Homeمقالاتالسجن الثالث, عام 1992: د. آلان آسمان

السجن الثالث, عام 1992: د. آلان آسمان

بعد نشري ديواني الشعري الاول “راستي” باللغة الكردية عام 1990, بدأت احضر ديواني الشعري الثاني “دردو” باللغة الكردية ومجموعة قصصية باللغة الكردية “الفلسفة الكردية” للطبع, لكنني لم اكن مرتاحا لقواعد المير جلادت بدرخان التي كنت استخدمها في الكتابة الكردية بسبب اكتشافي لوجود اخطاء نحوية واملائية فيها, بدأت ابحث بشكل دقيق في قواعد اللغة الكردية للهجة الكرمانجية والتي يتحدث بها تسعون بالمائة من الشعب الكردي وتحمل في طياتها ايضا قسما من قواعد اللهجات الكردية الصغيرة ومنها السورانية. بدأت اكتب قواعد اللغة الكردية معتمدا على النهج العلمي وعندما انهيت كتابي اللغوي شاهدته للضليع باللغة الكردية واحد الاصدقاء المقربين من المير جلادت بدرخان, القائد القدير آپو اوسمان صبري والذي دائما كنت اناقشه في الامور اللغوية علاوة عن الامور السياسية, وحينها نصحني بحذف الفقرات التي فيها نقدت وصححت اخطاء اللغوي الكردي جلادت بدرخان متذرعا بأن “العقل الكردي لم يصل بعد لمرحلة قبول النقد, والسرقات السياسية والادبية هي سمة الجهلة والمرتزقة في مجتمع عقله محتل من قبل المحتلين لكردستان, ومرض انانية العظمة التوهمية المتفشي في الوسط الثقافي الكردي هو انعكاس مباشر لذاك المتفشي في الوسط السياسي الكردي, وان نقدك لشخصية اصبحت لها قدسية بين الشعب الكردي سيكون سببا للهجوم عليك ومحاربتك من قبل صغار القوم والحثالات التي تعتاش على اسماء المشاهير وتتحرك طائشة بدافع الحقد والكراهية, علما ان المير جلادت نفسه كان كل فترة يكتشف اشياء جديدة ويصحح لنفسه اخطاءه اللغوية, فاستمع اليّ كوني صاحب تجربة مريرة …”. اصغيت للعالم بالامور وخباياها اكثر مني, وحذفت قسما من كتابي وقلت للقائد لقد فعلت بنصيحتك وما حذفته سأنشره في المستقبل. عندما حضرت كتبي الثلاث للطبع, احترت في طبعهم كون المؤلفات باللغة الكردية واي كتابة تخص الكرد ممنوع طبعها ونشرها في سوريا, فاشتكيت للقائد آپو اوسمان, عن خطورة الطبع في لبنان وادخالها الى سوريا عن طريق التهريب المكلّف, فدلني الرجل على صديقه وتلميذ المير جلادت بدرخان, السيد عبد العزيز كرم ابن الطائفة الشيعية, الذي كان يعمل لدى المير في عهد الصبا وبعد استشهاد المير جلادت على يد الاستخبارات المشتركة, ” التركية المصرية السورية “, اسس لنفسه مطبعة كرم. ذهبت اليه حسب العنوان وعرفته بنفسي وبمن ارسلني اليه, ففرح كثيرا واستقبلني خير استقبال واتفقنا بعدها بساعة للذهاب الى لقاء آپو اوسمان صبري. انطلقنا بسيارته من مطبعته الواقعة بالقرب من حي شارع الامين الذي تقطنه الطائفة الشيعية في دمشق ثم بعدها تسلقنا جبل قاسيون ووصلنا الى بيت آپو اوسمان, فكان الاستقبال حارا جدا, وبدأ الشيخان العجوزان يتذكران ايام الصبا ويقصان الاحاديث في الثقافة والسياسة وما لهما من باع فيها في مراكز ومقاهي دمشق وبطل قصصهم جلادت بدرخان كان حاضرا بقوة, وبعد اللقاء وعند الافتراق, قال آپو اوسمان اريدك ان تساعد هذا الشاب في طبع كتبه فهو صديق ومصدر ثقة, فرد عبد العزيز كرم, سألبي طلبك على الرأس والعين لكن انت تعرف اذا اكتشفت السلطة بأني طبعت باللغة الكردية فحتما سيغلقون مطبعتي بالشمع الاحمر وسأدفع غرامات مالية ضخمة, واخشى السجن ايضا لذلك فاني بحاجة الى تكتيم السرّ, فرديت عليه, كن مطمئنا يا عم, ابو اسامة, فنحن اهل الثقة. اثناء طبع مؤلفاتي بنيت علاقة صداقة جيدة مع السيد عبدالعزيز كرم “ابو اسامة” وذات يوم قال لي ما رأيك ان تأتي معي لأعرفك على الدكتور اسعد علي ابن الطائفة العلوية, رئيس كلية الآداب وبروفيسور اللغة العربية في جامعة دمشق ؟ فوافقت وذهبت معه الى بيته الواقع في حي مزة الجبل وهناك التقيت برجال دين شيعة عراقيون وايرانيون. بعد المعرفة اكتشفت ان بيته مركز للتشيع للعلويين ولآخرين من الطائفة السنية, ومع هذا ربطني به صداقة قوية, واهديته نسخة من كتابي قواعد اللغة الكردية بعد الطبع, كونه مترجم ومكتوب باللغة العربية, وحينها ارادني ان ازوره مساء في بيته متى ما اريد. ذات مرة في احدى زياراتي له حدثت نقاشات حادة بيني وبينه وبعض الشخصيات العلوية التي كانت تتواجد في بيته, فاكدت لهم بأن ظلم الطائفة العلوية لا يختلف عن ظلم الطائفة السنية بحق الشعب الكردي ولنترك الحقوق السياسية الكردية جانبا فعلى صعيد الحقوق الثقافية, فاللغة الكردية ما زالت ممنوعة من التعليم والكتابة حتى يومنا هذا من قبل النظام البعثي, بينما يسمح بتعليم اللغة العبرية في جامعة دمشق وكم اتمنى ان تساووا بين الكرد السوريين ولغتهم الكردية مع اليهود الاسرائيليين ولغتهم العبرية في تقديراتكم الوطنية, وحينها اتفقنا بأن اهدي نسخة من كتابي الى الرئيس السوري حافظ الاسد, والدكتور اسعد علي تعهد بايصاله له لوجود علاقات وصلات بينهم, وكتبت على غلاف الكتاب من الداخل:
سيادة رئيس الجمهورية الموقّر حافظ الاسد لك مني التحية والسلام والتقدير
خدمت في الجيش السوري في اعلى قمم الجولان ولدي اثنان وعشرون قفزا مظليا
اهدي لسيادتكم كتابي هذا لابلغكم بأن للكرد السوريين لغة تقرأ وتكتب ولها قواعد
بينما ممنوعة من التعليم في سوريا وارجوا من سيادتكم الاهتمام لكي يكون لها مكانا
للتعليم بين اللغات الشرقية كما للغة العبرية مكان للتعليم في جامعة دمشق وغيرها
سيادة الرئيس, اثمن نضالكم واتوقع منكم العطف واتمنى لكم دوام الصحة والعافية.
