1- السجن الاول. السجن العسكري, عام 1985 : …….. بعد فشل عملية الانقلاب التي قادها رفعت الاسد ضد شقيقه حافظ الاسد, فتم حينها ابعاد رفعت الى خارج سوريا, وابعاد فوج المظليين عن دمشق لفك الحصار عنها كونه كان يخضع لسلطة رفعت الاسد آنذاك والذي كنت حينها مظليا اخدم فيه الخدمة الالزامية للجيش. عاد الفوج الى موقعه في يعفور الصبورة, وبقي هناك لفترة قصيرة جدا, ثم تحرك بعدها نحو الخط الامامي للجبهة لالهائه مع الجيش الاسرائيلي بأمر حافظ الاسد الذي كان يخاف منه كونه كان يعتبر اقوى قطعة عسكرية في الجيش السوري. في ليلة رأس السنة لعام 1985 دعاني حينها قائد السرية في احدى كتائب الفوج الى مائدة حفلة رأس السنة في خيمته وبعد التمتع بالاكل والشراب والنكت والمزاح, سلمني في منتصف الليل امر مهمة عسكرية فورية التنفيذ وصلت اليه, وبعد قراءتها قال لي وبحضور ثلاثة ضباط اخرين, لقد ذهبت الاسبوع الفائت مع مرافقين الى اعلى قمة حرمون في الجولان واستغرق المشوارمعي بين الساعتين وثلاث ساعات تسلق, للاستطلاع على الموقع الذي يجب ان نستلمه هناك من وحدة عسكرية اخرى تابعة للمغاوير في الوحدات الخاصة, ونحن لدينا في السرية مائة عسكري والموقع هناك فيه فقط احدى عشرة خيمة مبنية بالحجارة تحت الارض وكل خيمة تَسِع لستة عساكر الى جانب خيمة واحدة هي للقيادة فقررنا تسليمك ستون عسكريا للدفاع عن تلك النقطة ضد اي انزال جوي اسرائيلي محتمل وانا ونائبي, سنزورك كل اسبوع للتفقد ولديك جهاز اللاسلكي للاتصال بي متى ما اردت وفي حال اذا جاءك ضباط كبار مسؤولون, بشكل مفاجىء للتفقد, فقل لهم باننا نزلنا للتو الى اسفل الجبل لتفقد القسم الاخر من عناصر سريتنا. رديت عليه فورا وشاهدته على الورقة بأصبعي بأن المهمة هي بأسمه وأن رتبتي العسكرية صغيرة وثقافتي العسكرية محدودة, لكنه نبهني بأنه امر عسكري وعلي الالتزام بالامر وأن ما املكه لايملكه الكثيرون من الضباط ذوي الرتب العالية وقال لي, اعلم بأنك مثقف عسكريا, عمليا ونظريا بشكل جيد وتملك 22 قفزا مظليا, خمسة بالمظلات, عشرة تسلق صعودا ونزولا بالحبال من الهيليكوبترات, اثنتان بحريتان في مياه البحر, وخمسة قفزات حرة. بدأت افكر بانه امر عسكري لا مفر من تنفيذه بالرغم من احساسي بالظلم والخداع. تحركت صباحا كراعي غنم اقود ستون كبشاً الى مسلخ الطغاة ليكونوا قرابين لآلهة الجهل والشر والخيانة والعجرفة, نتسلق جبل حرمون من الناحية الشمالية الشرقية تحت المطر ومن ثم الغيث ويرافقنا جندي متطوع يعرف الطريق مسبقا وارسل معنا كدليل كي لا نضيع اتجاه المسير, قطعنا جبالا ووديانا في صعود مستمر وكلما تقربنا من قمة جبل الشيخ بدأ المطر يختفي ويضهر لنا الضباب وعواصف لها صفير كصفير الحرب, وعلى ارتفاع الفان وثمان مائة متر بدأ التسليم والاستلام للموقع وسألت عن الوضع فقالوا لي, الثلج هنا موجود في كل الفصول وحاليا يهطل الثلج بين الحين والاخر بشكل خفيف, اما الثلج الموجود على الارض فهو من شتاء العام الماضي والثلج المكثف عادة ينزل في اشهر شباط, آذار ونيسان, ثم غادر القدامى, وانا في اليوم الثاني طلبت من العساكر بشلح اللباس المموه والبدء بلبس اللباس العسكري الجديد الذي كنا استلمناه وهو افرول له قبعة وذو وجهين اخضر وابيض ومحشي بالصوف الاصطناعي والوجه الاخضر سنلبسه في فصل الصيف عندما يقف الثلج بالهطول ويذوب بعضه فتبدأ الاشجار الجبلية البعلية بالظهور وتورق, بينما ما دام الثلج موجود فعلينا لبسها باللون الابيض لان قوانين الوجود في الجبهة تفرض عدم لبس الرتب العسكرية ووجوب تمويه الذات امام القوات الاسرائيلية كي لا تكشفنا بين الثلج, وبعدها وزعت الخيم ورتبت امور العساكر واكتشفت فورا بان الحياة هناك اشبه بحياة نائية مهجورة فلا وجود للمدافىء والحرارة دائما تحت الصفر اما اكلنا فيأتي لنا به كل اسبوعين الزحافات الثلجية وهي ناقلات صغيرة طولها متران وعرضها متر ونصف شبيهة بالروبوتات ومكونة من البلاستيك والمطاط لتخفيف الوزن عند سيرها على الثلج والتسلق على الجبال, ومحركها وحده هو من الحديد وتسير على عجلات شبيهة بعجلات الدبابات المجنزرة لكنها مصنوعة من البلاستيك, تستخدم لنقل الطعام والمازوت وباقي الحاجيات وهي بالاصل اخترعها الروس لخدمة جيشها في مناطق الثلوج كجبال سيبيريا مثلا وقد زودت فوجنا باثنتين منها. لكل خيمة صفيحة ” تنكة ” مفتوحة فارغة تستخدم للتدفئة وطهي الطعام وعند التدفئة نضع المازوت في الصفيحة ونشعل فيها النار ويبدأ الشحوار بسواد وجوهنا وداخل انوفنا في وسط بياض الثلج, اما البيض والبطاطا والفواكه فهي دائما مجمدة كالتي موجودة في فريزر البرادات والعساكر يلعبون بها كالحجارة الصلبة وعند طهيها لا بد من وضعها في مياه مغلية لاعادتها لوضعها الطبيعي, اما اللحم ياتينا اجساد اغنام واوزعها على الخيم وطعامنا ناكله دائما بشكل مسلوق, الماء مصدره الوحيد هو الثلج الذي نذوبه للشرب ولغسل الاوجه وطبخ الشاي وطهي الطعام وكالعادة