32.9 C
Mosul
الخميس, أكتوبر 15, 2026
الرئيسية مقالات الدني كِسَقيلي: تنهيدة الأرض وأثقال البشر : ب. د. خالد محمود خدر

الدني كِسَقيلي: تنهيدة الأرض وأثقال البشر : ب. د. خالد محمود خدر

106

الدني كسقيلي ……. عبارة كتبها الاستاذ معن رشيد في صفحته على الفيسبوك هذا اليوم ٢٠٢٦/٧/١٦
والعبارة كما يقول الشماس معن (وهو قبلها استاذ في ثانوية بحزاني للبنين) عبارة شائعة بين الناس ، كتبها هكذا باللهجة العامية المتداولة في منطقة بعشيقة و بحزاني ، واضاف مفسرا لها:
الدنيا ثقيلة لانه انعدمت المحبة بين البشر وقلت القناعة وكثر الحسد بين الناس وزاد الطمع في النفوس، نعم الدنيا ثقيلة لأن الفساد استشرى في كل مكان على الارض، نعم الدنيا ثقيلة لأن حجم الشر على الارض كبير جدا(انتهى الاقتباس).

في تعليق لي على المنشور ، كتبت للاستاذ معن إشادة بالعبارة وتوضيحه ، ثم اضفت له سأكتب عن هذه العبارة ومضامينها مقالا معززا لما كتبنه.

وكان ذلك
في ادناه نص ما كتبته:
تبقى عبارة (الدنيا ثقيلة ) ، تحمل معاني عميقة جديرة بالاشارة لها و الكتابة عنها وبيان عمقها ودلالاتها لما تحمله من معاني لها اثر عميق في النفوس ووجع كبير في القلوب العراقية بسبب ثقل ما أضافه الانسان ، بفعل بعضه ، الى هذه الدنيا في هذا الزمن من اثقال موجعة حدا جعلها ثقيلة على الجميع.

والعبارة ليست مجرد حديث أو شكوى عابرة، بل هي اختصار لحالة إنسانية يعيشها كثيرون في زمن تتراجع فيه القيم أمام المصالح.

الدنيا أصبحت ثقيلة… عبارة تتردد على ألسنة الناس في حواراتهم او في مجالسهم وفي الأسواق. قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تعبير عابر عن ضيق المعيشة أو قسوة الظروف، لكنها في حقيقتها تختزل أزمة أعمق من ذلك بكثير ، إنها صرخة إنسان يشعر بأن العالم لم يعد كما عرفه، وأن شيئا ما انكسر في روح الحياة. والعبارة تمثل تنهيدة طويلة تختصر وجعا تراكم في القلوب، وشعورا بأن الحياة لم تعد كما كانت بفعل فاعل.

قبل البدء بوجهة نظري ورؤيتي في معاني ودلالات هذه العبارة ، أشير إلى أن الدنيا لم تتغير في جوهرها، فما زالت الشمس تشرق كل صباح، والليل يعقب كل نهار، والفصول تتعاقب كما كانت منذ آلاف السنين.
الذي تغير هو الإنسان ، ذلك الكائن الذي يفترض به أن يعمل على إعمار الأرض لإتمام مهمة رسالته فيها إن صح التعبير بكل المعاني العلمية والدنيوية والدينية ، فإذا به أحيانا يجعلها أكثر قسوة مما كانت. نعم الذي تغير و تبدل هو الإنسان أو أن صح التعبير البعض من نوعه ، حين فقدت القيم مكانتها عنده ، وأصبحت المادة تتقدم على الضمير، والمصلحة تتغلب على المحبة والتعاون والتكامل بين الناس.

لقد أصبحت الدنيا ثقيلة لأن المحبة تراجعت أمام الأنانية ، وحلت محلها المصالح. وأصبحت العلاقات تقاس بما تحققه من منفعة، لا بما تمنحه من مودة وإخلاص.

الدنيا أصبحت ثقيلة ، عندما غابت القناعة التي كانت تمنح الإنسان سلاما داخليا، ليحل محلها سباق محموم نحو المزيد، حتى أصبح الغني يخشى الفقر أكثر من الفقير نفسه.

الدنيا أصبحت ثقيلة عندما جفت ينابيع الرحمة في قلوب الكثير وتحول الإنسان إلى غريب عن أخيه الإنسان.
الدنيا أصبحت ثقيلة حين اصبح الابتسامة نادرة، والكلمة الطيبة صدقة بل مهجورة، واصبح العطاء فعلا ينتظر المقابل مثلما أصبح الاستغلال فرصة لتحقيق امنيات الضعفاء على حساب كرماء النفوس.

الدنيا أصبحت ثقيلة لأن القناعة انهزمت أمام الجشع، والرضا استبدل بسباق لا ينتهي نحو المزيد. صار كثيرون يقيسون قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من قيم و أخلاق، وبما يجمع من مال لا بما يترك من أثر طيب.

الدنيا أصبحت ثقيلة لأن الحاسد لا يؤلمه نقصه، بل اكتمال غيره. فكلما امتلأت حياة غيره، شعر أن العالم يضيق عليه. هكذا ، لم يعد الحسد في هذه الدنيا مجرد شعور عابر، بل تسلل إلى النفوس الضعيفة و تحول عندهم إلى أسلوب حياة، افسد صفاء العلاقات واعمى الأبصار واطفئ فرحة الآخرين باخوتهم وصداقتهم وجيرتهم لبعض ، عندما وجدوا أن بعض الناس لم يعدوا يكتفون بحقوقهم بل تجاوز طمعهم حدود حاجتهم ، حتى صار الواحد منهم يريد أن يمتلك كل شيء ، بل تجدهم يمدون أيديهم إلى حقوق الآخرين ليتوسع ذلك مع امتداد أياديهم إلى كامل أموال وممتلكات الدولة التي ينتمون لها ،الدولة التي كلفتهم بجانب من إدارة شؤونها المالية أو الإدارية او النيابية. وكل ذلك الفساد يحصل بلا رحمة أو وازع من ضمير ، الضمير الذي تصبح الحياة بغيابه ميدانا للصراع لا فرصة لمساحة واسعة للتعاون في رفع الهم والعوز عن كاهل المحرومبن والمظلومين من بين ابناء الوطن.

الدنيا أصبحت ثقيلة لأن الفساد أصبح وباء بدأ اولا بهدم الضمير قبل البنيان و الحجر ، ليمتد بعدها إلى دوائر الدولة و مؤسساتها مثلما امتد موازيا إلى المجتمعات وأضعف الثقة بين مكوناتها وأفرادها ، ليشعر بعده الاصيل ان الامل قد تبدد في غد معافى ، غد جميل كما كان يأمله ويحلم به، و ليشعر بعده الشريف الغيور على وطنه واهله أنه غريب في زمن كثرت فيه الأقنعة.

ويزداد الأمر احباطا عند الكل، حين يصبح تطبيق القانون ضعيفا أمام النفوذ ، والحق أسيرا للمصالح، ليشعر المواطن بعد كل هذا أن العدالة لم تعد ميزانا بل أمنية بعيدة. وما أشد قسوة الحياة عندما يصبح الصدق استثناء، والفساد بطولة، والعدل أمنية ونهب المال العام والخاص رجولة يتحدث عنه مغتبطا فرحا مختالا غير مبالي بين الناس وفي دواوينهم.

الدنيا أصبحت ثقيلة ، عندما بدأ الإنسان بفتح عينيه كل صباح على أخبار الحروب والقتل والتهجير والجوع. أصبح الألم خبرا يوميا، حتى كادت الإنسانية تعتاد مشاهد المآسي، وكأن كثرة الجراح أفقدت العالم قدرته على الدهشة وسط عالم لا يتكهن احد باتجاه مساره.

ان اتساع دائرة الشر تزيد من ثقل هذه الدنيا. حروب لا تنتهي، ودماء تسيل، وكراهية تنمو، وأطفال يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها ونساء باتوا يؤسرون او يسبون في حروب او غزوات يقوم بها ويفتعلها الرعاع والهمج من عديمي الضمير والأخلاق. مدن تتهدم بفعل الكره ومجاميع بشرية تتهجر وتنزح عن ديارها بلا سبب غير هوية الآخر المختلف التي ينبغي أن ينظر لها كزهرة تنفرد بعددها وخصوصية جمالها بين بقية الازهار والورود في حديقة الوطن التي ينبغي أن يستظل الجميع بظلال أشجارها ويتنعم الكل بأريج عطر ورودها .

هكذا تتفاقم الأمور وتطور حدا باتت تأخذ مسارا لا تصلح معه كل مناشدات السلام ، وبات الإنسان يستيقظ كل يوم على خبر فاجعة جديدة، وكأن الألم أصبح لغة العصر والنيران أصبحت زينة الدنيا وسمائها مثلما أصبحت الفواجع والمواجع امرا معتادا.

في مقال لها على صفحتها بالفيسبوك يوم ٢٠٢٥/٨/٢٥،وضعته تحت عنوان : حين يصبح الطمع شهوة لا تشبع ، تقول البروفسورة في علم النفس الاديبة كريمة الشامي:
هناك طمعٌ في المال… وطمعٌ في السلطة… لكن أبشع الطمع أن يطمع الإنسان فيما لم يقدّمه أصلًا، ويطالب بما لم يكن له يدٌ فيه ولا فضل.
هنا، لا نتحدث عن سوء فهم، بل عن جشع متعمد، يلبس ثوب الحقوق، ويتخفّى تحت شعارات :أنا أستحق.

عندما يعم الظلم دون رادع فإن ذلك يقود لخراب البلدان و العمران بفعل النفوس التي تريد للظلم أن يدوم ، لأنهم يرون في دوامه دوام مصالحهم. وحيثما يحضر الظلم يرحل الأمن، وتنهار الثقة، ويصبح العيش ثقيلا مهما كثرت او توفرت أسباب الرفاه.

ومع كل ما اشرت إليه ، فإن التاريخ يعلمنا أن الظلام، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم شمعة صغيرة. فما تزال هناك قلوب تنبض بالمحبة، وما تزال هناك أيادي تمتد بالعطاء وأشخاص يؤمنون بأن الخير ليس ضعفا، بل أعظم أشكال القوة. فوجود إنسان صادق قد يبدد ثقلا تعجز عن رفعه كلمات كثيرة.

التشاؤم ليس قدرا. فالشر، مهما علا صوته، لا يستطيع أن يلغي وجود الخير. وما دام هناك من يغرس شجرة، أو يواسي حزينا، أو ينصف مظلوما، أو يبتسم في وجه غريب، فإن الدنيا ما زالت تحتفظ بخيط من نور يقاوم كل هذا الظلام.

فالدنيا ليست سجنا بطبيعتها، وإنما تصبح كذلك عندما تضيق القلوب، وتغيب الرحمة، ويعلو صوت الأنانية على صوت الإنسانية. وعندما يعود الإنسان إلى قيم الصدق، والعدل، والمحبة، سيكتشف أن الحياة لم تكن ثقيلة في ذاتها، بل كانت تنتظر من يزرع فيها ما يجعلها أخف وأجمل.

وكما قال الاديب الكبير ألبير كامو: في أعماق الشتاء، أدركت أن في داخلي صيفا لا يقهر.ولعل هذا هو الدرس الأهم ، فمهما اشتد ثقل الدنيا، يبقى الإنسان قادرا على أن يخفف عنها، إذا حمل في قلبه نور الرحمة، وفي عقله حكمة العدل، وفي يده عملا صالحا يترك أثرا طيبا في حياة الآخرين.

عن هذا ، يذكرنا عالم الاجتماع العراقي البروفسور علي الوردي بأن الإنسان يحمل في داخله صراعا دائما بين قيمه ومصالحه، وأن الحضارة لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بتربية الضمير. فإذا غاب الضمير، بقي القانون عاجزا عن صناعة مجتمع عادل.

بالمقابل يرى الاديب الكبير جبران خليل جبران أن المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. وكأن خلاص الإنسان يبدأ عندما يدرك أن قيمة الحياة ليست بما يجمع، بل بما يمنح، وأن القلب الممتلئ بالمحبة أخف حملا من القلب المثقل بالأحقاد.

بالحب تتحول المرارة إلى حلاوة، ويتحول النحاس إلى ذهب ، وهذه ليست مجرد حكمة قيلت عن لسان أحد الحكماء منذ زمن بعيد ، بل هي دعوة أبدية لأن يعيد البشر بناء عالمنا من الداخل، لأن إصلاح الدنيا يبدأ بإصلاح القلب.
لذلك، فإن الدنيا ليست ثقيلة بطبيعتها، وإنما يثقلها الإنسان عندما يزرع فيها الكراهية والظلم والطمع، ويخففها عندما ينشر المحبة والعدل والرحمة. فكل عمل خير، وكل كلمة صادقة، وكل يد تمتد لمساعدة محتاج، هي محاولة صادقة لتخفيف هذا الثقل الذي نشعر به جميعا.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: لماذا أصبحت الدنيا ثقيلة؟

بل: كم أضفنا نحن إلى هذا الثقل، وكم نستطيع أن نخفف منه؟

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
التخطي إلى شريط الأدوات