بعد كتابة هذه الاسطر, سألت الدكتور اسعد علي عن رأيه بها, فقال لي ” انها مقبولة, كوني اعرف سيادة الرئيس, يحب البساطة والوضوح في الكتابة “. بعدها غادرت دمشق, ثم عدت اليها بعد شهرين وحينها زرته في بيته وهو اكد لي بأن الكتاب وصل الى المرسل اليه, وانا شكرته وثمنت عاليا ما قام به خدمة لشعب مظلوم. الوقت يمضي وانا منهمك بتوزيع كتبي وبيعها سرا, مثلي مثل اي كاتب كردي سوري, اذا اراد طبع اي كتاب يهتم بشؤون الكرد فسيكون بالسرّ ثم سينشره ويبيعه ايضا بالسرّ عن طريق الاصدقاء والمعارف, وانا كنت قد نشرت كتبي بالاضافة الى مدن محافظة الحسكة ثم كوباني وعفرين, ايضا كنت نشرته بين عدة احياء مدينتا حلب ودمشق حيث يتواجدون الكرد, واثناء تواجدي في دمشق وبينما كنت اقيم في فندق شعبي هادىء في حي باب الجابي, طرق احدهم باب غرفتي في الساعة العاشرة ليلا, وظننت انه موظف الفندق, ففتحت الباب واذا بشخصين بلباس مدني وكل منهما يحمل على خاصرته مسدسا, فسألاني عن اسمي ثم طلبا مني بطاقة الهوية الشخصية, فسألتهما من انتما, فرد احدهما, نحن دورية امن سياسي, وبعد تدقيق الهوية وتفتيش الغرفة, طلبا مني تسليم مفتاح الغرفة لمسؤول الفندق والذهاب معهما, فركبنا سيارة جيب عسكرية ووصلنا الى قسم الفيحاء السياسي, وهناك تم وضعي في زنزانة منفردة بصمت وهدوء, وبعد ساعة استدعيت الى غرفة التحقيق, فتم ربط يداي وقدماي ثم انحناء جسدي حتى لامس رأسي ركبتاي ووضع جسدي في الدولاب فبدأ ضابط التحقيق بتقديم نفسه, انا المقدم نايف, ثم سألني ونسخة من كتابي قواعد اللغة الكردية بين يديه: ( اين طبعت كتابك ؟ اجبته: طبعته في لبنان. كيف ادخلته الى سوريا ؟ اجبته : عن طريق المهربين اللبنانيين الذين دفعت لهم المال. ألا تعلم ان تعليم اللغات الاجنبية, مثل اللغة الكردية ممنوعة في سوريا ؟ اجبته: كلا يا سيادة المقدم, اللغات الاجنبية كلها يتم تعليمها هنا, فقط اللغة الكردية ممنوعة !. نعم هذا صحيح, ولكن الكرد والعرب شعب واحد, وهل هناك داعي لتتعلموا لغة اخرى مصطنعة, ميتة, ومحاولة احياءها, بينما اللغة العربية عريقة والله ذاته اصطفاها وانزل كتابه القرآن بها وهي لغة اهل الجنة ؟ ثم ماذا تقصد من المقدمة التاريخية التي نشرتها في كتابك ؟ هل تريد ان تقول بأن الشمال السوري هو اراض كردية ؟ وماذا تقصد بأن العرب يعلّمون اللغة العبرية في الجامعات العربية, فهل تتهمنا بالخيانة ؟ انتم الكرد مهاجرون وتعيشون على اراض عربية وتحت حكم عربي فعليكم الالتزام, وعدم التزامكم يعني انكم ضد النظام وقوانينه وهذه عقوبتها السجن لسنوات, وانتم الكرد رغباتكم انفصالية, انتم تطمحون باقامة دولة اسرائيلية ثانية في شمال سوريا شبيهة بدولة اسرائيل المصطنعة في جنوب سوريا, في فلسطين….), فتجرأت بالرد, محاولا الاختصار بشدة كي لا اثير غيظهم, كوني اعلم بأنني امام اشخاص مستعربون جهلة, يحملون افكار الغزاة, اولئك قطاع الطرق وصعاليك صحراء الربع الخالي وكل اركان ثقافتهم وحضارتهم هي الغزو والقتل والسرقة واغتصاب اعراض الاقوام المسالمة باسم الههم والدين الاسلامي: ( سيادة المقدم, انا كردي والله خلق الشعب الكردي, واللغة الكردية حق الهي مكتسب وافساح المجال لتعليمها لن يكون لها تأثير سلبي على النظام الحاكم وعلى اللغة العربية وعندما كانت اللغة العربية في مأزق اثناء وجود الاستعمار الفرنسي لسوريا, باع الكردي ” محمد كرد علي ” قطعة من اراضيه هنا في غوطة دمشق واسس مجمع اللغة العربية للدفاع عن لغة العرب, ونحن الكرد جميعا نحترم العرب واللغة العربية ونتمنى منكم ذات الشيء نحونا, واستغرب ان تدرّس اللغة العبرية في جامعة دمشق وتدّعون بان اسرائيل عدوة العرب وفي نفس الوقت اسرائيل تدرّس اللغة العربية في جامعاتها ولا تمنع الفلسطينيين من التعلم والكتابة بها, بينما اللغة الكردية يتكلم بها الملايين من الكرد وهي ممنوعة, والآثار المستخرجة من خلال الحفريات في اراضي شمال سوريا كما ذكرتها في مقدمة كتابي, تؤكد بأنها لاقوام هندواروبية وهم اجداد الكرد السوريون, اما انا فملتزم في هذا الوطن بالنظام اكثر من الجميع, انا كوماندوز مظلي احمل اثنان وعشرون قفزا مظليا وخدمت في الجيش السوري فترة اربعة سنوات والتزمت بالقانون ونفذت الامر العسكري عندما وضعتني قيادة الجيش على رأس ستون عسكري انتحاري في الخط الامامي للجبهة في مواجهة الجيش الاسرائيلي في اعالي قمم جبال الجولان وبين الثلج..!؟ … وبينما كنت ما زلت اتحدث وفجأة هاجمني احدهم كان يقف هناك وبدأ يضربني بالكبل الرباعي على قدماي وبقدميه على جسدي, ثم صعد على جسدي وبدأ يرقص على رأسي ويقول (لا يوجد في الكون كله رأس يابس مثل الرأس الكردي ولن يلينه سوى البوط العسكري…الخ). بقيت في التحقيق ولاقيت التعذيب باسلوب الدولاب, التعليق من المعصمين بالباب او الحائط, وضع ملاقط كهربائية في المناطق الحساسة من الجسم, او جعل جسد السجين كرة قدم تتلقفها اقدام بعض المحققين الهمج من متعاطي الخمر والمخدرات. استمريت في تلك الوضعية لفترة اسبوعين فقط, وبعدها قضيت ستة اشهر في زنزانة منفردة والتي هي عبارة عن تواليت صغير معتَّم تحت الارض طوله متران وعرضه متر ونصف, وبسبب قذفي الدم من رئتي تم تحويلي الى سجن عذرا المركزي وهناك في الجناح السياسي رقم اثنان اعطي لي علبة دواء مضاد للالتهابات ولمرة واحدة فقط. شعرت بالراحة قليلا في قاعة السجن كونها تختلف عن الزنزانات المنفردة, لان السجين يستطيع فيها مشاهدة النور, مشاركة الاخرين في تناول الطعام وتبادل الاحاديث ..الخ, لكنها خطرة ايضا, لان السجين البسيط الذي لا يملك البنية الثقافية والتكوين الشخصي, يبقى لقمة سائغة لاشخاص ذات كاريزما او عصابات منظمة داخل السجن يبحثون عنه لتنظيمه وتسخيره لمآربهم داخل وخارج السجن. في الاسبوع الاول في السجن استطعت ان اعرف سبب سجن غالبية السجناء معي في القاعة وعرفت ان اكل السجن سيء للغاية بتوجيه من ضباط المخابرات رؤساء اجنحة السجن كونهم تحولوا الى تجار يبيعون مواد الاكل للطبخ ولوازم اخرى الى السجناء ويستفيدون منها ماديا, وتعرفت حينها على افراد المجموعة التي اشاركها شراء الاكل وطبخها واكلها معا وهم كانوا عبارة عن عناصر دورية امن سياسي تم سجنهم مع مجموعة اخرى من المهربين, والسبب هو ان دورية من شرطة المكافحة للكمارك قبضت على احد المهربين في دمشق وهو في التحقيق اعترف بأن مجموعته ادخلت مواد ممنوعة من لبنان الى سوريا بعدما دفعت رشوة لدورية الامن السياسي على الحدود, وهكذا بعد التحقيق والتأكد, المجموعتان ادخلتا معا الى السجن. من بين السجناء في القاعة شاب في العشرين من عمره, ومنذ البداية عندما شاهدته, قلت له اني شاهدتك من قبل, وانت تشبه شابا كان يأتي لنا في الظلام بالشاي والفطور الصباحي داخل الزنزانات في قسم منفردات فيحاء السياسي وبنفس الوقت اشعر بأن لغتك العربية ضعيفة, فيا ليتك تعرفني بنفسك وتخبرني من اين انت..؟, ضحك الشاب الظريف, وقال لي: نعم انا هو بعينه, واسمي سليمان خلف, وانا كردي من محافظة الحسكة, من قرية قرديسي الواقعة بين مدينتي الحسكة والقامشلي, فتحدثت معه بالكردية وهو بدأ يرتاح لي ويثق بي وبعد ايام صارحني وقال لي قصته الحقيقية التي سببت سجنه ” انا شاب قروي ومحدود الثقافة, جئت الى خدمة الجيش وتم فرزي لصالح الامن السياسي, ثم عينت في مكتب رئيس قسم الاحزاب السياسية في دائرة الامن السياسي العام في سوريا, وهناك في المكتب كنت اقوم بأعمال ادارية حسب الطلب, وبما ان رئيس القسم كان من عرب العشائر المنتشرة في قرى مدينة حمص, كان احيانا يرسلني الى والده في قريته لارعى لهم الغنم واساعده, وهكذا كنت اتنقل بين الريف والمدينة, وذات مرة كنت في اجازة اقضيها مع عائلتي في قريتي قرديسي, زارني صديقي الشاب لقمان فاطمي والذي كان عضوا في حزب العمال الكردستاني, وعندما عرف مكان خدمتي العسكرية, طلب مني باسم الصداقة بأن ادقق في السجلات التي تخص الاحزاب الكردية واسماء الكرد العملاء للمخابرات, وانا وافقت, وفيما بعد وفي اجازة اخرى الى عائلتي في قرية قرديسي, اعطيت المعلومات الى لقمان فاطمي, ويبدو ان الخبر انتشر ووصل للعملاء والجواسيس من الكرد الذين اوصلوه بدورهم لسلطات الحكم البعثي, وبعد التدقيق اكتشف امري, فأدخلني مسؤولي في زنزانة منفردة في قسم فيحاء السياسي, لكن خدماتي لعائلته ووالده في حمص, جعل والده يتدخل لصالحي ويخفف عني الحكم, ثم اخرجوني من الزنزانة واصبحت اخدم المساجين في الزنزانات, وبعد قضاء فترة طويلة هناك تم تحويلي الى هنا حيث سجن عذرا المركزي “. حينها مجدته على موقفه القومي النبيل لخدمة قوميته ضد النظام البعثي العنصري وضد الجواسيس المنظمة في احزاب كردية, ينسبون ذواتهم الى القومية الكردية وهم عبارة عن مرتزقة مخنثون لا يصلحون لشيء ويتاجرون بالقومية الكردية للحصول على لقمة عيشهم والاغتناء بها, اما حزب العمال الكردستاني سجل انتصارا مشرّفا للحفاظ على امن شعبه الكردي, باختراقه الامن القومي العروبي البعثي العنصري. قضيت شهرا في السجن وذات يوم في منتصف النهار, فتح باب القاعة وثلاثة سجناء جدد دخلوا وقدموا سلامهم, رديت لهم السلام مع الاخرين وانا ادقق فيهم وبدت لي ملامحهم كردية, فرحبت بهم وتحدثت معهم وتبين بأن لغتهم العربية ضعيفة, وقلت للاكبر سنا بينهم, من انتم ومن اين انتم ؟ فردَّ بأنهم من القامشلي, فتحدثت معه باللغة الكردية وسألته عن اسمه, فقال, اسمي ابراهيم گلو والشابان الآخران هما من عائلتي ونحن من حي الهلالية, وقلت له اعرف عائلتك جيدا, ثم قلت له بأن عائلة گلو, وعائلة فاطمي, هما في مكان التقدير والاحترام لدى كل الشرفاء من الشعب الكردي, كونهما عائلتان قدمتا الشهداء اكثر من الجميع في طريق تحريركردستان المحتلة, وبعدها سألته عن سبب سجنهم, فتبين بأنهم اعضاء في حزب العمال الكردستاني وقد قاموا بضرب بعض المثرثرين السوقيين الذين شتموا مقدسات حزبهم, فقلت له, انا معكم في كل شيء, إلّا ضرب الكردي بيد الكردي فأنا ضدّه, وتأكيدا على ما اقوله, فمن خلال حضوري لمرات كضيف مدعو الى آكاديمية معصوم قورقماز في لبنان بمناسبة انطلاقة الخامس عشر من آب, سمعت خطابات القائد آپو اوج-آلان وهو كان يتناول هذا الموضوع ايضا, عندما كان يخاطب رفاق حزبه والضيوف ” … همشوا اولئك المثرثرين السوقيين الذين يشتمونني ويشتمون شهداءنا بامر من المحتلين لكردستان, وركزوا على المقاومة والثبور بعقلية ثورية في ادامتها, واكسروا مخططات الاعداء المحتلين الذين يحاولون اشغالنا عن الثورة بمهاترات الصائعين الضائعين …الخ “, اذا في تقديري وفهمي للمسائل النضالية, أن الثوريون الذين يقودون حربا ثورية شرعية في حزب العمال الكردستاني من اجل تحرير شعب ووطن محتل لا يمكن ان يتنازلوا الى مستوى بعض الكلاب الشاردة والمسعورة تلك التي تعض جسدها وتعوي في الطلق والشوارع لقاء عَظْمة او فُتاة يحصلون عليها من المحتلين لتنفيذ خيانتهم لدماء شهداء الشعب الكردي, وليقولوا للملإِ, اسمعوا نحن ايضا لنا وزن سياسي والدليل هاهم يضربوننا ويمنعوننا من النضال, وحقيقة نضالهم كله عبارة عن قذف بعض الشتائم وممارسة النميمة ضد الشرفاء الطاهرين, وعمليا هم يعرفون بأنهم اقل من اللاشيء, وتدربوا منذ الصغر في مدارس احزاب الخيانة للبروز بأنهم مثقفون وكل ثقافتهم هي ثقافة تقنية اخراج ضرطة القفا من الفم ايضا. بعد التعارف والمصاحبة وتناول الغذاء في ذات اليوم, خاطبت جميع السجناء وقلت نحن الآن اصبحنا خمسة كُرد في هذه القاعة ولنا الحق ان نشكل لنا (معزبة) اي مكان للجلوس والاكل معا, وفرشت احدى زوايا القاعة لتصبح معزبة كردية, لنتحدث بالكردية ونطبخ ونأكل معا. قبل ان اقضي شهرين في السجن بيومين, قال لي بسام جباعي رئيس دورية الامن السياسي المسجون بسبب اخذه الرشوة من عصابة تهريب, يوجد حلاق وهو سجين في هذا الجناح وسيأتي اليوم الى قاعتنا ليقص شعري ثم حاول اقناعي بكل الوسائل كي اقص انا ايضا شعري الطويل, فشككت في الامر, وعندما جاء دوري وبدأ الحلاق يقص شعري, قلت له, وجهك ليس غريب عني, ترى اين شاهدتك من ذي قبل ؟ وهو ردّ بالمثل, وبدأنا نسأل عن البعض واكتشفنا بأننا كنا معا طلابا في مدرسة ابي ذر الغفاري بمدينة الحسكة وأنه ابن عائلة الزوبع من عشيرة الجبور العربية والمنتشرة بين العراق وسوريا, ثم اخبرني عن سبب سجنه وتبين بأنه ذهب للعراق عندما استلم صدام حسين الحكم في العراق وهناك جندته الاستخبارات العراقية وارسلته الى سوريا بسيارة مفخخة لتفجيرها في دمشق لكن الاستخبارات السورية كشفته وقذفت به في السجن ليبقى اطول وقت ممكن. بعد مرور يومين وفي الساعة العاشرة صباحا, خاطبنا من الباب المشرف والمراقب المباشر على جناح السياسية, المساعد اول يحيى طنوس, “حضروا انفسكم, رتبوا غرفتكم, ان النقيب نعيم رئيس الجناح قادم اليكم”, وبعد عشرة دقائق جاء ليدقق فينا وقال, ” اريدكم جميعا ان تحلقوا لحاكم ” ثم سلم علينا وخرج. في الساعة الحادية عشرة ناداني المساعد الاول من امام الباب وقال لي, لقد اتى قرار اطلاق سراحك, جهز حالك واخرج فورا. جهزت نفسي سريعا وسلمت على الجميع ثم خرجت من القاعة ومشيت مع المساعد اول, خمسة امتار ودخلنا مكتبه, وهناك سلمني حقيبة اليد وقال لي دقق في اغراضك, وبعد التدقيق وخاصة في مبلغ المال الذي كنت احمله, قلت له, سيادة المساعد, انا كردي وهناك اربعة مساجين كرد في هذه القاعة فهل ستسمح لي باعطائهم مبلغ الفان ليرة سورية لكل منهم خمسة مائة ليرة كمساعدة ريثما يأتي عوائلهم وذووهم اليهم في حال اذا كانت هناك زيارات مسموحة, فقال لي كلا لا استطيع لانه ممنوع قانونا, فاستخدمت الدبلوماسية معه وقلت له, ان وضعهم المالي سيء وهم بحاجة للمساعدة وارجوا منك ان لا تمنع فعل الخير مع الاخرين, فإن ساعدت فالله سيفرجها عليك, صمت, ثم قال نعم موافق ولكن اتركهم عندي وانا سأعطيهم, استلم الالفان وقال لي, ابق هنا لا تتحرك سأأخذ هذه الورقة لختمها في ذاك المكتب القريب وسأعود حالا, هو ذهب وانا ندمت على اعطائه المبلغ لانه لم يسمح لي اعطائه باليد لمساجين الكرد وشككت به بأنه محتال ولن يعطيهم المبلغ, فجعلت من مسافة الخمسة امتار قفزتان وناديت من امام باب القاعة بصوت عال, ابراهيم گلو…. سليمان خلف…. لقد تركت لكم الفان ليرة ولكل منكم خمسة مائة ولا تنسوا ان تطالبوهم من المساعد اول, وهما ردا عليَّ بنعم وشكراني, وبينما اسرعت في العودة لمكاني ومن سوء الحظ شاهدني المساعد اول وسألني لماذا تحركت من مكانك, فأجبته, بما انني خرجت بشكل مفاجىء وتركت الحزن لاصدقائي فأردت ان اخبرهم عن الهدية التي تركتها لهم كي يفرحوا قليلا, فقال غاضبا, كلا انت كذاب لقد اخبرتهم لانك لا تثق بي وتخشى ان احتفظ بهم لنفسي, تعال معي لننزل الى الطابق الارضي, وهناك قيد يداي وادخلني في غرفة واغلقها ثم بعد خمسة دقائق جاءني شخص لا يشبه البشر, بل يشبه كلب الصيد السلوقي حيث خصره نحيف وصدره عريض له اثداء كأثداء امرأة فرفع ساعده وضغط على عضده فأنتفخ كالمنفاخ ولكمني فجأة لكمتين فقط, فبدأ الدم يتساقط على بلاط الغرفة وهو خرج, اما انا جلست في احدى زوايا الغرفة لابصق الدم السائل من انفي وفمي وبقيت هكذا على وضعيتي من منتصف النهار وحتى منتصف