انطلاقاً من مفهوم فلسفي شائع مفاده ” أن أخلاق الإنسان تكشف نوع الإله الذي يعبده ” يمكن القول إن صورة الإله في وعي الإنسان كما يفسرها الحكماء منذ أقدم العصور ليست فكرة لاهوتية مجردة ، بل نواة نفسية وأخلاقية تعيد تشكيل نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى العالم .
من هذا المنظور لا تكون العقيدة شأناً غيبياً معزولاً بل منظومة قيمية وجدانية حية وفلسفية تتجلى في السلوك اليومي في طبيعة العلاقات الاجتماعية وفي تعريف الخير والشر داخل أي مجتمع .
إن العبارة القائلة إن أخلاق الإنسان تكشف نوع الإله الذي يعبده لا تفهم بوصفها حكماً غيبياً على حقيقة الإله نفسه ، بل بوصفها تشخيصاً إنسانياً لطبيعة التصور الديني وتعريف ” الإله المقدس ” كما يتشكل في الوعي الجمعي .
فالإله كما يتصور مجتمعياً لا كما هو في حقيقته العقائدية يتحول إلى معيار أخلاقي أعلى تستمد منه أتباعه تبريراتها للسلوك وحدودها للعدل ومفهومها للكرامة الإنسانية .
تعد صورة الإله المتخيلة مصدراً رمزياً للقيم في علم اجتماع الدين وفلسفته .
فحين يتصور الإله بوصفه رحيماً عادلاً ومحباً للإنسان فإن هذه الصفات لا تبقى لاهوتاً نظرياً ، بل تتحول إلى نموذج يحتذى به فتصبح الرحمة فضيلة والعدل واجباً وصون الكرامة الإنسانية التزاماً أخلاقياً .
وعلى العكس إذا أُعيد تشكيل صورة الإله في الخيال الجمعي بوصفه منتقماً ، إقصائياً ، لا يرى في الآخر إلا خصماً ، فإن هذا التصور يغدو تربة خصبة لتبرير القسوة العنف والاستعلاء .
ليست المشكلة وفق هذا الفهم في وجود التدين أو غيابه ، بل في طبيعة التدين .
هل هو تدين أخلاقي يرتقي بالإنسان أم تدين شكلي يوظف المقدس لتبرير الأهواء والصراعات .؟!
فالإيمان حين يفرغ من بعده الأخلاقي يتحول إلى أداة لفرض هوية مغلقة لا إلى قوة تهذيب روحي .
عند النظر في العلاقة بين العقيدة والسلوك الاجتماعي يتضح أن السلوك الجمعي لا ينشأ من النصوص وحدها ، بل من تفسير النصوص ومن البنية الثقافية التي تحتضنها .
هنا تظهر خطورة الصورة التي يحملها الإنسان عن الإله لأنها تشبه العدسة التي ينظر من خلالها إلى التعاليم الدينية .
فإذا كانت هذه العدسة مليئة بالخوف والكراهية فسيفهم النص بطريقة تولد الخوف والكراهية .
أما إذا كانت مليئة بالتعاطف والعدالة فسيرى في النص ما يعزز التعاطف والعدالة .
لهذا يمكن القول إن الدين في الواقع الاجتماعي هو حصيلة التفاعل بين النص والتفسير والضمير الأخلاقي للجماعة .
عندما يسود العنف باسم المقدس فإن ذلك يكشف خللاً في هذا التفاعل إذ يعاد تشكيل الإله على صورة الغضب البشري وتلبس النزعات البشرية صبغة ولباساً سماوياً .
إذا انتقلنا إلى مفهوم القداسة فإنها في جوهرها يفترض أن تكون قوة ارتقاء تمنح القيم وزناً يتجاوز المصلحة الآنية وتربط السلوك الإنساني بمعنى أعلى .
غير أن القداس حين تختطفها أيديولوجيات ضيقة تتحول إلى درع يحمي الانحطاط الأخلاقي من النقد لأن ما ينسب إلى الإله يمنح حصانة مطلقة .
وعند هذه النقطة لا يعود العنف انحرافاً عن الدين في وعي ممارسيه ، بل يصبح طاعة ولا يعود الظلم ظلماً بل تنفيذاً للإرادة الإلهية كما يتخيلونها .
هنا تظهر المفارقة المأساوية حين يستدعى الإله لتبرير ما يناقض أسمى المعاني التي يفترض أن يمثلها .
إذا كان الإله في الفهم الفلسفي والأخلاقي هو الكمال المطلق فإن أقرب طريق للاقتراب من هذا الكمال هو الارتقاء الأخلاقي وتوسيع دائرة التعاطف وتعميق معنى العدالة وصون حرمة الإنسان لكونه إنساناً .
ومن ثم فإن أي تصور ديني يقود إلى تحقير الإنسان أو إهدار حياته أو كرامته يكشف عن خلل في التصور ولا يمكن اعتباره سمواً في التدين .
بهذا المعنى يصبح السؤال الأخلاقي معياراً نقدياً للتدين .
هل يقود الإيمان إلى مزيد من الإنسانية أم إلى مزيد من القسوة .؟!
والجواب هو حين يرتقي بالإنسان يمكن القول إن صورة الإله في وعيه صورة منقاة من الأهواء وحين ينحدر به فثمة إله متخيل صيغ على مقاس الأهواء والرغبات والصراعات البشرية .
من كل ما سبق نستنتج أن سلوك أتباع أي عقيدة ليس برهاناً على حقيقة الإله في ذاته لكنه مؤشر بالغ الدلالة على الصورة التي يحملونها عنه .
هذه الصورة حين تتشكل في الوعي الجمعي تصبح قوة أخلاقية فاعلة ، إما أن تبني إنساناً أكثر عدلًا ورحمة أو تنتج مجتمعاً يبرر العنف باسم السماء .
من هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية الكبرى للتأويل الديني وللتربية الروحية .
فتنقية صورة الإله في الضمير الإنساني ليست مسألة لاهوتية فحسب ، بل شرط أساسي لسلام الإنسان مع أخيه الإنسان ولتحرير ” الإله المقدس ” من أن يكون غطاءً للأنحطاط وإعادته ليكون مصدراً للسمو

