تحية طيبة وبعد،
خلال الأعوام الماضية، كتبت أكثر من مرة محذرا ومنبها إلى خطورة غياب المعابد الخاصة بالديانة الإيزيدية، وما يترتب على ذلك من آثار عميقة تمس جوهر الوجود الديني الإيزيدي ومستقبله. وللأسف، لم ألحظ أي تفاعل جدي مع هذه النداءات، وكأن الأمر لا يعني أحدا، وأقصد هنا بشكل مباشر المجلس الروحاني ورجال الدين الإيزيديين. ومع ذلك، لا أجد أمامي خيارا سوى الاستمرار في المطالبة وقرع ناقوس الخطر، لعل هذه الكلمات تجد من يصغي إليها، لأننا أمام قضية أراها بالغة الأهمية، بل من أخطر القضايا التي يتوقف عليها مستقبل الديانة الإيزيدية في العالم.
من المعروف، ولا يخفى عليكم، أن جميع الديانات في العالم تمتلك معابد مخصصة لممارسة العبادات وإقامة الطقوس والمراسيم الدينية، باستثناء الديانة الإيزيدية التي لا تمتلك حتى اليوم معابد بالمعنى الديني والمؤسسي للكلمة. ففي العراق، جرى التعويض عن هذا النقص باستخدام المزارات، ولا سيما تلك الواقعة وسط المقابر، بوصفها أماكن للعبادة، وهي في حقيقتها ليست معابد. أما الإيزيديون في خارج البلاد، فهم يفتقرون حتى الى هذه الاماكن، إذ لا يمتلكون أي مكان مخصص يرتادونه لأداء عباداتهم ومراسيمهم الدينية، ما يجعلهم في حالة فراغ روحي حقيقي.
من هنا، أدعو الجميع خاصة رجال الدين الايزيديين خارج العراق الى الوقوف الجاد عند هذه المسألة، وفتح نقاش عميق ومسؤول من جميع الجوانب، بهدف الشروع ببناء معابد إيزيدية في كل منطقة يتواجد فيها الإيزيديون، وبالتنسيق مع المجلس الروحاني الإيزيدي، ووفق تصميم معماري ينسجم مع خصوصية الديانة الإيزيدية ورمزيتها وتسمية مناسبة تليق بالمكان كان تكون ( پرستکەه او قبة باسم احد الخاسين ..الخ). أما من حيث التمويل، فيمكن أن يعتمد على تبرعات أبناء كل منطقة، إلى جانب ما يمكن الحصول عليه من دعم من الجهات الرسمية وغير الرسمية.
وأكررها بوضوح:
المعابد…
المعابد…
المعابد…
لأن المعبد هو حجر الأساس في بقاء أي دين واستمراره، وبدونه يصبح الإيزيديون، في الداخل والخارج، أكثر عرضة للتأثر بالديانات الأخرى، التي تنتشر معابدها في كل مكان من حولنا او التاثر بموجة الالحاد التي تحرق الاخضر واليابس. ويزداد هذا الخطر في ظل الفراغ الروحي الذي يعاني منه الإيزيديون بسبب غياب المعابد وغياب رجال دين متفرغين يرشدون الناس إلى طريق الإيمان ب (خودێ، تاووسى مەلەك، شيخادى) ويحيون معهم الأعياد والمراسيم والطقوس والشعائر الإيزيدية الأصيلة.
قد يتساءل البعض ويقول إن هناك عشرات المراكز الثقافية، وربما بعض الأماكن المخصصة لدفن موتى الإيزيديين. وهنا أقول بوضوح إن هذه المراكز، مهما كانت أهميتها الثقافية والاجتماعية، ليست معابد، والمقابر ليست أماكن عبادة، ولا يمكن أن تفي بالغرض الديني والروحي المنشود.
نحن بحاجة ماسة إلى معابد حقيقية، وإلى رجال دين يخدمون هذه المعابد، تكون أبوابها مفتوحة بشكل دائم، وتقام فيها المراسيم والشعائر الدينية، ولا سيما في يوم الأربعاء، بما يعيد للديانة الإيزيدية حضورها الروحي المنظم، ويمنح أبناءها الشعور بالانتماء والاستمرارية والأمان الديني.
إنها مسؤولية تاريخية، لا تحتمل التأجيل أو التجاهل…