الليل حيث جاءني حينها احدهم فأخذني لأوقع على بعض الاوراق ثم اخرجني من السجن وأركبني حافلة مملوءة بالمطلقين سراحهم فتحركت من سجن عذرا نحو دمشق وبدأت استمع الى الركاب والقصص التي تشغل بالهم, فأحدهم كان يقص للآخرين بأنه حزين لانه ترك سجينا في غرفته وكل ذنبه, انه غير مكان صورة حافظ الاسد من على الحائط الذي كان مقابله, الى الحائط الذي بجانبه داخل مكتب العمل في احدى الدوائر الحكومية, فتم الوشاية عليه وادخلوه السجن بتهمة معاداته وكرهه لرئيس الجمهورية لانه لا يريد مشاهدة صورته امامه كلما رفع رأسه, فعلقوا الصورة في رقبته ومنعوه من ازالتها لاي سبب كان, لتلازمه باستمرار داخل السجن, اثناء الجلوس, المشي, اكل الطعام, النوم, والذهاب الى التواليت ..الخ. قضيت ليلتي في الفندق, وفي العاشرة صباحا ذهبت الى القائد آپو اوسمان وقصيت له ما حدث لي, فرد قائلا, انت مازلت في بداية الطريق, اما انا دخلت السجن على اياديهم اكثر من عشرین مرة بوشاية من الجواسيس والعملاء الكرد في الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي اسسته, وهؤلاء بدعم من ضباط اجهزة الاستخبارات السورية نهشوا وجزؤوا جسد الحزب كالذئاب الضالة المفترسة وافرغوه من الاهداف التي من اجلها تم تأسيسه, وكل اخذ جزء ليعلن نفسه عليه آغا ورئيسا لحزب يتألف من بعض الاشخاص مهمته العمالة وتخدير الشعب الكردي لصالح سلطات حزب البعث. ودعت القائد ثم ذهبت الى كراج البرامكة ومن هناك اتجهت الى الحسكة حيث عائلتي التي كنت قد راسلتها واخبرتها مسبقا بأني في السجن وبعد استراحتي يومان, اتجهت الى القامشلي وهناك اخبرت الاصدقاء في عائلة گلو عن وضع مساجينهم ومنهم الرسام امين عبدو, وبعدها اقمت جولة في المدينة على بعض الاصدقاء ثم عدت الى الحسكة, لكنني نزلت في منتفصف الطريق عند مفرق بلدة تل براك الاثري ومن هناك استأجرت دراجة نارية (مطور) واتجهت نحو غرب المفرق حيث قرية قرديسي وعند الوصول سألت عن عائلة الشاب السجين سليمان خلف ودلني على بيتهم صبي يافع وهناك شاهدت امرأة تخبز على التنور, فتقربت منها وبعد السلام عليها وعلى النار في التنور, اخبرتها باني سجين سابق وآت من عند سليمان خلف لاطمئن عائلته عنه, فتقربت مني واخذتها رعشة واحتبس الدمع في اعينها وقالت انا أمه وسألتني عنه, فطمأنتها بأنه في وضع جيد, ثم دعتني لتضيفني شيئا في البيت, فشكرتها لكنها اصرت ان تهديني خبزا ساخنا وقالت على الطريقة الكردية, خذه ليكن بيننا الخبز والملح, فأخذته, وهي فرحت كثيرا, اما انا نظرت الى خبز التنور الكردي الدائري فشممت رائحة وطنٍ برائحة سنابل الفريك المشوي للقمح الكردي وشاهدت داخله قرص الشمس, فأنحنيت للشمس خاشعا ورأسي مرفوع نحو سلسلة جبال شنگال التي لم تستسلم يوما, امام عبدةِ صنم اسود……يتبع…..

د. آلان آسمان.

– الصورة, للقائد الرمز, آپو اوسمان صبري, وقد زرته في احدى ليالي الشتاء الباردة لنتسلى على الطريقة الكردية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular