عاش الفقر والخوف وخيبة الأمل، ورأى القرى والمدن تتألم أمام عينيه، فاختار أن يحفظها في الكتابة قبل أن تنسى. كان صوته محاولة لإنقاذ حكايات الناس البسطاء، أولئك الذين عاشوا بصمت ولم يتركوا وراءهم إلا تعبهم، ومع ذلك بقي هذا الصوت مهملاً، وكأن الألم القادم من الفقر ومن شنكال لا يستحق أن يسمع. وفي صمته تكمن صرخات الناس المغيبة أصواتهم بين الجدران والطرق المهجورة، وكلما قرأت نصوصه شعرت أن الكاتب نفسه يشاركنا هذا الوجع ويدعونا لنرى العالم من منظور من عاشوه عن قرب.
رغبتي في الكتابة عنه جاءت من وجع قديم يسكن القلب، كلما نظرت إلى شنكال ورأيت كيف تختصر حكايتها بسرعة وبسطحية، شعرت بالظلم. هذا المكان تعب كثيرا ودفع ثمنا كبيرا من دم أبنائه وفقرهم وتهجيرهم، ومع ذلك ما زال ينظر إليه وكأنه مجرد مأساة عابرة بلا ذاكرة ولا ثقافة. وكلما تعمقت في التفكير بما كتب عن هذا المجتمع، شعرت بأن الكتابة تصبح جسراً بين الماضي والحاضر، تنقل الحكاية بكل أبعادها الإنسانية والتاريخية، وتجعل من ألم الماضي درسًا لمن يعيش الحاضر ومنارة للأجيال القادمة لتفهم المعاناة والصمود معًا.
الأكثر وجعا أن دور مثقفي شنكال كان مهملاً، رغم أنهم حملوا مسؤولية حفظ الحكاية ومنعها من الضياع. مراد سليمان واحد من هؤلاء، كتب عن تجارب حقيقية لم تجد من ينصفها أو يصغي لها بصدق. كتبه ليست مجرد نصوص، بل شهادات على صمود إنسان بسيط، واجه الفقر والخسارة والخذلان، وواصل الكتابة رغم غياب الدعم، ورغم صمت النقاد، ورغم الإحساس المؤلم بأن ما يكتب أحيانًا يمر وكأنه لم يكتب. وكل كلمة كتبها كانت محاولة لإيقاظ الذاكرة المشتركة، وتذكير الناس بتاريخهم المنسي، ومحاولة لإعادة الاعتبار لمن عاشوا بصمت وألم دون أن يسمع صوتهم أحد.
لا يمكن فهم تجربة مراد سليمان من دون فهم شنكال نفسها، شنكال ليست اسمًا على الخريطة فقط، بل حياة مليئة بالألم، والذاكرة هي وجوه متعبة وأيام طويلة من الفقر والصبر، وحكايات عاشت في القلوب قبل أن تكتب. هي لغة الناس البسطاء ونظراتهم وخوفهم وأملهم، وكل هذا انعكس بهدوء في روحه وكلماته، وما كتب عن شنكال ليس مجرد وصف للمكان، بل نقل حي لتجربة مجتمع كامل يحاول البقاء رغم الجراح، ويؤمن بالقوة التي تحملها الكلمات لتوثيق المعاناة والكرامة.
في البيوت الطينية الفقيرة، وبين الحقول التي اختلط فيها العرق بالدمع، وفي المجالس التي كانت تروى فيها الحكايات بصوت منخفض، تشكلت ثقافة طويلة من الصبر والمقاومة. من هذا المكان خرجت كتابته محملة بوجع جماعي لا بوجع شخص واحد. الحزن في نصوصه ليس حزناً فردياً، بل حزن أرض كاملة أتعبها الفقد. هو جرح مفتوح يعيش كل يوم، لكنه يتحول في كلماته إلى ذاكرة تحفظ الألم، وتحاول أن تمنع النسيان مهما كان الثمن، ومع كل جملة يشعر القارئ بأن الكاتب نفسه يشاركنا هذا الألم، ويحوّله إلى قوة صامتة تدفعنا للتفكير في تاريخ مجتمع كامل وحقه في التذكر والاعتراف.
مراد سليمان هو صوت ابن شنكال الذي يرفض أن يختفي بصمت. صوته خرج من قلب الفقر والحزن ليقول إن الألم لا يجب أن ينسى. مع مرور الأيام، في كلماته حياة تحاول أن تستمر، وذاكرة متمسكة بما بقي منها رغم الخسارات الكثيرة. كتبه ليست للزينة، ولا بحثًا عن شهرة، بل محاولة صادقة لحفظ حكايات الناس البسطاء ووجوههم قبل أن يضيعوا في النسيان، وكل كلمة كتبها كانت انعكاسًا لتجربة مجتمع كامل عانى الصمت والخذلان، وكانت دعوته الاستماع بصدق إلى صوته وصوت الآخرين الذين عاشوا مثله بين الألم والصبر.
كل نص يكتبه يذكرنا بأن الألم ما زال موجودًا، وأن الجرح لم يشف بعد. هو لا يكتب لنفسه فقط، بل ليجعل القارئ يفكر بمسؤوليته الإنسانية. دعوته بسيطة وواضحة: أن نتوقف قليلاً، أن نستمع بصدق، وأن نسأل أنفسنا ماذا نفعل بكل هذا الحزن والفقر والوجع الذي ما زال ينتظر من يعترف به. وفي كل جملة يلمس القارئ شعور الكاتب بأنه جزء من مجتمع يعاني، وأن الكتابة وسيلة لرفع الصوت بهدوء، ولتأكيد أن هذه المعاناة لم تُنسَ ولم تُمحَ.
لقائي مع مراد لم يكن لقاءً عاديًا، لم يكن بدافع الفضول أو المجاملة، بل جاء من إحساس داخلي بأن هناك صوتًا مهمًا لم ينصف بعد. كان شعورًا بفراغ، وكأن الزمن مر من دون أن يتوقف عند تجربة تستحق الاهتمام. شعرت أن الحديث معه ليس مجرد تبادل كلمات، بل نافذة على تجربة عاشها شخص صادق مع ذاته ومع مجتمعه، تجربة مليئة بالصبر والمقاومة، والكلمات التي تحمل وجعًا جماعيًا بعمق.
ذلك اللقاء كان لقاءً مع ذاكرة متعبة وتجربة طويلة عاشت سنواتها في الصمت بعيدًا عن الأضواء، تجربة كان يمكن أن تكون في مكان متقدم، لكنها بقيت على الهامش، تكتب وتصبر وتؤجل ألمها. كان الحزن حاضرًا بهدوء، حزن شخص عاش كثيرًا وكتب كثيرًا، لكن لم يلتفت إليه إلا متأخرًا. ومع كل قصة، وكل ملاحظة، شعرت بأن الكاتب يكرس كتاباته لتوثيق حياة الناس اليومية وصمودهم في وجه صعوبات لم تلتفت إليها الأنظار.
الحزن كان ملازماً لهذه التجربة، حزناً هادئاً لكنه عميق، حزناً نابعاً من إحساس بأن الوقت مضى بسرعة، وأن كثيراً من الكلام تأخر أو ضاع أو نُسي. كانت السنوات تمضي بينما الكلمات غير المقولة تزداد ثقلاً في القلب، ومع ذلك كان هذا الحزن يشكل قوة خفية تدفعه للاستمرار في الكتابة، وتحصين ذاكرة شعب بأكمله من النسيان.
مراد لم يقدم نفسه يوماً ككاتب يبحث عن الشهرة، بل كإنسان عاش ما كتب عنه وترك نصوصه تتكلم عنه. لم يرفع صوته ولم يشتك، بل كتب وانتظر. المؤلم ليس فقط ما قاله في كتبه، بل ما لم يُسأل عنه طويلاً، وما لم ينتبه إليه أحد. كانت كتابته تتقدم بهدوء، بينما بقي الاهتمام النقدي متأخراً أو منشغلاً بأماكن أخرى، بعيداً عما يكتب في الهامش حيث يعيش الحزن بصبر طويل، ومع ذلك كان صوته مستمراً، يذكرنا بأن كل تجربة إنسانية لها قيمة، وأن الكلمات تستطيع أن تحفر طريقها في الذاكرة.
الكتابة عنده لم تكن ترفاً ولا هواية يمارسها في وقت الفراغ، بل كانت وسيلته ليستمر. كانت طريقته لتنظيم ما في داخله، ولتهدئة أفكاره المتعبة، ومحاولة صادقة لحفظ الذاكرة من الضياع. كان يكتب حتى لا يضيع هو، وحتى لا تضيع معه حكايات لم يجد أصحابها من يسمعهم، ومع كل صفحة كانت كلماته تخلق جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال لتروي قصصاً لم تُروَ سابقاً.
ورغم هذا الصدق، لم تحظ كتابته بالاهتمام الذي تستحقه، كأن الألم القادم من الأماكن البعيدة لا يُؤخذ على محمل الجد، وكأن وجع الناس في الأطراف لا يصل إلى أماكن الضوء. هذا الإهمال أضاف حزناً آخر إلى التجربة، حزناً صامتاً يمكن الشعور به في كل سطر، ومع ذلك بقي مراد مخلصاً لرسالته، ملتزماً بتوثيق الحقيقة، وبناء جسر من الكلمات يوصل صوت من عاشوا المعاناة بصمت.
هذا اللقاء هو محاولة هادئة للاستماع إلى تجربة ولدت في ظروف إنسانية وثقافية صعبة، تجربة بقيت مرتبطة بشنكال حتى عندما ابتعد عنها الجسد. فالمكان هنا ليس مجرد حدود على الخريطة، بل ذاكرة ترافق صاحبها أينما ذهب، وجرحاً مفتوحاً ظل حاضراً في كلماته، يكتب عنه بهدوء وبألم صادق، وكل حرف وكل جملة تعكس صموداً ومقاومة، وإيماناً بأن الكتابة ليست مجرد كلمات، بل فعل حياة وتوثيق لتاريخ شعب لم يُنسَ.
وأنا أكتب عن الكاتب مراد سليمان أشعر بثقل الكلمات، هو رجل حمل شنكال في داخله بكل ما فيها من ألم وفقر وأحلام مكسورة، وحولها بهدوء إلى كلمات صادقة بعيدة عن الضجيج. لم يكن مجرد كاتب، بل صوتاً متعباً يحاول أن يحفظ ذاكرة مجتمع كامل من النسيان، مجتمع أرهقته الخسارات وطال عليه الصمت، بينما غاب عنه الدعم والاهتمام، وكل كلمة كتبها كانت محاولة لتوثيق لحظة من تاريخ هذا المجتمع، لتسجيل ما عاشه الناس بصمت، ولجعل الأجيال القادمة تعرف حجم الصبر والقوة التي تحلوا بها في مواجهة قسوة الأيام.
ما يزيد هذا الحزن أن كتاباته نضجت في وقت لم يُلتفت إليه بجدية، كتب كثيراً وصبر طويلاً، ومرت السنوات من دون تقدير حقيقي أو قراءة منصفة. غياب اسمه عن الجوائز لم يكن دليلاً على ضعف كتابته، بل على خلل في نظرة ثقافية تهتم بما في المركز وتنسى الأصوات الصادقة في الأطراف. هنا يصبح الحزن شبيهاً بتعب طويل، تعب الانتظار والعمل بصمت، والشعور بأن الجهد الكبير لا يُقابل بما يستحق، ومع ذلك كان صوته مستمراً، يذكرنا بأن الصمت لا يعني النسيان، وأن الكلمات التي تحمل صدق التجربة تبقى حية رغم الإهمال والتجاهل.
ومع ذلك، لم يتوقف مراد عن الكتابة، واصل طريقه، وهو يعرف أن الاعتراف قد لا يأتي، لكنه لم يترك ذاكرته ولا ضميره. حافظ على كرامته، ولم يستغل ألمه، ولم يساوم على صوته، بل بقي وفياً للحقيقة كما عاشها. كل نص كتب يعكس التزامه الصادق بالإنسانية وبالذاكرة الجماعية لكل من عاشوا الألم والخسارة، وكان يؤمن بأن الكتابة فعل مقاومة وصوت لمن لا صوت له.
مراد لا يكتب ليصبح مشهوراً، بل ليترك أثراً حقيقياً. شنكال في نصوصه ليست مجرد اسم، بل ذاكرة حيّة مليئة بالحزن والفقر والصبر. شكّلت روحه وكلماته في البيوت الفقيرة، وفي الحقول المتعبة، وفي الحكايات القديمة وُلد هذا الوجع، ومن هناك خرجت كتابته حاملة جرح مجتمع كامل. ومن خلال كتاباته يربط الماضي بالحاضر، ويمنح القارئ فرصة لفهم حياة مجتمع عاش الكثير من المعاناة، ولم يتخلّ عن الأمل.
كل نص يكتبه هو صرخة هادئة وألم إنساني عميق، ومحاولة لإيقاظ الذاكرة، وطرح سؤال بسيط لكنه موجع: ماذا نفعل بكل هذا الألم؟ لم يكن همه الكتابة فقط، بل الإنسان نفسه، كان يؤمن أن الكتابة لا تكفي إن لم تلامس الناس وتمنحهم أملاً، حتى لو كان أملاً صغيراً. ومن خلال هذه الكلمات يشعر القارئ بوجود مسؤولية جماعية تجاه الآخرين، وأن الحكاية لا تنتهي بكلمات مجردة، بل تحتاج إلى صدى في حياة الناس.
من هنا جاء اهتمام مراد ببناء الإنسان والمجتمع، رغم الفقر وقلة الإمكانات وكثرة الخيبات. مشروعه الثقافي (القلم الذهبي) الذي أطلقه مع منظمة يزدا، لم يكن عملاً مؤقتاً، بل محاولة حقيقية لدعم الطلاب وتشجيعهم، في وقت كان اليأس فيه أقرب من الأحلام. وعندما توقف المشروع، لم يتوقف هو، بل واصل التفكير بمشروع جديد يؤمن بأنه سيكون أكثر فائدة وأعمق أثراً. كل مشروع يقوم به يعكس إيمانه بأن الثقافة والتعليم أدوات لتغيير المجتمع وبناء أمل جديد لكل من فقده.
في كتاباته، سواء في (رجل من الشمال) أو (صديقي القديم) لم يكتب عن أبطال خارقين، بل عن الإنسان البسيط المتعب الذي يشبهنا جميعاً. كثير من القرّاء وجدوا أنفسهم في هذه الصفحات، ووجدوا فيها أحلامهم الصغيرة وخساراتهم اليومية، وشعروا بأن هذه الكلمات تشبه وجعهم وتخفف عنه. حتى على الإنترنت، لاقت كتاباته اهتماماً وقراءات نقدية جيدة، رغم أن اسمه بقي بعيداً عن الأضواء، وهذا الاهتمام الرقمي يبرهن على أن الكلمة الصادقة تجد من يسمعها مهما طال الزمن.
ورغم الحزن المتراكم والخذلان المستمر، بقي مراد مثالاً للمثقف الصادق الذي يحمل همّ مجتمعه وذاكرته معه دائماً. بعض كتبه التي صدرت في ألمانيا لم تصل بعد إلى العراق، وكأن البعد زاد الجرح عمقاً، لكن القرّاء ما زالوا ينتظرون، ينتظرون كتابه القادم (المجتمعات الإيزيدية) وهذا الانتظار وحده يمنحه دافعاً للاستمرار. يواصل الكتابة ليس لأن الطريق سهل، بل لأن ذاكرة شعبه تستحق، ولأن الخسارة مهما كانت كبيرة لا تعني التوقف عن الحلم، ومع كل صفحة يكتبها يشعر أن صوته وذاكرة مجتمعه لن تضيع مهما طالت السنوات.
بعيداً عن الضغوط، يعيش مراد مع الكتابة كأنها جزء من روحه. أحياناً يظن بعض الناس أن أسلوبه صعب، لكنه في الحقيقة بسيط في كلماته وعميق في معناه، ويحتاج فقط إلى قارئ يتأمل ولا يمر بسرعة، ويمتلك الصبر ليكتشف طبقات النصوص ويشعر بالمعنى الكامن وراء كل جملة، فكل كلمة فيها تحمل صدى تجربة طويلة ووجع مجتمع كامل ورسالة إنسانية لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن.
من يراه غامضاً ينظر إلى السطح فقط، بينما النصوص سلسة وتحمل معاني كبيرة في بساطتها، وتدعو القارئ ليكون شريكاً في التجربة. وكل نص يفتح نافذة على حياة الناس العاديين وما عاشوه من صعوبات وأحلام محطمة وأمل صغير، لكنه متين، يجعل القارئ يشعر بأنه جزء من هذه التجربة ويعيش معها بصدق، كأن الكلمات نفسها تهمس له بما لم يقله أحد من قبل.
القراءة والكتابة عنده ليست هواية، بل حاجة يومية مثل التنفس. لا يبتعد عنها حتى في أصعب الظروف، حتى في فترات المرض والعمليات الجراحية، حين كان جسده متعباً ولا يستطيع الكتابة، بقيت الكلمات حاضرة في داخله. كان يعرف أن هذا الابتعاد مؤقت، وأنه سيعود إلى الكتابة مهما طال التعب، وفي كل مرة يعود فيها يجلس أمام الورق يشعر بأن الكتابة هي ملاذه، وأنها الطريقة الوحيدة لترتيب فوضى الأفكار والتعبير عن وجع لا يقدر أحد على سماعه.
مراد يؤمن أن الإنسان يتأثر ببيئته، وأن ما حدث في شنكال لم يكن حادثة عابرة، بل صدمة كبيرة كسرت أحلاماً وخلّفت جروحاً عميقة. هذه الفاجعة كانت نقطة تحوّل في حياته، وكان يمكن أن تغرقه في حزن لا نهاية له، لكنه اختار طريقاً أصعب، أن لا يستسلم وأن يحاول بناء شيء جديد من وسط الخراب. من هنا جاءت كتابات مثل (صديقي القديم) حيث حوّل ألم الغربة وألمه الشخصي إلى كلمات دافئة مليئة بالأمل والصداقة، تبحث عن نور صغير في هذا الظلام الكبير، وكل كلمة كتبها كانت بمثابة محاولة لإشعال شعلة صغيرة من الأمل لكل من شعر باليأس والحزن في حياته.
هو يؤمن أن التغيير ضرورة وليس ترفاً، وأن الجمود يقتل الفكر ويطفئ الإبداع، لذلك بقي يراجع أفكاره ويطوّر نظرته للحياة، محاولاً أن يفهم الإنسان والزمن من حوله حتى وهو محاط بالحزن والفقدان. مراد لا يفصل بين الحياة والكتابة، لأن الكتابة عنده هي الحياة نفسها. أعطى وقته كله للقراءة والكتابة، ولم يعتبر المرض أو الغربة سبباً للتوقف. في ألمانيا، ورغم تعبه الصحي، حوّل هذه الظروف الصعبة إلى فرصة ليتعلم أكثر ويكتب أكثر. في عزلته الهادئة، بعيداً عن الضجيج، وجد قوة تجعله يستمر ويقاوم النسيان بالكلمة، رغم ما في داخله من تعب وحزن، وكان يرى أن كل يوم يمضي هو فرصة جديدة لإعادة ترتيب الأفكار وتسجيل تجارب لا يجب أن تموت.
العزلة عند مراد ليست ابتعاداً عن الناس، بل فرصة لمن يعرف كيف يستفيد منها. قد تكون سبباً للإبداع، وقد تكون عبئاً على من لا يفهمها، لذلك حوّل غربته إلى دافع قوي لمشروعه الأدبي، وواصل الكتابة رغم الحزن والفقر والخسارة، ليبقى صوته حاضراً ويحفظ ذاكرة شنكال، ويصنع أملاً صغيراً وسط الظلام. فالعزلة بالنسبة له لم تكن فراغاً، بل مساحة للتأمل ولخلق نصوص تنبض بالحياة، وتعكس تجارب مجتمع بأكمله.
مراد سليمان لا يبحث عن شهرة أو أضواء، بل يهتم بجوهر الكتابة نفسها، وبالحقيقة التي تحملها الكلمات. وهو يؤمن أن الأدب يجب أن يُعترف به ويُحترم، بغض النظر عن حياة الكاتب وظروفه، لأن النص الأدبي يجب أن يُقرأ لذاته. في كتابه (المجتمع الإيزيدي) تحدث عن جرح عميق في المجتمع الإيزيدي، موضحاً أنه ليس مجتمعاً واحداً متشابهاً، بل مجموعات مختلفة في اللغة والهوية. فالكاتب الشنكالي يكتب بالعربية، لكنه يتحدث الكرمانجية، ويستخدم لهجات متعددة، وهذا يعكس صعوبات حقيقية تحتاج إلى فهم ودراسة، وكل نص يقدمه محاولة لتوثيق هذه التنوعات وإظهار قيمة الهوية الثقافية لكل مجموعة ضمن نسيج المجتمع الكبير.
ينتقد مراد الواقع الأدبي الحالي بشجاعة، ويتحدث بحزن عن بعض الأعمال التي توقفت عند الألم الشخصي ولم تتحول إلى مشروع مستمر، كما يأسف لغياب الدراسات الاجتماعية الجادة وقلة الأعمال القوية في المقالة والقصة القصيرة. ومع ذلك، لا ينكر وجود أصوات شعرية جيدة، ويعلّق أمله على جيل جديد من الكتّاب الشباب القادرين على إعادة الروح للأدب ومواكبة حجم التجربة والألم الذي عاشه المجتمع. يرى أن الأدب ليس رفاهية، بل مسؤولية تجاه الواقع والناس، وأن الكاتب يجب أن يكون صادقاً في عرضه للتجربة مهما كانت صعبة، وأن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم في هذا المجتمع المليء بالتحديات.
الكثير من أعماله لم تُنشر بعد، فهناك أكثر من عشرة كتب ومخطوطات تنتظر الوقت المناسب. أهم مشاريعه الحالية يركز على المجتمع الإيزيدي الشنكالي، حيث يسعى إلى قراءة الواقع بطريقة حديثة، لا بالكلام النظري فقط، بل من خلال لقاءات ومحاضرات مباشرة داخل سنجار، بهدف نشر الوعي وإحداث تغيير حقيقي يلامس حياة الناس. كما يسعى من خلال هذه اللقاءات إلى فهم أحلام الناس وآمالهم ومخاوفهم، ومحاولة ترجمتها إلى نصوص تعكس حياتهم اليومية وتجاربهم الصعبة.
في كتاباته يظهر تمرده بوضوح، فهو لا يقبل الأفكار الجاهزة، ولا يجامل السلطة السياسية أو الاجتماعية. يرى أن كل قوة يجب أن تُواجَه بالفكر والكلمة، ونظرته إلى الفقير مؤلمة وصارمة في الوقت نفسه، فهو لا يراه ضحية فقط، بل يرى أن الصمت والاكتفاء بالمشاهدة يساهمان في استمرار الضعف. هذا الصراع لا يكتبه من بعيد، بل يعيشه يومياً وسط واقع قاسٍ يحيط فيه الفقر والحزن بالناس، ويحوّله إلى كلمات توثق الألم بصدق. ومع كل نص يظهر التزامه بمواجهة الظلم ورفض الاستسلام للواقع المؤلم، وإيمانه بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تصنع فرقاً مهما بدا الطريق صعباً.
مراد لا يرى إنجازه الأدبي هدفاً بحد ذاته، بل يعتبر كل نص وكل كتاب خطوة لبناء مشروع أكبر، مشروع يحلم من خلاله بمجتمع أقوى وأفضل، مجتمع ينهض بالشباب ويشجعهم على حب المعرفة والقراءة والكتابة والتغيير. يتمنى أن يرى الجيل الجديد يبني على ما كتبه، وأن تصبح الكلمة قوة حقيقية تساعد على تغيير المجتمع نحو الأفضل. بالنسبة له، الأدب ليس مجرد كلمات على الورق، بل وسيلة للتغيير وباباً لمستقبل أفضل، حتى في ظل الحزن والفقر اللذين يعيشهما المجتمع يومياً، وهو يرى أن النصوص التي توثق الواقع وتقدم أملاً للناس هي أهم من أي تكريم أو جائزة يمكن أن يحصل عليها.
بعد أن تعمقنا في تجربة مراد سليمان، وقرأنا نصوصه المليئة بالألم والحنين، شعرت أن من الضروري أن نسمع صوته مباشرة، وأن نرى الإنسان الذي يقف خلف هذه الكلمات. لذلك، أرسلت له مجموعة من الأسئلة عبر الإنترنت، حاولت من خلالها أن أقترب من تجربته، ومن أفكاره، ومن نظرته للعالم، ومن ذكرياته عن شنكال ومجتمعه. كل سؤال كان محاولة لفهم ما وراء النصوص، وما دفعه لكتابة كل كلمة، وما تمثله هذه الكلمات من وجع وصبر ومقاومة.
وقد أجاب مراد عن هذه الأسئلة كلها بصراحة وهدوء، كأنه يفتح لنا نافذة صغيرة على حياته وأفكاره. من خلال إجاباته، لمسنا سنوات طويلة من الصبر والعمل في صمت، والإصرار على الكتابة رغم قلة الدعم، ورغم الألم المستمر الذي يشعر به وهو يرى مجتمعه يعاني من الغربة والنسيان والفقر الثقافي. وكان من خلال إجاباته أن نلمس عمق ارتباطه بالمجتمع، وشغفه بحفظ ذاكرة شعبه، وتحويل معاناتهم إلى نصوص تعيش وتجسد الحقيقة.
هذا الحوار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل فرصة حقيقية للتعرف على تجربة إنسانية حيّة، تجربة نرى فيها كيف يحول الكاتب الألم إلى كلمات، والخسارة إلى مشروع، وكيف يواصل الإبداع رغم الحزن وصمت الكثيرين. وبين كلمات الكاتب مراد سليمان، نكتشف تجربة تشبه شنكال نفسها، مليئة بالألم، وبالصبر، وبالإصرار على البقاء وتوثيق الذاكرة مهما كانت الظروف، كما نرى فيها معنى الالتزام الأدبي والإنساني معاً، ورغبة صادقة في أن تظل كلمة الحق والوجع مسموعة ومؤثرة رغم كل التحديات.
1ـ اين ولدت وما طبيعة البيئة التي نشأت فيها؟
مُثبَتٌ في هويّة الأحوال المدنية أنني من مواليد حوض جبل سنجار/ قرية الأسكينية العليا عام (1964)، من دون معرفة اليوم والشهر. وقد دوّن السيد كاتب النفوس المحترم تاريخ الولادة في السجل على أنه الأول من تموز يومًا وشهرًا، وهي عادة كانت متّبعة لدى موظفي النفوس في ذلك الوقت، إذ كانت تواريخ الولادة تُسجَّل تقديريًا لعدم ثبوتها رسميًا، فمعظم الولادات لم تكن تتم في المستشفيات كما هو الحال اليوم، وكذلك أولي الأمر لم يكونوا مهتمين بتواريخ الولادة. بقدر اهتمامهم ببقاء أولادهم أحياء. وأن يبعدوهم قدر الإمكان وبأية طريقة من الخدمة الإلزامية للعسكرية.
أما طبيعة البيئة التي عشت فيها فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها الإسكينية العليا، وسنجار، وسيباى. وهنا أحب أن أدون ما ذكرته في روايتي (سينو) عن فجر الإسكينية وأتذكر هذه التفاصيل التي كانت في أيام طفولتي:
” الفجر، في قرية الإسكينية لا يختلف عن غيرها من قرى حوض جبل شنكال، إلا أن الجبل خلفها في جهة الشمال، وكذلك التلال التي تزين جهتيها الشرقية والغربية؛ تبدو كطوق أسطوري يرمي بظله عليها في بداية الفجر، ولو نظرنا إليها من بعيد سنرى وكأن هذا الطوق الشبه دائري يخبئ القرية عن عيون فجرها الجديد في كلّ يوم، ولكن كلمّا تقدّم الوقت، واتسعت بسمة السماء بانت الأشياء على حقيقتها، واتضحت صورتها واكتسبت حجمها الطبيعي.
القرية تبدو وكأنها محبوسة في خاتم مسحور، بيوتها مطلية بطين أبيض فسفوري، وحجارتها بيضاء لمّاعة. وينابيعها وجداولها صافية عذبة رقراقه كمرآة فضية بيد احدى جنيات الجبل الأزرق العملاق الذي يبتسم لها من الصباح إلى المساء.
أغلب أهل قرية الإسكينية العليا يستمتعون بفجرهم، ويعيشونه يوميا: رجال الدين، وهم يرّتلون أدعيتهم في الباحات الأمامية، أو داخل بيوتهم الطينية، متأملين تحقيق أحلامهم البسيطة. والرعاة وهم يقودون قطعان مواشيهم إلى المراعي. الحطّابون الشباب الذين يتسلقون الجبل؛ وبعد رجوعهم ساعة الظهيرة، يبيعون حطبهم مباشرة، أو يجمعونه لمدة أسبوع، ثم يعملون منه فحما، ويأخذونه إلى أقرب بلدة لبيعه بأثمان يشترون بها على الأغلب بعض الشاي والسكر، وأوراق لفّ السجائر.
كذلك هناك أصحاب بساتين التين الديمية الواقعة خلف الجبل، وهؤلاء كوّنوا صداقة دائمة مع الفجر في مواسم جني التين. وأيضا المسافرون إلى القرى المجاورة أو المدن البعيدة؛ لقضاء أعمالهم وحوائجهم، كزيارة بعض الأقارب، أو رؤية الطبيب، وفي أندر الأحوال؛ لشراء بعض الحاجيات المنزلية المهمّة. ومَن يستقبل الفجر بفرح غامر هم صيادو الحجول في مواسم صيدها، وحجول هذا الجبل فريدة من نوعها؛ لها مناقير وأرجل حمراء.
كلّ شخص من الإسكينية إن كان لديه عمل يقوم به؛ ينهض من فراشه فجرا، وربما قبل الفجر بقليل خاصة في أوقات زرع الحبوب، أو حين حصادها. وحتى ذلك الذي ليس لديه ما يفعله في دنياه؛ يخرج ويجلس لصق حائط ما، ينتظر معجزة شروق الشمس. يحيل طعم فمه إلى علقم بتدخين لفائف التبغ الطبيعي المتوفر دائما، والذي يزرع في أعلى الجبل حيث تتوفر التربة الحمراء الغنية بالمعادن، ويسقى بالماء البارد العذب القادم من أعماق الجبل. وهذا التتن مشهور على مستوى المحافظة كلها بسبب النكهة التي تميزه، وربما عبرت شهرته إلى محافظات أخرى بعيدة؛ لجودته.
وفي هذه القرية، وكما هو الحال في جميع القرى، لا يمكن استثناء الأطفال من نفير الفجر، فهم عادة يسبقون الكبار في مغادرة مناماتهم، بل الخروج من البيت على عكس أطفال العالم. عموما على الأيزيدي أن يستقبل الشمس ويحيّ شروقها، ولا ضير من أن ينهض من نومه مبكرا.
في فجر القرية أيضا ترى أعمدة دخان التنانير وهي تتصاعد وتتلوى لتعانق السماء. تنانير طينية سومرية قديمة متناثرة في أرجاء القرية. تخرج النساء من البيوت بعجالة لتخبزن فيها، والتنانير تبنى خارج المنازل عادة، في بداية الأزقة وفي الفسحات القريبة. ويمكن شمّ رائحة الخبز المشوي الطازج حتى لو كنت في أبعد بيت من القرية، وما أن تعود المرأة من التنور وهي تحمل خبزها الحار؛ تقدمه للرجال الجالسين لصق البيوت، في فصل الصيف الحلو. يتناولون ما يصيبهم من خبز الحنطة الأبيض المحمّص مع جرعات من ماء الساقية الجارية وسط القرية، والتي تشطرها إلى نصفين، شرقا وغربا، فلا ألذ من خبز تنور طازج، وماء بارد تبدأ به نهارك.
2ـ ما الذكريات أو الأحداث المبكرة التي كان لها الأثر الأكبر في تشكيل وعيك؟
القراءة الخلدونية، ومعلمي الأستاذ خليل سمو مراد الذي لا أزال أتواصل معه، واذكره في كتاباتي، وكذلك ينابيع المياه في الإسكينية العليا وسنجار، وغدران ماء المطر في مواسم الربيع في سيباى، وجدول الماء في الأسكينية العليا، والطاحونة المائية والطحان العم علي حربا وتأليفي ما يشبه ببيتين من الشعر باللغة الكرمانجية وأنا معه داخل الطاحونة ولا أزال في الخامسة من عمري، وبساتين سنجار وغاراتنا على بساتين التين والرمان في سنجار والمنارة في سنجار فقد كانت محطة مهمة في سحر الطفولة، وربما أكثر شيء كان التلفزيون في ذلك الوقت، الأبيض والأسود فقد كان له الفضل الكبير في تكوين ألوان الدهشة وطريق الدخول إلى السينما بعد ذلك ومشاهدة أبطالي المفضلين في الموصل.
الخلاصة كل شيء كان جميلا في الإسكينية الطبيعة والناس كذلك، وقد ذكرت معظم ذلك في جواب السؤال الأول، ونفس الشيء بالنسبة لسنجار بعد أن انتقلنا إليها وكنت حينذاك في الصف الثالث الابتدائي، وأيضا لا يمكن حذف سيباى من القائمة.
الذكريات التي تعاودني بين الحين والآخر عش السنونو في غرفتنا الصيفية في بيتنا في الإسكينية، وأصدقاء الطفولة الذين سقطوا في حروب الوطن العبثية ومعلمي في الصف الرابع الابتدائي الذي أهتم بي كثيرا وإليه يعود الفضل في إجادتي القراءة السليمة والكتابة، فقد كان يدرسنا اللغة العربية وهو الأستاذ عيسى حليمة وأيضا أتواصل معه بعض الأحيان.
وتأتي في مقدمة الأشياء لعبي مع أصدقائي الصغار سواء في الإسكينية أو سيباى أو سنجار. البعض منهم أتواصل معهم للآن، وأعاملهم ويعاملونني وكأننا لم نكبر يوما.
وصول الغجر في مواسم الجني وكانوا يقيمون في خيام ملونة في بيادر القرية. وذهابي إلى غابات أشجار التين في الخريف بصحبة ابن عمي. لا يمكن الإحاطة بكل تلك الذكريات والصور الزاهية وأصدقاء يشبهون الملائكة في صفحة أو كتاب لذلك تراني أتناول كل هذا بشيء من التفصيل في حكايات تسمى (حكايات من شنكال) أذكر فيها ما أحبه، وأتذكره عن المكان والزمان الجميلين والأشخاص الرائعون في حياتي.
3ـ متى بدأت علاقتك بالكتابة ومن كان له الدور الأكبر في دفعك نحوها؟
بدأ ذلك في المرحلة الرابعة من الكلية، بدأت اكتب بعض الومضات دون أن يكون هناك سبيلا لنشرها، والدور الأكبر في تحفيزي نحو الكتابة كانت قراءتي الخارجية المستمرة والكثيرة، وبالتالي حصل عندي نوع من التشبع في المجال الأدبي خصوصا ورأيت بأنني قادر أن أدون بعض أفكاري وكانت على شكل قصص قصيرة وومضات في البداية لا غير.
كنت أكتب ذلك على محاضراتي، وعلى صفحات كتبي وأوراق دراستي، وكنت أحتفظ بها إلى حين هجوم (داعش) علينا وتلف كل ذلك، وبعثرت تلك المحاضرات والأوراق، يا لها من خسارة.
4ـ ما أول نص كتبته وكيف تنظر اليه اليوم؟
أتذكر أول شيء ذي قيمة أدبية كتبته كانت قصة قصيرة بعنوان (العلاج) وبدأت بمعالجة القصة مرات عديدة، وهي ضمن كتابي الأول المجموعة القصصية: (رجل من الشمال). واليوم أنظر بفخر إلى تلك القصة فقد كانت ناجحة وسليمة من جميع الوجوه، إلا أنني لا أنكر بأنني كنت استمر في تنقيحها إلى حين طبعها.
5ـ هل جاءت الكتابة لديك كرد فعل على تجربة شخصية أم استجابة لواقع عام؟
الكتابة لا بد منها في حالة تشبع المرء بقراءة مجال معين من الأدب، وهذا ما حصل معي في فن القصة القصيرة، في البداية. أولئك الذين يتأخرون في الكتابة يكون السبب وجود خلل في طريقة ونوع قراءاتهم.
6ـ ما القضايا الفكرية أو الاجتماعية التي تشكل جوهر مشروعك الكتابي؟
الإنسان كحاوي للسؤال، والمجتمع كضامن للإنسان. مشروعي الفكري والأدبي جاهز للنشر، ففي جعبتي روايتين ومجموعتين قصص قصيرة وخمس دواوين شعرية ومجموعة حكايات أدبية، ومجموعة كتب أخرى فكرية وفنية، وأنا أنتظر الفرصة المناسبة ودار نشر مناسبة لنشرها. القضايا التي تناولتها في كتب تهم بالدرجة الأساس المجتمع الإيزيدي الشنكالي، وأهم تلك الدراسات الآن في دار سومر للنشر في بغداد لغرض نشره، وهو كتاب اجتماعي يتناول قضايا المجتمعات الإيزيدية بصورة والمجتمع الإيزيدي الشنكالي بصورة خاصة قام بتقديم الكتاب الأستاذ الدكتور خليل جندي وبانتظار أن ينشر في بداية العام الجديد. أما القضايا الاجتماعية فتتضمن آثار الفرمان الرابع والسبعين علينا وكذلك حكايات عن النوستاليجا للأزمان التي نحن إليها والناس الذين نرغب في لقاءهم من جديد. وهناك دواوين شعر تتسم بالجدية وعن مواضيع جمالية ومكانية مهمة. وأنشر الآن يوميا على صفحتي في الفيسبوك قصيدة عن الفرمان من ديون (قرابين القرى) الذي يتضمن 365 قصيدة كتبتها في السنة الأولى من الفرمان وانتظرت أن أنشرها ولكن دون جدوى وحتى عندما أنشر كل يوم قصيدة منها لا أتلقى التشجيع الكافي من إعجاب أو تعليق، وكـأن الناس قد نسوا ما جرى لهم وهذا أمر يدعو للتأمل.
7ـ كيف تعرّف نفسك ككاتب وهل تميل الى قبول أم رفض التصنيفات؟
مكتوب في هويتي الصادرة من أتحاد الأدباء العراقي (شاعر)، في المدرسة الأبتدائية أعتدنا أن ننادي بعضنا بالاسم المجرد زائدا أسم الأب فأنا كانوا ينادونني مراد سليمان وبعد أن نشرت كتاباتي رأيت أن أضيف اسم الجد أيضا إلى أسمي وهكذا بت أعرف ب مراد سليمان علو. لا أحب الأصنام الثقافية ولا أحب أن يجعل أحدهم مني صنما ثقافيا وإن كان لا بد من لقب ما فأنا أفضل الأستاذ. أرى إن التسميات والألقاب الأدبية والفكرية لا تغني عن تقديم المرء محتوى يليق بتلك التسميات التي لها أصولها، وصفاتها، وعليها واجبات اتجاه الناس والمجتمع.
8ـ ما السمات الأسلوبية التي تميز لغتك وطريقتك في الكتابة؟
حسب الثيمة التي أكتبها، وكذلك حسب نوع الكتابة التي أتناولها، أحب أن أنوّع في كتاباتي، وأغلبها تكون محشوة بالسريالية الخفيفة، وخاصة قصيدة النثر والحكايات. ولكن عندما أكتب عن المجتمع أتبع المنهج التاريخي، وأنهل من الواقع وأسرد الأمثلة، وعندما كتبت كتابي: (وجها لوجه مع داعش) الصادر عن دار لينا سنجار. استخدمت الأسلوب المباشر التقريري المشبع بأسلوب أدبي فخرج الكتاب متميزا.
9ـ هل تميل الى الكتابة التحليلية أم التعبيرية ولماذا؟
أيضا أعتمد في ذلك على الموضوع المطروح: فلو كتبت عن المجتمع أتناول الطريقة التحليلية ويهمني أن يفهم القارئ ما أريد أن أبينه عن طريق تفكيك الموضوع وتفسيره عن طريق تقديم الأمثلة، ولكن لو تكلمت عن الفرمان أو حالة مرتبطة بالفرمان فأريد أن أبين مشاعري فتكون التعبيرية طاغية على النص حتى لو كان شعرا. وهنا يبان أسلوبي المتفرد في الكتابة شعرا كان أم نثرا.
10ـ كيف ينعكس انتماؤك الثقافي أو الديني في نصوصك؟
أنا مثقف موصليا، فقد نشأت في مدارس وأسواق وحارات وجامعة الموصل. ولكنني لا أتبع مدرسة ثقافية بعينها بإستثناء الواقعية والسريالية. أما الدين فأرغب في توظيف أساطيره في الأدب الذي أدونه، وأراه جميلا ولا يختلف عن الأساطير العالمية الأخرى، ولكن علينا تناوله في المكان المناسب. أما تناول الدين والتعليمات والأوامر الدينية (أفعل هذا ولا تفعل ذاك) فأنا بعيد عنها في كتاباتي فلست رجل دين، وكذلك لا أتعاطى السياسة.
11 ـ ما موقفك من الذاكرة والتاريخ والألم الجمعي؟
الذاكرة بالنسبة لكتاباتي تعني أن أمنح النصّ جذورا لتتمكن من البقاء في دنيا الريح والعواصف، لذلك أعتقد بأن كتاباتي ستلقى صدى أوسع بعد رحيلي مثلا. وتأسيسا على ذلك علينا الاعتناء بالذاكرة فهو الصندوق الأخضر الذي نحتفظ فيه بأجمل الأشياء.
أما التاريخ فهي محاولة عبثية لخلق المعنى فوق الفوضى. والتاريخ الحقيقي لا يكتبه إلا الذين عاشوا الألم، فأنا مثلا أعرف ما جرى في الجبل في الأسبوع الأول من الفرمان لأنني كنت هناك، ويمكن الاطلاع على تلك التجربة بقراءة كتاب (وجها لوجه مع داعش) بصورة عامة المفكر الحقيقي هو الذي يحاول أن يضيء ما أخفته السرديات الكبرى عبر التاريخ. ويخالف المجتمع كي يجعل عجلة التقدم فيه تدور.
الألم الجمعي يمكن أن يتحول إلى لعنة إذا تُرك بلا معنى، ويمكن أن يتحول إلى قوة إذا وجد من يحوله إلى سرد، أو إلى شعر، إلى شهادة. وهذا ما حدث مع الأسطورة خيري الشيخ خدر كما يحدث مع تشي فارا مثلا أو غيرهم من الأبطال، وفي حالتنا أرى العديد من الشباب انبروا وكتبوا روايات جادة عن الفرمان الذي هو أكبر ألم جمعي سيبقى معنا يمشي ويأكل ويشرب وينام. وكذلك كتبوا الشعر. وجزء كبير من مشروعي الإبداعي هو محاولة تحويل الألم إلى معرفة، وتحويل الفقد إلى لغة.
يجب أن ندرك بأن الألم لن يختفي ويصبح جزءا من التاريخ الذي ينتقل إلى الذاكرة، أذن الأمر يشبه الدائرة التي بدايتها هي النهاية ونهايتها تكون البداية.
12ـ كيف تتعامل مع القضايا الحساسة في مجتمعك؟
عليتا أولا أن نعرّف القضايا الحساسة، ما هي؟ وعلي أن اطرح العديد من الأسئلة قبل البدء بالكتابة عن موضوع يدرج ضمن القضايا الحساسة. من الخائف ومن المتألم. ومن المستفيد؟ وبما إنها قضية حساسة فالمشاعر الإنسانية فيها تطغي على الأحداث وعليه أن أكون على مسافة متوازنة من الموضوع.
وأنا عندي دائما الإنسان أولا، الإنسان قبل الأرض وقبل الوطن وهذا أساسي في طروحاتي، ولذلك وكما ذكرت لك سابقا أحاول أن أبتعد عن القضايا الدينية والقضايا السياسية لا لعدم قدرتي الكتابة فيها ولكن لأدراجهما في معتقدي ضمن القضايا الحساسة، أما الأشياء الأخرى التي يهم الإنسان فهي في مرمى البحث دائما.
13ـ ما اهم كتبك أو مقالاتك ولماذا تعدها محطات مفصلية في مسيرتك؟
أنا أمتلك صفحة خاصة في مؤسسة الحوار المتمدن وهو منبر يساري متقدم في العالم العربي يتناول قضايا الإنسان والأوطان والفكر بصورة عامة، وأعتبر كل ما نشر وتوافق لجنة النشر على نشره في الموقع مهم بالنسبة لي سواء كان مقالة أو قصيدة أما الكتب التي أخرجتها فهي:
1ـ رجل من الشمال ـ مجموعة قصص قصيرة. طبع في مطبعة الثقافة ـ 2013.
2ـ صديقي القديم ـ قصائد نثر. طبع في مطبعة زوم ـ 2016. ترجمها للكردية جعفر جوقي.
3ـ حياة من طين ـ قصائد نثرـ طبع في مطبعة بيرة ميرد ـ 2016.
4ـ سينو ـ روايةـ دار الدراويش للنشر والترجمة. 2019.
5ـ أمل على الطريق ـ رسائل ونصوص وجدانية ـ دار لينا للنشر والتوزيع. 2020.
6ـ الهائم ـ 74 حكاية ـ دار جان للنشر. 2022. ألمانيا.
7ـ آل حربا ـ حكاية عائلة. انتر اسيست للطباعة والنشر. 2024 ألمانيا.
8ـ وجها لوجه مع داعش. مذكرات. دار لينا للنشر، 2025سنجار
9ـ بتلات الورد. قصائد نثر، وشذرات. مركز سنجار الثقافي. 2025. سنجار
وأيضا لدي كتب ودواوين شعرية مشتركة عديدة، وكذلك لدي كتب بانتظار الفرصة الملائمة والعثور على جهة تتبني صدورها، فهي أكثر من التي طبعت ونشرت.
14ـ أي عمل تشعر انه الأقرب الى صوتك الحقيقي؟
أنا أكتب في مواضيع متنوعة، وبالتالي كل كتاب أنجزه أعتبره قريب مني جدا، وهو صوتي الحقيقي. والذي لم تكتمل صرخته وآهته بعد. كان مشروعي الفكري والثقافي: (القلم الذهبي) مع منظمة يزدا مهما جدا للطلبة ولكن للأسف لم يستمر. عندي مشروع مماثل بل أكبر وأكثر نفعا، أعمل عليه الآن.
15ـ كيف كان تفاعل القراء مع كتاباتك؟
كان التفاعل مع المجموعة القصصية الأولى (رجل من الشمال) مدهش وكبير جدا لم أتوقعه، وكذلك اهتمام طلبة الجامعة بكتاب (صديقي القديم) في وقته كان استثنائيا جدا لدرجة إن البعض اتصلوا بي قائلين بأنهم عثروا على ذواتهم من خلال قراءة الكتاب. كتاب (الهائم) حاز على اهتمام القراء في الحوار المتمدن بعد أن كتب الباحث صباح كنجي قراءة عن الكتاب، بعض الكتب صدرت في ألمانيا ولم توزع في العراق للأسف. أعتقد عند صدور كتاب (المجتمعات الأيزيدية) سيلاقي قبولا وتفاعلا كبيرا، وهو من تقديم الدكتور خليل جندي. بانتظار ذلك. على العموم عندما أكتب شيئا، وأرى اهتماما كبيرا هذا يدفعني إلى بذل المزيد الجهد لأواصل ما أنا بصدده.
16ـ هل واجهت انتقادات أو ضغوطا بسبب أفكارك؟
ليس بالمعنى الشائع للانتقاد والضغوط، ولكن أحيانا بعض القراء يقولون كتاباتك عصية عن الفهم، وفي الحقيقة مستوى معرفتهم اللغوي متدني، فأنا أسلوبي سهل وممتنع، وليس معقد وجاف.
17ـ هل مررت بمراحل انقطاع أو شك في مسيرتك الأدبية؟
فقط في حالات دخولي إلى المستشفى، وإجراء عملية جراحية، وبعدها فترة نقاهة. أما غير ذلك فلم أتخلف يوما واحدا عن القراءة والكتابة.
18ـ كيف أثرت الأحداث السياسية والاجتماعية في تجربتك؟
الإنسان كائن اجتماعي وبالتاي الأحداث الجارية في مجتمعه تؤثر فيه سلبا أو إيجابا. أكثر حدث زلزل كياني هو الفرمان الأخير، فلقد حرك كل شيء من مكانه.
مذكور في كتابي: (وجها لوجه مع داعش) في الفصل الخاص ب بعد سنة من الفرمان:
“… بعد هذا (الفرمان) وشبه استقراري في محافظة دهوك كان لزاما عليّ أن أختار بين:
1ـ الالتفات للوراء، والاكتفاء بتأمل حلم تبدد.
2ـ النظر للأمام، وصنع أحلام جديدة تكون بجمال شنكال وبساتينها وجبلها ومائها وقراها.
ودون تردد اعتمدت الخيار الثاني!
وبدأت بكتابة كتاب: (صديقي القديم). وهو عبارة عن مائة نص قصير، تحت عنوان (صديقي القديم) وكل نص قائم بذاته، وتتحدث عن: الالتفات إلى الذات، والأمل، والصداقة، وهي كذلك مناجاة، وخطابات بسيطة إلى الملاك الكبير طاووس ملك، وكان تأثير النزوح من كوخي، وقريتي إلى كردستان واضحا فيه.
19ـ هل تغير خطابك مع الزمن وما أسباب ذلك؟
أكيد لا بد من التغير، وبهذا الصدد يقول الفيلسوف الألماني العظيم فردريك نيتشه:
” الحيّة التي لا تغير جلدها تهلك، كذلك البشر الذين لا يغيرون أفكارهم يهلكون”.
20ـ كيف توازن بين حياتك الشخصية والكتابة؟
لا توجد موازنة، فكل وقتي للقراءة والكتابة. بعد أن استقريت في ألمانيا أصبت بمشاكل في القلب مما أدى ذلك إلى إعفائي من واجب العمل، وسنحت لي الفرصة في الانغماس في القراءة والكتابة. خاصة وأنا أسكن في قرية ألمانية بعيدة عن تجمعات أهلنا.
21ـ ماذا تمثل لك العزلة؟
العزلة هبة لمن يقدرها ويستطيع أن يستفيد من أمواجها المتلاطمة، ولا يستسلم للحنين وللتوافه من الأمور. وتكون نارا لمن لا يعرف مع من يتعامل، ولهذا بعض العوائل، وبعض الأشخاص قفلوا راجعين للديار، فلقد أصابتهم الهومسك.
22ـ كيف تنظر الى الشهرة والاعتراف الأدبي؟
أما الشهرة فلا أقدر أن أجيبك عليه؛ لأنني لست مشهورا، والاعتراف الأدبي أراه ضرورة وواجب أخلاقي بغض النظر عن الشخص وتصرفاته الشخصية. وأدعو دائما إلى عدم محاكمة الكاتب من خلال النص الذي يكتبه.
23ـ كيف ترى مستقبل الكتابة في مجتمعك؟
الحقيقة، جواب هذا السؤال ذو شجون. قبل كل شيء علينا أن نفصل بين المجتمعات الإيزيدية لأنني أعتقد الأيزيدية عبارة عن مجتمعات متفرقة، فالمجتمع الأيزيدي في شنكال يختلف عن ذلك الذي في بعشيقة وبحزاني ويختلف عن السوري وهكذا.. وقد ذكرت ذلك بالتفصيل في كتابيب (المجتمع الإيزيدي) ولا أجانب الحقيقة إذا قلت لك أنني أجبت على سؤالك هذا أيضا في الكتاب ومع ذلك سأحاول من زاوية أخرى قد تكون غير مطروقة:
هذه المجتمعات لغة الكتابة عندها أيضا مختلفة، وهذا أمر يدعو للحيرة والتأمل. المجتمع الأيزيدي الشنكالي يكتب بالعربية ولكنه يتعاطى الكرمانجية، وعندما يكتب أو ينشد أو يكتب شعرا بالكرمانجية يخلطها باللهجة الباهدينانية الدهوكية أو غيرها. مشكلة اللغة وحدها تحتاج إلى وقفة ودراسات وبحوث وتعديل.
ما يكتب الآن هو نتاج الفرمان غالبا فمعظم الكتاب والشعراء يتعكزون على الفرمان، أو في الشعر يتخذون من جسد المرأة منطلقا. وفي كلا الحالين الأمر محير لأن ليس كل ما يكتب جيد من ناحية ومن ناحية أخرى لو تفقدت عدد ما كتبوا روايات ستجدهم عدد لا بأس ولكنهم وقفوا عند الرواية الأولى أي أنهم فقط رووا قصتهم، وجف الحبر في أقلامهم.
عدد الذين يكتبون المقالة الجيدة لا يعدون على أصابع اليد الواحدة، وكذلك عدد كتاب القصة القصيرة، يا أخي عدد خريجي الخدمة الاجتماعية بالمئات في قرى سنجار ولا نرى بحثا اجتماعيا مهما. الخلاصة النقد يغالب الكتابة الجادة في المجتمع الإيزيدي الشنكالي. أما الشعر فهناك أصوات جيدة وتستحق القراءة مثل سرمد سليم وعماد بشار وقاسم حسين وغيرهم. لا يمكن التنبؤ بمستقبل الكتابة فهي من المتغيرات في المجتمع وقد يحالفنا الحظ ونقرأ للبعض المتميزين مستقبلا.
24ـ ما المشروع أو النص الذي لم تنجزه بعد؟
قل ما هي المشاريع والنصوص التي لم تطبعها وتنشرها بعد؟ فهي عشرة كتب أو أكثر. أنا لدي مشروع فكري مهم للمجتمع الإيزيدي الشنكالي، أعمل عليه وفكرته تتعلق بالحداثة. وقد أعلنه يوما أو أقوم بتقديمه عبر محاضرات مباشرة في سنجار إن سنحت لي الفرصة.
25ـ ما الرسالة التي تحب أن تبقى حاضرة في أعمالك؟
أنا على خِلافٍ مع الله
قبلَ جبريل
أنا في خِلافٍ مع بغداد
قبلَ أربيل
وأنا على خِلافٍ مع الفقيرِ
قَبلَ الأمير
فهوَ المُدانُ وهو الجبانُ
وهو الذي لا يسير!
26ـ كيف تحب أن يتذكرك القراء بعد سنوات؟
أن يبنوا على ما حاولت أن أؤسسه من أدب من أجل رقي المجتمع ولحاقه بالمجتمعات المتمدنة الأخرى.

