Homeاراءأساطير بعض الأديان لتحريم لحم الخنزير!! ح 1: د. خليل جندي

أساطير بعض الأديان لتحريم لحم الخنزير!! ح 1: د. خليل جندي

في حلقتين (1-2)
توجد لدى بعض الشعوب غرائب منذ قديم الزمان، ولديهم عادات وتقاليد يقف الانسان حائراً أمام فهمها ومعرفة جذورها وقوة استمراريتها بحيث دخلت في البناء الاسطوري وما زالت متداولة كمحرمات دينية عند الكثير من الأديان، من هذه الأشياء تحريم لحم الخنزير.
كان السومريون، أو لنقل الكهنة السومريون، أول من حرموا تقديم لحم الخنزير كقربان إلى المعابد لسببين رئيسيين، الأول توفر لحم الخنزير بكثرة، الثاني لرخص أسعاره في جنوب العراق في ذلك الوقت. وتذكر التحليلات بأن أولئك الكهنة الذين كانوا مسيطرين على المعابد ويضعون الشرائع ويسنون القوانين، لو سمحوا لعامة الناس بتقديم النذور والقرابين الرخيصة إلى آلهة المعبد لحرموا هم الكهنة من طيبات الأشياء، ولأصبحوا أناساً عاديين كغيرهم في المأكل والملبس.
بعض الحضارات القديمة حرمت لحم الخنزير على الرجال فقط لاعتقادهم أنه الحيوان الوحيد الذي ليس لديه (غيرة) على انثاه حيث يدفعها بصدره لكي يأتيها الذكر الآخر من الخلف، لذا فإن الرجل الذي يعتاد على أكل لحم الخنزير سيصبح جباناً، ولهذا أطلقوا لقب الخنزير على الرجل (الديوث)! يبدو أن الأديان الكتابية التي ظهرت لاحقا، حرمت هي الأخرى لحم الخنزير مؤسساً إعتقادها على ذات الموقف الجنسي إذا صح التعبير. وأضاف البعض أسباباً أخرى لتحريم لحم الخنزير منها قذارته كونه يأكل فضلاته، أو بوجود دودة تعيش في لحمه لا تقتلها النار عند الطهي.
أما البابليون فقد حذو ، حذو السومريين في تحريم لحم الخنزير لكن ليومين فقط في السنة وذلك أثناء الاحتفالات برأس السنة البابلية، حيث كان البابليون يقومون خلالها بذبح مجاميع كبيرة من الخنازير وتقديمها كقرابين في طقوس الاحتفالات لأن الخنزير كان يمثل عندهم رمز لأعداء الآلهة ولكي يطردوا الأرواح الشريرة، وكان يعتبر الخنزير حيوان الأرواح الشريرة المفضل، أي أنه كان هنالك من علاقة بين الخنزير والأرواح الشريرة في المفاهيم الميثولوجية والعقائد السائدة وقتذاك، وأن الخنزير هو الحيوان الخائن لإرتباطه بعلاقة مشؤومة بالعالم السفلي وهو الحيوان الذي ارتبط باسمه مقتل الإله تموز!. وبسبب التخوف من حيوان العالم السفلي/الخنزير، نشأ عند البابليين تحريم جزئي أو كلي لأكل لحم الخنزير ولمدة يومين خلال احتفالات رأس السنة (الأربعاء والخميس). (مارفين هاريس: أبقار، وخنازير، وحروب وساحرات/ألغاز الثقافات، 1974.) (مافين هاريس هو عالم انثروبولوجيا الثقافة الأمريكي توفي عام 2006.)
وترتبط قصة “تحريم” لحم الخنزير باسطورة الإله السوري أدونيس في الميثولوجيا الكنعانية، حيث قام أدونيس بقتال الخنزير البري في وادي كلب بعد أن قام الخنزير بقتل حبيبة أدونيس (عشتار). وكانت نتيجة ذلك الصراع موت الاثنين معاً. اليهود حرموا أكل لحم الخنزير تكريماً له على قتله لإله أعدائهم الكنعانيين السوريين. (حول تحريم لحم الخنزير عند اليهود ينظر إلى سفر المكابيين والتلموذ)
* عند المسيحية/ لا توجد أي تحريم للمؤكولات أو المشروبات، يقول السيد المسيح: ليس ما يدخل الفم ينجس الانسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الانسان. (انجيل متي الاصحاح 15/11)