اذا بقي لدي طعام زائد اخزنه للاحتياط تحسبا لطارىء ما. الجو دائما ضبابي وعندما تخف العواصف الثلجية ويصفى الجو احيانا احمل الناظور واذهب غربا للاضطلاع على المواقع الاسرائيلية واما العساكر يخرجون من الخيم وكلنا ننظر لنكتشف ما حولنا ونشاهد مدينة دمشق وبعض المدن الاخرى اللبنانية والاردنية ونراقب خاصة السيارات المارة على طريق دمشق – بيروت, وفي داخل الخيم اطلب دائما بصيانة الاسلحة والتحضير لاي مفاجىء علما ان العساكر يقضون كامل وقتهم في الخيم وداخل الفرشات من شدة البرد ولعدم وجود ادوات الترفيه. اما انا فلدي هواياتي التي امارسها تحت اي ظروف كانت اذا اتيح لي المجال ومنها اصطياد الافاعي, وتصاحبني دائما آلة تصوير كاميرا, آلة موسيقية كردية ” تنبور ” تعود جذورها الى عهد السومريين وهي آلة وترية موجودة في بيت كل كردي وذات قدسية لانها تستخدم عادة للعزف في المعابد اثناء ترديد الشعائر الدينية لدى الإيزديين والزردشتيين واخترتها عند الشراء, صغيرة الحجم لتكون خفيفة كبندقيتي واعلقها على ظهري عند التنقل واعزف عليها كلما يحلو لي لأملأ سلسلة جبال حرمون بالموسيقى والاغاني الكردية. امضينا كانون الثاني وشباط وفي العشرين من شهر آذار اصبح المخزون الاحتياطي للاكل والمازوت على وشك النفاذ, انقطع الاتصال بيني وبين قائد السرية بسبب شدة التجمد وتراكم الثلوج, لم نعد نرى الزحافات وانقطع الدعم, واصبحنا نشعر بالتقهقر امام الزوابع الثلجية والرياح المطيِّرة للبشر ونصحت العساكر بضب الذراعين على بعضهما عند الخروج من الخيم لان شدة الريح ترفع الاجسام وهي خطرة وايضا يجب تغطية الوجه لان الريح العاصفة تحمل الثلج وتحوله الى قطع من جليد طائر وكأنه رؤوس سكاكين تضرب الوجه. بعد الاجتماع مع قادة الجماعات لدراسة الوضع, اخذت معي اثنان منهم وذهبت لمسافة مئتا متر خلفا لاستطلع الوضع عند فصيلة مدافع الهاون التي هي موجودة خلفنا لاسنادنا اثناء الحرب وعند وصولنا كانت المدافع طمرت تحت الثلج والخيم مغلقة مهجورة شبه مطمورة بالثلج, اصدقائي الاثنان بدآ بقذف الشتائم واحدهم علوي اسمه سهيل ونوس والآخر سنّي من درعا اسمه قسيم العويدات والاثنان بدآ يلعنان العروبة وخيانات العرب وان العرب لن ينتصروا مادام يتصرفون بعقلية الخداع والخيانة وانهم قبل الهروب كان عليهم اخبارنا حتى نعلم بان ظهرنا غير مسنود ونعرف التصرف في حال حدوث انزال معادي بالرغم من معرفتنا المسبقة بانه في هكذا اجواء شتائية ضبابية ثلجية الانزالات الجوية مستحيلة, وقلت لهما عندها بانه عندما وصلنا الى موقعنا هنا في بداية رأس السنة, ايضا جئت الى هذه الفصيلة للاستطلاع والتعارف وعرفني مسؤولهم بنفسه وكان ضابط برتبة ملازم مجند خريج كلية الادب العربي وعضو عامل في حزب البعث الخائن وهو من عرب البدو ومن الطائفة الشيعية المتواجدة بعضها في مدينة السخنة الواقعة جنوب غرب دير الزور على طريق تدمر واستقبلني ليلا داخل خيمته بالثوب الطويل وارجله داخل شحاطة وحينها تأكدت بانه لا يصلح الا لجيش ابو شحاطة والشحاطة لايمكن لبسها بين الثلج وفي الجبال بل لبسها تصلح فقط في صحراء الربع الخالي, واعلموا اصدقائي نحن نعرف بعضنا جيدا وانني عندما انقد العرب واشتمهم احيانا هو ليس بدافع الحقد والعنصرية بل بسبب الاعمال اللانسانية والخيانات الصادرة من العرب, والشتائم لاتفيدنا بشيء وانا مملوء بالشتائم اكثر منكم لكن المهم ان نفكر ونساعد بعضنا سويا ونرى مخرجا لبقاء ستون شخصا على قيد الحياة. عدنا الى الخلف ومن ثم اتجهنا نحو الجنوب لمسافة اكثر من خمسة مائة متر ونحرث في الثلج بصعوبة حتى وصلنا الى لواء الصاعقة الذي يترأسه اللواء الفلسطيني غازي طارق الخضرا وهو لواء مخلوط من قطاع الطرق الهاربون من لبنان بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان وزعران الشوارع اولئك شبيحة حزب البعث اللقيط, الذين يتعاطون كل الموبقات الى جانب بعض العناصر من بعض المنظمات الفلسطينية. استقبلنا ضابط فلسطيني برتبة ملازم اول, مملوء بالحيوية والاحترام وبعد التعارف فرح كثيرا وعبر عن خوفه الشديد من انزال جوي اسرائيلي في نقطتنا الصالحة لهبوط الهليكوبترات الاسرائيلية لكنه اطمأن كثيرا عندما علم باننا مظليون وبأني قائدهم وكردي الاصل, وبعد شرب الشاي اخبرته عن وضعنا فكان شهماً وحضر خمسة من عناصره وقال لي لدي اكل احتياطي وساحمل الخمسة ببعض الاكل والمازوت وخذهم معك الا انني شكرته كثيرا وقلت دعني اصبر ليومين اخرين فان اتت زحافة الدعم فبها الخير والا فانا سااتي بخمسة من عناصري لحمل ما ممكن اخذه ونقله. سلمنا على الرجل وعدنا لنحرث في الثلج الذي يتراوح ارتفاعه مابين متر والى مترين حسب المقعرات والمحدبات الارضية وقلت لصاحبيّ العربيين والكارهين مثلي للبعثين العروبيين الخونة بانه كنا محظوظين لاننا التقينا بضابط فلسطيني شهم ولو كنا التقينا بضابط بعثي لتملص من المسؤولية كما فعلها قائد فصيلة مدفعية الهاون خلفنا والذي بعد تسريحه من الجيش بلا شك سيصبح مع شحاطته محافظا او نائبا او وزيرا وسيعلق الشحاطة على باب مبنى ادارته تخليدا لبطولات مشاركته في الجبهة مع اسرائيل وسينال الشرف والمكافأة بينما نحن سنتوه في الشوارع بحثا عن عمل. مضى يومان آخران ونفذ المازوت والخبز والطعام باستثناء من خبأ له تحت فرشته شيئا ما للوقت العصيب, لكن البيض والبطاطا واللحم والتفاح والبرتقال المجمد لا يمكن طحنه بالاسنان واكل الثلج بات اهون, وبقينا ذاك اليوم جائعون على امل بان تأتي الزحافات او الهليكوبترات لدعمنا وانقاذنا, لكن فقدنا الامل كليا وكل منا على طريقته يبتهل الى خالقه ليحميه من لسعات البرد التي تمنعه من النوم وتجعله يشعر بالم في المعدة والكِليتين والمثانة التي لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالبول. دعوت رؤساء الجماعات الى اجتماع وشرحت لهم بانه اذا ذهبنا الى لواء الصاعقة ربما يعطونا الدعم للبقاء على قيد الحياة لفترة يومين لا اكثر لكن هذا ليس بحل, انّ الحل هو ان ننتفض ضد من ابعثونا الى هنا وقد كذبوا عليّ ومنذ مجيئنا لم يأتوا ولو مرة لتفقدنا وعدم وجود الاتصال اللاسلكي يؤكد لهم باننا نعيش تحت الثلج المتراكم بدرجات مئوية تحت الصفر وحياتنا اشبه بحياة شعب الاسكيمو في القطب المتجمد الشمالي الذي يعيش بين الجليد والثلج المغطي للمياه وهو قادر على كسر الجليد واصطياد الاسماك من تحته لاكلها, بينما نحن نعيش هنا بين الجليد والثلج المغطي للوحل والتراب, وانا افضل بأن نغلق الخيم وننزل بشكل جماعي لتكون ضربة قاصمة على انف كل مسؤول باعنا وتخلى عنا باسلوب خياني ولكي نبقى انفسنا على قيد الحياة. بدأت النقاشات واوفق الجميع على رأيي, وتم اخبار جميع العساكر والكل اغلقوا الخيم واتوا اليّ, وحينها وعلى الفور اخترت خمسة من الاشداء ليقودوا الجميع في رتل ويفتحوا الطريق في الثلج واخترت خمسة آخرون اشداء ليتبعوا الرتل من الخلف ويساعدوا او يحملوا اي عسكري يصاب بالارهاق, سار الرتل في نسق كما خُطط له وانا كالمتمرد المتردد المهستر بسبب خيانات الاخرين, فحملت لآخر مرة الناظور العسكري وذهبت الى نقطة عالية في غرب القمة لاراقب الجيش الاسرائيلي لكن الزوابع الثلجية منعتني من ان ارى ابعد من ثلاثة امتار, عدت الى الخلف وتابعت الرتل وعند قمة كل مرتفع كنت اجلس على الثلج وادفع ذاتي بيداي نحو الامام واتزلج حتى اسفل الوادي وعندما نزلت بالتزحلق على القفى من قمة جبل الشيخ في سلسلة جبال الجولان الى الوديان وفي احدى الجبال يبدو ان راس غصن شجرة لم تغطيها الثلج جيدا ولسوء حظي مررت فوقها ولكن ولحسن حظي رغم انها قطعت بنطالي الابيض المحشي بالصوف الاصطناعي واللباس الداخلي (الكلسون) وجرحت قليلا من جلدة خصيتي لكنها لم تستطع قتلي وحيداً وتركي للحيوانات الجبلية المفترسة. وصلت الى اسفل الجبل وبدأت اسير بين الهضاب والوديان وشاهدت بعض الحشائش, فتأكدت بان الفارق بين اسفل الجبل وقمته هو كالفارق بين مناخين لقارتين مختلفتين, نظرت امامي واذا بزملائي اختفوا بين الطرقات المؤدية الى دمشق وعند وصولي الى احدى مفترقات الطريق الرئيسي, التقيت امام خيمة هناك بصديقين كرديين وهما مجدل عوجي وعبد العزيز پيران وبعد اللقاء الحار اعلمتهم بوضعي ثم علِمت منهما بانهما نقلا من فوج الاشارة المريح الى فوج المظليين. فسألاني الصديقان, لماذا انت ماسك بخصيتك …؟ فجاوبتهما بالحقيقة وقدما لي كِريماً يعالج الحروق والجروح, لكنني رفضت واستعجلت بالوصول الى مدينة دمشق لاتدبر امري بنفسي من كل النواحي. لحظات ووصل باصٌ من قرية رخلة على الحدود اللبنانية فاستأذنت واتجهت الى دمشق, نزلت في كراج البرامكة واتجهت الى احدى المحلات واشتريت لباس داخلي ومن ثم قصدت حمام نور الدين الزنكي الشهير. بعد التحمم جلست في صالة الاستقبال لاحتسي كوبا من الزهورات مع زملاء عساكر كانوا سبقوني الى الحمام وخاطبت حينها صاحب الحمام الذي شاركني الضحك هو والعاملين معه وقلت عليك اليوم بتغيير اسم الحمام وتجعله “حمام المشحورين”, فرفع يداه وهو باهت ويقول : انه لاول مرة في حياتي ارى الماء الاسود يتدفق من داخل الحمام ونحن الان مضطرون لغسل ارضية الحمام بمواد خاصة لازالة شحوار المازوت. خرجت من هناك واتجهت الى مطعم كردي في سوق باب سروجة التاريخي وفي خيالي باني سااكل كل ما موجود في المطعم من شدة الجوع وحددت طلبي ولحظات شاهدت امامي صحن من المصارين والكوارع ورأس خاروف وبصلة نيئة ومن ثم صحن غميق مملوء بمرقة المقادم والثوم النيء وعصير الليمون فتناولته وارتشفته بشراهة كحصان هائج اضنكه الجوع والعطش في صولات معارك الاخرين وانهيت اكل المصارين والكوارع مع جرش البصل النيء وبدأت انظر الى رأس الخروف ورفعته ومسكت بفكيه كي افتحهما بقوة لفك الجمجمة كي احصل على المخ الذي يتطلب التوابل والحامض لأكله لكني تركته في الصحن ودخلت في خلوة فلسفية اعاتب الله بانه ظالم لم يعدل بين مخلوقاته وشعرت كأني ذئب مفترس اريد ان أأكل هذا الرأس لحيوان مسالم وكم اتمنى لو بقي على قيد الحياة, ودأبت متسائلا ترى ما ذنب الذئب الذي يطارد فريسة من آكلات الحشائش في البراري وهو يخاطب الله, يا الهي ساعدني على الامساك بها كي أأكلها والا سأموت جوعا, وكم ظالم انت فلماذ لم تخلقني آكلا للحشائش بدلا من جعلي ان اتعب واشعر بانني ساموت يوما من شدة الركض للحصول على الطعام. بينما آكلة الحشائش تخاطب الله, يا الهي انجيني من الموت, وكم ظالم انت فلماذا لم تخلقني آكلة اللحوم وتخلق فيَّ غريزة القتل وتعطيني انيابا كأنياب الذئب القاتلة كي ادافع بها عن نفسي, واقنعت نفسي بان الاثنان على حق لكن الخلل في خالقهما الذي لم يعدل في الخلق بالحق. دفعت الحساب وخرجت من المطعم وذهبت لاحجز لي غرفة بسرير في فندق شعبي داخل الحي وبعدها توجهت الى بيت قائدي السياسي الكردي اليساري آپو أوسمان صبري الذي ادخلته الحكومات العربية المتعاقبة على حكم سوريا اكثر من عشرون مرة في سجونها. بعد طول غياب نقلت اليه القصص التي كان ينتظر مني دائما ان ازوده بامثالها وفجأة سألني ما هو مصير رفعت الاسد, فقلت له انه بعد فشل انقلابه تم طرده من سوريا بتخطيط من المخابرات الروسية ويقيم حاليا في اسبانيا, فبدأ ينصحني كعادته: ( انتبهوا يا شبيبة الكرد ان العلويون والسنّة والشيعة كلهم عرب وشيء واحد, يتنافسون فيما بينهم على السلطة لكنهم يرون في اضطهاد الكرد وقتلهم ضرورة قومية عربية, واية طائفة منهم عندما تريد استلام السلطة او تكون قد استلمتها, تقترب من الكرد من اجل تثبيت حكمها وكل الحقوق التي تعطيهم عبارة عن سجاد وموقع في الجامع وتقول لهم, الان صلوا بحرية وكما تريدون ولكن دون ذكر حقوق الكرد الثقافية والسياسية بل وتقوم بتحويلهم الى عملاء وجواسيس لها معتمدة على عامل الدين الاسلامي المشترك ولعل المتدينان كفتارو والبوطي خير مثالين على ذلك ). وبينما كنت عند قائدي شعرت بالنعاس فسلمت عليه وعدت الى الفندق لادخل في سبات عميق دام الى الساعة الخامسة صباحا وحينها استيقظت وهيأت نفسي للعودة الى مقر السرية القريبة لمقر الكتيبة, عند وصولي الساعة السابعة الى مقر السرية كانت الحبكة جاهزة وابطال الخيانة قد اتفقوا وقرروا بالتخلص مني كون الجواسيس البعثيون اوصلوا اليهم خبر نزولنا وما حدث لنا, وبمجرد وصولي بالقرب من خيمة القيادة كان ضباط اربعة مازالوا ببيجامات الرياضة يتحدثون معا وانهالت الشتائم عليّ واتهمت بالخيانة لتركي الموقع العسكري فارغا وهاجمني قائد السرية طالبا مني تسليم نفسي ليسلمني الى الشرطة العسكرية ومن ثم القضاء العسكري وبأنه سيبعثني الى حقل عرطوز العسكري الذي عادة فيه يعدم الخونة وسانده ضابط آخر للقبض عليّ, تراجعت الى الوراء وسحبت مسدسي ولقمته وقلت لهم سأريكم من هو الوطني الذي تحمل مسؤولياته ومسؤوليات غيره ومن هم الخونة والجبناء الذين تخلوا عن مسؤولياتهم العسكرية ليمضوا وقتهم في التحشيش ولعب القمار وغيره, فذهب احدهم ليأتي بسلاح من داخل الخيمة, اما انا فهربت باتجاه مقر قيادة الكتيبة واعرف مسبقا بأن اطلاق الرصاص في الجبهة ممنوع كونه قد يؤدي الى نشوب حرب بيننا والاسرئيليين بسبب سوء الفهم حسب قوانين الحروب. ابتعدت عنهم وهم لم يطلقوا الرصاص ووصلت الى مقر قائد الكتيبة متوقعا بانني سأنقل له الخبر وهو سيقف مع الحق ويلاقي حلا للمشكلة الا انه استقبلني باسلوب شخص فاقد للبوصلة ومهستر, فمجرد ان تقدمت منه عرفت انه يتحدث بالهاتف مع قائد السرية فترك الهاتف وهاجمني بالتوبيخات السوقية وهددني بالقتل في حال اذا اوصلت الخبر الى قيادة الفوج وطلب مني تسليم نفسي لكنني رفضت فقال لي : اعرف مسبقا بانك كُردي ذو رأس يابس ولن تنحني لاحد, قسماً لن اتركك على قيد الحياة واتجه لداخل خيمته, فسحبت مسدسي الملقم مسبقا وطرت بلا جناحين وقذفت بنفسي بين مجموعة من الخيم هاربا باتجاه الشمال كونني لا اريد ان أُقْتَلَ ولا ان أقْتُلَ احداً وكل همّي هو انهاء خدمتي الالزامية بهدوء وسلام والعودة الى اهلي, وسمعته يناديني : ( يا جبان اذا كنت بحق رجلاً اخرج من بين الخيم ) حينها تنفست الصعداء وعرفت بان خطتي نجحت كونه فكرت منذ البدء بانني لو قذفت بنفسي بين الخيم فاي اطلاق للنار عليّ قد تصيبني او لا تصيبني لكنها ستقتل من العساكر الذين الخيم مملوءة بهم وهو سيرتكب مجزرة ولن يتجرء على فعل ذلك, وهو ايضا لا يستطيع اطلاق النار من دون سبب شرعي في جبهات القتال بالاستناد على قوانين الحروب. خرجت من بين الخيم ونظرت خلفي واذا بالبندقية في يده لكنها ليست مسددة نحوي وبدء يصرخ فيّ, تعال لا تبتعد ساعطيك اجازة وقال اشياء اخرى لم اسمعها بدقة بسبب الوشوشة الصادرة من دعساتي على الثلج, اما انا فابتعدت راكضا واقول لنفسي هم يعرفونني جيدا كما اعرف نفسي بانني لست بديكٍ ليضحك عليّ الثعلب ولا بخروف ليضحك عليّ الذئب واحيانا لعب دور الثعلب المحتال يقود للانتصار وانجح من لعب دور الاسد الشجاع المهاجم في الحياة والذي قد يؤدي احيانا للخسارة او الانتحار, وبينما اتجه نحو قيادة قسم العمليات ورئاسة الفوج تذكرت نصائح والدي عندما شرحت له عن وضعي في احدى الاجازات العسكرية وقال لي حينها : ( ارجوك يا ابني ان تلتزم بالانضباط الذي انت عليه, اسمع كلمات الحكماء وابني لها مساكن في دماغك بينما اغلق اذنيك لشتائم البلهاء ودعها تندثر وتذوب في الهواء الطلق, احيانا كلمة مثيرة تسبب في اقامة حرب له بداية لكن لا يعرف متى نهايته وانا قلت لك مرارا بأن شيئان اخاف منهما ان يقتلاك وهما لسانك الشاحذ كالصدق وكبرياءك الذي كالسيف لاينحني, ولا تسمح بان تثيرك كلمات ومواقف المعتوهين والصيّع الذين حتى امهاتهم لا تعرفن من هم اباءهم ونحن هنا في الحياة المدنية كباقي الشعب السوري نلاقي كل انواع الذل على ايادي عناصر مخابرات عربية علوية او سنّية بعثية ولا تساوي ثمنها فلسا في سوق النخاسة وهناك في الحياة العسكرية هم قادرون على قتلك بسهولة ويضعوها في رقبة الاسرائيليين, ارجوك ان تبقي نفسك حيا ومررها بذكاء على المارقين ). ذهبت الى قسم عمليات الفوج لالتقي بصديق مقرب جدا لي يجمعنا الفكر والعقيدة الثورية التي تدافع عن حقوق الطبقات الفقيرة والشعوب المضطهدة وهو عضو في حزب العمل الشيوعي السرّي الذي غالبية عناصره هم من الطائفة العلوية والاسماعيلية وهو الد اعداء الحكم البعثي وعائلة الاسد ومغضوب عليه من كل الاحزاب السورية العميلة لحزب البعث وعلى رأسهم الحزب الشيوعي التقليدي البكداشي الستاليني ومعروف ان عناصره يحاكمون بعشرات السنوات في السجون او بالاعدام, وهو كان قد عرفني بسيادة العقيد والمستشار العسكري من ام ارمنية واب روسي والذي كان ماركسيا ثوريا تروتسكي الهوى والد اعداء الشيوعية التقليدية الطوباوية الخائنة والعميلة للانظمة الاستبدادية والاستخبارات الروسية خريجة المدرسة الستالينية ومضطلع بشكل جيد على القضية الكردية واخبرني لمرات بانه يعرف جيدا اسرار خيانة الحزب الشيوعي السوفيتي بقيادة لينين وستالين للقضية الكردية والارمنية ودعمهما السري لكمال اتاتورك التركي من يهود الدونمة, بالسلاح لاقامة المجازر وقتل الملايين من الشعب الكردي والشعب الارمني والذي كافأه اليهود وبنوا له تمثالا في اسرائيل. بعد ان قصيت عليه الحقائق نصحني رفيقي بالابتعاد كليا عن قسم العمليات ورئيسه كونه “رفعتيٌ” من انصار رفعت الاسد وعلى علاقة متينة بقائد كتيبتي وعليّ الذهاب فورا الى “الحافظي” قائد الفوج, وفعلا قصدته على الفور وعند وصولي الى مقره كان لديه اجتماع لكن بمجرد ان عرف مرافقوه بانني انا كنت مستلما للموقع الذي في القمة, دخل احدهم بسرعة اليه واخبره فخرج مسرعا وناداني وكان يعرفني مسبقا وادخلني في غرفة مجاورة لمكتبه وقال لي خبرني كل شيء, فاخبرته عن كل شيء بصدق بدءاَ من الذهاب والى آخر حدث مرّ معي بما فيها التهديد بالقتل وقلت له انني مستعد لتحمل كافة العقوبات ان كنت قد اخطأت, وعليك ان تعلم بانني كنت متماسك الاعصاب لاخر نفس وفكرت بترك الموقع فقط بعدما امضينا يوما بدون اكل ولاحظت بان العساكر ما زالوا يملكون قوتهم واذا امضينا يوما اخر بدون اكل فسينهار الكثيرون وعندها ستكون الكارثة, فقررت بالاتفاق مع قيادات الجماعات وانقذت حياة ستون شخصا من الموت الحتمي وكنت اتوقع بانني ساحصل على مكافأة..؟. قام من مكانه وبدء يحك رأسه ويتحرك كالمجنون ويتحدث بلهجة العلويين او الساحل السوري ولم يبقى مسبة الا وقالها لقائد الكتيبة والسرية ويردد متسائلاً, ( لا اصدق لا اصدق الموقع العسكري في القمة فارغ… ؟ انهم خونة ارسلوك انت وخبرتك العسكرية القليلة لا تخولك بادارة ذاك الموقع, بينما مكتوب على امر المهمة بان الرتبة التي عليها ادارة الموقع العسكري في القمة للتصدي لاي انزال جوي معادي يجب عليها ان تملك على الاقل عشرة سنوات خدمة عسكرية عملية, اي رتبة نقيب وما فوق, واياك تفكر بانني نسيتكم لقد جاءني قائد كتيبتكم البارحة واخبرني انا والمستشار العسكري بانهم ارسلوا اليكم زحافة ثلجية منذ ايام لدعمكم بالطعام والمازوت لكنها غمرت في الثلج فاضطروا لارسال الاخرى لنجدتها وبدعم من مجموعة عساكر وقد اعادوها وانا منذ البارحة اتصلت بقيادة الفرقة لدعمنا باحدى الهيليكوبترات لانزالها في منطقة لا زوابع ثلجية فيها لنقل اللوازم وبعض العساكر وبعدها ليقوموا بنقلها اليكم مشيا, لقد خدعوني للتستر على عيوبهم واخبروني بالموضوع مؤخرا لذلك تأخرت في مساعدتكم, انهم خونة سانزل فيهم اشد العقوبات, هؤلاء غير مؤهلين ليكونوا مظليين ولا ان يحاربوا ويقفوا في وجه الاسرائيليين, انا علي ديب, عندما ارسلتني وزارة الدفاع السورية في دورة تدريبية عالمية للمظليين في فرنسا شارك فيها غالبية دول العالم وعند انتهاء الدورة وزع علينا رمز المظليين النسر المعدني لنعلقه على صدرونا فجعلت صدري عاريا عند استلامها وادخلت ابرةَ شَكْلَتِها في جلد ثديي والدم بدأ ينزل وقدمت التحية وعدت الى مكاني ومررت قصدا من امام ضابطين اسرائيليين كانا يشاركان في الدورة … بعد مدحه لذاته … التفت اليّ قائلا, انتم الاكراد اناس اوفياء ومضحون ومحاربون اشداء وانت خدمتني يوما ما وانا تكرمت عليك بيومين اجازة – والموضوع هو انه ذات يوم كان خطاط العمليات مشغول جدا فاستدعيت لاستلام بعض الخرائط العسكرية وطلب مني حينها قائد الفوج ان انهيها قبل الساعة السابعة صباحا حيث سيكون موعد تواجده في قيادة الفرقة ولربما بعدها يذهب لهيئة الاركان وباشرت العمل الساعة الرابعة عصرا ومن دون توقف طوال الليل وانهيته الخامسة صباحا في مكتبه وهو حينها كافأني بيومين اجازة وقال لي مازحا ليضحكني قليلا من شدة التعب, اين ستذهب اولا واين ستمضي اجازتك ؟ فقلت سامضيها في دمشق واول شيء سافعله ساذهب الى المطعم لأأكل فروجا مشويا, فمازحني مزح العساكر حينها قائلا, فروج مشوي وتضعه في الصحن وتأكله على الطاولة أنا اوافقك عليه, اما وان تأخذ فروج شامي نيء وتأكله على الفرشة فذاك ممنوع لان اغلبهن مريضات واريدك ان تذهب صحيا سليما وتعود الينا سليما – وبدأ يسألني, هم هددوك بالاعدام في حقل عرطوز العسكري ؟ هذا يعني انهم يشعرون بانهم هم القضاة والقضاء والمحكمة وهذا يشعرني بانهم خائفون منك فصارحني وخبرني على عجل ان كنت تعرف اسرارا واشياء اخرى عنهم, واجبته بالتفصيل : 1- الضباط كلهم يتعاطون الحشيش ويلعبون القمار واللذان يديران شبكة القمار داخل الفوج هما ضابطان مسيحيان احدهما هو المقدم نعيم من قلعة سمعان والاخر هو المقدم منصور من حمص ولديهما حتى شبكات دعارة في دمشق, اما بالنسبة للحشيش فقد اكتشفت بمساعدة بعض العناصر حيث جنديان علويان متطوعان من طرطوس يبيعان الحشيش ويروجانه ويراودان باستمرار خيمة قائد السرية الذي فاتحته بالموضوع واسكتني على الفور وقال لي, لدي عناصر امنية خاصة وهي مكلفة بنقل المعلومات اليّ وانت لم يطلب منك احد ذلك وانا مسؤولك واحدد مهامك, فاجبته حينها, بانني اعرف حدودي ومهامي ولكنني في الجبهة وامني الشخصي مرتبط بامن كل شخص متواجد هنا ولا يمكن ان اثق بزملاء لي يتعاطون الحشيش واعتمد عليهم للقتال معا في خندق واحد بل ولن اتجرأ ان اعطي امراً لعسكري محشش اثناء القتال فهو قادر ان يرفض الامر ويوجه بندقيته الى صدري بكل سهولة ويرديني قتيلا, لكنه لم يعطي اي اهتمام لما قلته له. 2 – الضباط المتطوعون عبارة عن عصابة ويغطون على بعضهم باستمرار فاذا احدهم كان محششا او لديه جلسة قمار او يكون في اجازة وبنفس الوقت لديه واجب اعطاء درس نظري او عملي فيوكلني قائد السرية او نائبه بالقيام بالمهمة وعلما كل فترة يذهب احدهم للاجازة بشكل سري وعندما يعود يذهب آخر وانت تعلم نحن في الجبهة والنزلات والاجازات ممنوعة علما ان هذا الشيء ليس بشيء امام شيء آخر اريد اعلامك به وهو انني استطعت اكتشاف شخصين فقط واحدهم صف ضابط اسمه عماد سرميني ولدى والده محل تجاري ضخم في حلب ويخدم عسكريته فيه بعد الاتفاق مع قائد السرية المتفق مع قائد الكتيبة ويستلم شهريا راتبه العسكري بالاضافة الى دفع خمسمائة ليرة سورية كل شهر اي بمعدل ثمانمائة ليرة سورية يحصل منه شهريا, واما الاخر فهو المساعد اول علي هواش من جبلة وأحد سائقي قائد الكتيبة لا يخدم كعسكري اطلاقا ومعه سيارة جيب عسكرية ويعمل في تهريب البضائع من لبنان الى سوريا وقيل لي هناك عساكر آخرون اختفى حضورهم من الكتيبة حيث يدفعون الرشاوي ويخدمون في بيوتهم او يذهبون للعمل في اراضي وقرى بعض الضباط لصالح عائلاتهم …؟. 3 – هناك موضوع حساس جدا وانت تعرف ان بعض من ابناء المدن الكبرى مثل دمشق وحمص وحلب وهم بخلافنا نحن ابناء العشائر الكردية والعربية فلديهم انحلال اخلاقي وعديمو الشخصية وعندما يأتون للجيش يتقاتلون على مهنة ” الحاجب ” والذي مهمته هو القيام بطهي الطعام وغسل ملابس الضابط الذي يعينه لديه وبعدها يتحول الى لوطي بسبب الانعدام الاخلاقي لدى بعض الضباط, بل وقيل لي بان اللواطة المتبادلة ايضا متفشية بينهم .. الخ. توقفت عن الحديث وهو كله آذان صاغية فرفع رأسه ونظر اليّ وخرج بصمت لكن جسمه يرتجف. اصبح وقت الغذاء وتغذيت غذاءً دسما مع مرافقيه وبعد شرب الشاي جاءني ضابط واخذ بيدي ورافقني احد المرافقة وسجَّان برتبة مساعد اول وابتعدنا خمسون مترا حيث بداية وادي والتقاء هضبتين وهي حفرة لها جداران طبيعيان ارتفاعها بحدود مترين واكثر وقد تم ايصال الجدارين ببعضهما بجدار مبني من الحجارة وفيه باب مدعوم بقفل ليشكل غرفة مثلثة الجدران ومغطى بخيمتين ويوجد في داخلها ثلاثة سلاسل حديدية وكل منها مثبتة بصبة اسمنت تحت الارض وفي رأس كل منها طوق يفتح ويغلق بالمفتاح. نظر اليّ الضابط بابتسامة مصطنعة وقال : استجابة للامر العسكري الصادر من قائد الفوج والى حيث انتهاء التحقيقات العسكرية اللازمة فانت ستبقى هنا مؤقتا ليوم او يومين وعليك القبول بالامر العسكري وطلب مني مسدسي فاعطيته ونظرت الى اعين الحضور واحدا تلو الآخر بصمت لانني شعرت بالخذلان والخيانة المستمرة من اولئك المستعربين حاملي لواء العروبة الخائنة. خرج الثلاثة مسَلِّمين عليّ بعدما اقفلوا الطوق الحديدي حول ساقي, بدأت بفحص الغرفة فشاهدتها محصنة بشكل جيد وبجانبي توجد حفرة مصبوبة حولها باسمنت وهي عبارة عن تواليت. بدأت اصفن في الاسوء لكنني اعرف ذاتي باني كردي لن انهار ولن الين, وجاء المساء فاتاني السجّان بالعشاء وهو رغيف خبز وبيضة وبطاطة مسلوقة وكاس شاي وذهب, اما انا اكلت عشائي وقضيت ليلتي راقصاً من شدة البرد ولعدم وجود مدفأة في الخيمة وقضيت على تلك الحالة ايامي ولياليي واقول لذاتي لقد عملت بكل طاقتي ونجوت بستون شخصا من الموت المحتم بسبب ثلوج قمة الحرمون الجولانية واليوم ادفع ثمن ذلك في فخ الموت المحتم بسبب ثلوج اسفل الحرمون, وبدأت اترجى السجّان لمساعدتي لانني اشعر بالموت من شدة البرد وعدم النوم واطلب منه يوميا لفتح المجال لي باللقاء مع صديقي العلوي الذي يقضي خدمته العسكرية في قسم عمليات الفوج, وذات ليلة وبعد قضائي سبعة عشرة يوما واذا بباب الخيمة فتح ليلا ودخل السجّان ومعه صديقي العلوي وبيده بطارية بيل للاضاءة فوضعه فورا على حَجَرة حائط ليصبح فانوسا للخيمة وجلسنا معا القرفصاء وسألني ان كنت مصاب بمرض عضال لانني كنت كمن يعيش في براد لحفظ اجساد الموتى وكنت قد فقدت معظم قوتي وحيوية جسدي وغمزته ففهم بان الحديث بيننا يجب ان يكون رمزيا ومقتضبا لان السجّان صحيح انه اشفق علي وقال لي مرارا بانني مظلوم وسمح بلقائنا الا انه يبقى جاسوسا وعميلا لسلطات القمع والارهاب, وشرحت لصديقي عن وضعي باقتضاب وقلت له كل همي كان ان التقي بك واعطيك عنوان اهلي واقول لك بانني اذا متُّ ان تتولى بارسال جثتي الى اهلي وليس بدفني في حفرة مهجورة منسية في هذه المنطقة, امضينا معا خمسة دقائق فقط في سجن البعثيين وعتمة ليل العروبة وتحت نور اضاءة ماركسية خافتة خائفة, وشكرته وشكرت السجّان وذهبا. بدأت اشعر بشيء من الامل وقلت لنفسي بانني انا الميت ونجحت في ايصال صوتي من هذا القبرالى الخارج الحيّ وصديقي ليس بانسان عادي بل انه ثوري ماركسي مناضل لا يلين وهو ابن احد ابناء عمومة الضابط العلوي صلاح جديد ابن قرية دُوَيْر بِعَبدا الذي اقام حافظ الاسد بالانقلاب عليه وعلى نورالدين الآتاسي رئيس الجمهورية ووضعهما في سجنين للاقامة الجبرية حتى ماتا فيهما. وعلمت بعد خروجي من السجن بان رفيقي الماركسي كان حينها قد اخبر المستشار العسكري الماركسي بالامر وهو الذي كان يناديني دائما بالروسية تافاريش كردسكي اي الرفيق الكردي وخططا معا لانقاذي وذهب بعدها المستشار وفتح الموضوع مع قائد الفوج دون ذكر اسمي والتظاهر بالدفاع عني وخبره بانه عرف عن طريق بعض الضباط بان المسؤول الذي افرغ الموقع في قمة الجبل من العساكر بسبب الثلج قابع في السجن وقد اخفي عنه امور كثيرة حول الموضوع ومن حقه ان يلتقي بي ويستفسر عن خبايا الامور وبقي مسألة طلب اللقاء بي بينهما بين الشدّ والجذب لمدة يومين واضطر قائد الفوج بالموافقة عل طلبه كي لا يتوسع التحقيق اكثر والمستشار الروسي شريك في معرفة كل الاسرار السرّية للفوج ولديه اتصالات عليا, وبينما انا كالعادة أئن وحيدا واتحسس اصوات الاقدام المتحركة واعتمد فقط على حاسة السمع وحدها لمعرفة الاشياء المارة بقرب السجن واذا بطبطبة اقدام السجّان الذي اصبحت اميزها من غيرها, فتح السجّان السجن مبتسما وقال لي لقد نجحت خطتك يا ماكر والان فهمت لماذا كنت تترجاني يوميا باللقاء بصديقك الذي من الواضح لعب دورا في اطلاق سراحك ولكن لا تنسى بانني انا الذي فتحت المجال وكنت الداعم الرئيسي وفتح الطوق من حول ساقي وذهبنا معا وشكرته كثيرا ومن ثم دخلنا مكتب قائد الفوج وقدمت التحية له وللمستشار معا وهو امرني بالجلوس وبدأ يشرح لي بانه كان مضطرا لسجني لكي تأخذ التحقيقات مجراها وان كل شيء هو لصالحي بعد اجراء التحقيقات مع قيادات الجماعات الذين اثبتوا صحة ما اخبرته به حول الموضوع واكدوا له ايضا بانهم كانوا شركاء لي في اخذ قرار مغادرة الموقع وعليّ ان استوعب بان سجنه لي كان لصالحي. لم انطق بشيء لانني شعرت بالخيانة من قِبله بعدما اعطيته كافة المعلومات وكافأني بالسجن القاتل وشعرت بأن السكوت مع اناس اقوياء ولا ضمير لهم هو الافضل. نظرت الى المستشار فابتسم معي مع هزة لرأسه وسألني عمّا حدث, فسردت له كل شيء من البداية وشعرت قائد الفوج لا يريد ذلك فاكملت الحديث وهو التفت اليه بابتسامة ورفع الحاجبين, عندما انهيت الحديث خاطبني قائد الفوج, كم يوم بقيت في السجن, فاجبته عشرون يوما في زنزانة منفردة وسط الثلج ومن دون مدفأة, فسحب درج طاولته واخرج دفتر الاجازات وسطر عليها عشرون يوم اجازة وطلب مني الوقوف باستعداد وسلمني اياها ووجه يده بقوة نحوي وخاطبني بعينين مملوءتين بالغضب والحذر : ( اسمع جيدا, لقد وضعتك في السجن وكان لصالحك واحذرك تحذيرا شديدا ان تذهب الى كتيبتك السابقة وان التقيت باحد ضباط سريتك السابقة صدفة في مكان ما فحاول بشتى الوسائل ان تتجنبه وان اراد احدهم النيل منك فاتصل بمرافقتي فورا لينقلوا اليّ الخبر, اذهب الان واقضي اجازتك وبصمت واعتبر ما حدث معك هو سرّ عسكري ممنوع الاباحة به لاي شخص وبعد العودة من الاجازة سلم مسدسك وبدلتك وحزامك وطاقيتك وبوطك العسكري لمرافقتي وهم سيعيدونها الى كتيبتك السابقة وسيجلبون اليك اغراضك المدنية الموجودة هناك وبعدها ستستلم كل اللوازم العسكرية الجديدة من قسم عمليات الفوج لانك ومنذ اللحظة اصبحت من املاكه واشار بيده نحو المستشار قائلا, ستعمل مع هذا الرجل سيادة العقيد المستشار وقائد عمليات الفوج وانت تعرف كليهما سابقا… مفهوم… واجبته بنعم وثبتت رؤوس اصابع يدي في جبيني لاداء التحية لهما الاثنان وتراجعت خطوتين للوراء ومن ثم ادرت وجهي نحو الباب وانزلت يدي وخرجت, فلاحقني احد سائقيه وطلب مني الانتظار وبعد خمسة دقائق اصطحبني بسيارة جيب واز صغيرة وقال بانه سيوصلني لمكان يمر فيه الباصات وفتح الحديث معي وشعرت بانه كان بتوجيه من قائد الفوج وبدأ يقول : ( قائد الفوج يحبك ويمدحك واياك تفكر بانه وضعك في السجن لايذائك واراد ان تكون في السجن في تلك الظروف لانه كان يتوقع ان تأتي دورية للتحقيق معك بشكل مفاجىء من قبل جهات مسؤولة عليا, كونه رفع تقريره ضدّ اولئك الضباط وسمعت بان كل منهم نال عقوبة كسر رتبة وهي خسارة اربع سنوات خدمة وهم اذا تمكنوا منك سيأذوك او يقتلوك ولذلك ان القائد كان له حساباته الخاصة ووضعك في السجن لامنك وابعادك عن الانظار وعليك ان لاتفكر بشكل سطحي فانا علوي ومضطلع على اوضاع الفوج اكثر منك وعصابات رفعت الاسد نشطة وهي ان استطاعت ستؤذي قائد الفوج نفسه وكل ضابط في هذا الفوج هو مرتبط بضباط آخرين في مواقع وقطعات عسكرية اخرى ضمن شبكات موزعة في كامل الجيش السوري ونحن العلويون لسنا جسد واحد فطائفتنا تتكون من فروع وطوائف اصغر وكل يشد لصالح طائفته وعشيرته فلدينا : حديديون, مرشديون, گلازيون, ماخوسيون, حيدريون …الخ, وانا لدي اكثر من عشرين عاما خدمة وخبرة في الجيش واعرف ان غالبية الضباط جهلة واميون وتفكيرهم محدود وضيق جدا وهؤلاء خير مثال على ذلك فبدلا من ان يكافئوك ويصححوا خطأهم بهدوء, هددوك بالقتل لاسكاتك او لضياعك وما غلبوك ونالوا ضربة, وقائد الفوج ذاته قال, بأن هؤلاء الضباط حمقى فبدلا من تصحيح خطأهم ارادوا ان يثأروا منه, لذا فان تمكنوا منك سيأذوك وعليك ان تبقى حذرا ). جاء الباص وافترقنا بالتحية والسلام ووصلت الى دمشق وكنت قد انهيت تقسيم اجازتي وانا في الباص بان اقضي نصفها في دمشق والنصف الاخر مع عائلتي في محافظة الحسكة. عشرون يوما في براد من الجليد والثلج حولتني الى رجل محنط ينقصني فقط التابوت والقبر لانني كنت امشي وادوخ واضطر للوقوف. بدأت اجري الفحوصات الطبية العامة من شدة الحرقة والالم المستمر في كل جسدي, ووفاءً للسرّ العسكري, اعلمت الاطباء فقط بانني كنت محصورا بين الثلج لمدة عشرون يوما في قمة جبل الشيخ وبدؤوا يشرحون لي بان الثلج كالنار حارقة وحولتك الى مومياء محنطة وخلقت التهابات عظمية, عصبية, عضلية فذوبتك ووصفوا لي ادوية فرفضتها وقلت افضل الموت على ان أأخذ الادوية الكيميائية وساعدني الطبيب المختص في المشفى العسكري بان احصل على مساجات يومية على يد معالِجة فيزيائية:
لمستني يد حسناءٍ لها بسمة كالمغناطيس تَرَددها
تمـس الاعصاب والعضلات المتشنجـة فَتُمددها
وان مسـت قلبي واعيني بسهـام الراحـة تُسَددها
لها انامـل جعلت من جسدي نايـاً يغـازل تَوَددها
انها صيدلية ادويةٍ ومعَالجة الداءِ لمستها تُحَددها
وبالاضافة لوصفة المساج نصحني بوصفات خاصة بالطعام وانا كعادتي كنت مسبقا من ملتهمي البصل والثوم النيء وزيت الزيتون بشراهة وتلك كانت اللبنة الاولى في اعادة بناء صحتي وحيويتي اما اللبنة الثانية كان اللقاء مع عائلتي في مدينة الحسكة وانشراح صدري والتمتع في المطبخ الكردي الدسم, ورغم قلق والدايَ من ذبول مظهري ظنا باصابتي بمرض, لكنني اثبت لهما بان الثلج المنشّفة والحارقة هي من ذوبتني وحولتني الى هيكل عظمي.
ملاحظة : عشرون يوما سجينا بين الثلج والحرارة تحت الصفر وبدون تدفئة, قد يبدو لا شيء للسطحيين من الناس, لكن من يتخيل بأنه مات يوما وبقي جثته ممددة عشرون يوما في براد الاموات داخل المستشفى فهو سيقرب احاسيسه من الحقيقة.
– صورتي هذه صورتها على علو 2800 متر, اعلى قمة من جبل الحرمون في الجولان بين سوريا واسرائيل ويوجد هناك بقعة ارضية مسطحة ذو تراب احمر خالية من الصخور وهي صالحة للانزال الجوي وهبوط الهليكوبترات فيها, والثلج الموجود هو قديم وليس لذات العام. واقول وانا الكُرديُّ على الاقل استطعت من خلال هذه الصورة ان اجعل السوريين ان يتعرفوا على الجولان وقمم جبال الشيخ او الحرمون, بينما حافظ الاسد وابنه بشار لم يشاهدا ابدا الجولان باعينهما وبقيا خمسون عاما يتاجران بها كرمز لعروبة حزب البعث العربي العنصري النجس وحكمهما ؟.
د. آلان آسمان.