هنالك اسطورة طريفة أخرى من بلاد مصر القديمة، اسطورة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد ذكرها الدكتور سام مايكلز (Dr. Sam Michaels) في تاريخ الأسطورة والأديان، الحلقة 107، أدناه ملخصه: “إضافة إلى شعب مصر القديم، فقد استقرت شعوب جديدة في مناطق الدلتا شمال ما يدعى مصر اليوم، وصار هنالك تقسيم جغرافي بين الشمال سميت بـ (مصر العليا) والجنوب سميت (مصر السفلى)، سكان الشمال كانوا يعبدون إله اسمه (حوروس Horus) وسكان الجنوب يعبدون إله اسمه (سيت/سيث Seth) وذلك في الألفية الثالثة قبل الميلاد، علماً يعتبر (حوروس)، حسب الأسطورة المصرية، الأخ الخامس لكل من الآلهة (اوزوريش، ايزيس، سيت، نفتيس)، وهو من كان يحكم السماء وباقي الاخوة تقاسموا حكم الأرض. بمرور الوقت انحدرت قيمة الإله (سيت) للمرتبة الثانية مقارنة مع الإله (حوروس) الذي مثل كل ماهو جيد وإيجابي في الطبيعة من خصوبة واستقرار والصحة والغذاء الوفير، بينما أخذ (سيت) الدور الشرير الذي يحيد الشمس عن مسارها في فصل الشتاء، ويسرق أشعتها مما يسبب قصر النهار أثناء فصل الشتاء. وهذه كانت أول ولادة في حضارة وادي النيل لمفهوم (اله الشرّ). ثم تطور اسم (سيت) إلى (ساتSat) ومن ثم إلى (ساتانSatan)، وقد تحول الإله (سيت) مع مرور الوقت ضمن ديانات المنطقة إلى شخصية (الشيطان) المعروفة اليوم. ومن الجدير بالذكر ان الإله (سيت) في أوج رواجه كان رمزه الخنزير والذي لم يكن له أي ارتباطات أو معاني سلبية حينها، لكن انتصار أتباع الإله (حوروس) ورمزه انسان برأس صقر، وتطبيع ديانتهم في المنطقة جعل من حيوان (الخنزير) رمزاً سلبياً إذ بات يدل على الإله (سيت) الذي خسر المعركة الثقافية الأسطورية في المجتمع المصري القديم حتى صار اسمه يرمز إلى الشيطنة والقيام باعمال الشرّ. ان تحريم بعض الأطعمة هو مفصل أساسي في دراسة الأديان ومقارنتها، وأنها استراتيجية هامة جداً في تفريق أتباع الدين هذا عن أتباع الدين ذاك. تعاليم الأديان مبنية على تجمعات بشرية صعبة الاختراق من مجموعات بشرية خارجية، ولهذا السبب نجد ان جميع الأديان لا بد ان تتضمن تحريم بعض الأطعمة وعادة ما تكون هذه الأطعمة لها قيمة اجتماعية لدى مجموعات منافسة أخرى. ويعود السبب الأساسي في تحريم تناول لحم الخنزير لدى أتباع الديانات التي انبثقت عن عبادة الإله (حوروس) إلى هذا السبب، وليس فقط لأن الخنزير كان رمزاً للإله (سيت) وإنما كون الخنزير هو الحيوان المقدس الذي كان يقدم في الأضاحي والتقدمات الحيوانية لهذا الإله!
ربما لا نجافي الحقيقة إذا قلنا ان تحريم لحم الخنزير، كمثال في ذلك الزمان، برز ضمن الصراع الطبقي والفكري والعقائدي لمجموعة بشرية عاشت في بيئة محددة ومستوى تطور إجتماعي خاص، آمنت بدين معين ضد مجموعة بشرية أخرى تعيش في بيئة تختلف عن الأولى من حيث التطور الاجتماعي، آمنت هي بأفكار دينية مغايرة للأولى. وهذا ينطبق على تحريم لحم الخنزير سواء من قبل الكهنة السومريون، باعتبارهم من علية القوم وبيدهم تشريع القوانين، فلو سمحوا لعامة الناس بتقديم النذور والقرابين الرخيصة إلى آلهة المعبد لحرموا هم من طيبات الأشياء، ولأصبحوا أناساً عاديين كغيرهم في المأكل والملبس. أو عند المصريين القدامى من قبل أتباع عبدة الإله (حوروس) الساكنين في دلتا النيل شمال مصر، المعروف أراضيه بخصوبته ووفرة خيراته، وبنهر نيله المسالم الذي لا يفيض ولا يؤدي إلى الدمار، عكس مصر السفلى ذات الطبيعة الصحراوية والمعيشة الصعبة، تقل فيها المياة والخيرات مع كثرة الحيوانات الضارة والمفترسة…فلا عجب أن يكون إله سكان شمال مصر (الدلتا) ملائماً لتطور أفكارهم، وإنعكاساً لبيئتهم الغنية، إلاهاً للخير وبذلك يميزوا أنفسهم عن سكان الجنوب الأقل مرتبة إجتماعية منهم!!.وهذا يقودنا بالتالي إلى ان تحريم لحم الخنزير تعود جذوره إلى قضية فكرية واجتماعية وليس إلى نجاسة الخنزير ووجود ديدان في لحمه، ولا لعدم (غيرته) على أنثاه كما يدعي أتباع بعض الديانات!.
تتبع الحلقة الثانية
(تحريم لحم الخنزير لدى الديانة الايزيدية)

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular