Homeمقالاتتحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي) 1,2:...

تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي) 1,2: د.محمود عباس

تمكن القائد عبد الله أوجلان، بخطوة جريئة، من تقويض احتمالية الخداع السياسي الذي طالما لجأت إليه الحكومة التركية والأحزاب القومية المتشددة، وذلك من خلال طرحه للسلام علنًا، واضعًا الكرة في ملعب الدولة التركية.

لقد كان هذا العرض بمثابة اختبار حقيقي لمدى صدق النوايا التركية في البحث عن حل عادل للقضية الكوردية، لكن الحكومة التركية لم تجد نفسها أمام فرصة لتعزيز صورتها كحاملة للسلام، كما كانت تأمل، بل أمام مأزق سياسي حقيقي، لقد انكشف زيف ادعاءاتها، وبدلًا من أن تظهر للعالم كطرف يسعى إلى الحل، بات واضحًا أنها الطرف المعرقل، بعكس ما كانت تحاول تصويره عبر خطابها الرسمي.

المفارقة الكبرى أن حزب العمال الكوردستاني، الذي تصفه أنقرة بأنه العقبة في وجه السلام، قائدها هو من قدم المبادرة، بينما الدولة التركية، التي لطالما زعمت أنها تريد إنهاء الصراع، لم تقدم أي خطوة ملموسة، وهذا يكشف أن العرقلة الحقيقية لم تكن في الكورد ولا في حركاتهم، بل في العقلية القومية المتشددة التي تحكم أنقرة، والتي تخشى أي تسوية قد تؤدي إلى الاعتراف بالحقوق الكوردية.

بذلك، لم يخسر حزب العمال الكوردستاني شيئًا في هذه المعادلة، بل نجح في إحراج الحكومة التركية أمام الرأي العام الدولي والإقليمي، وأثبت أن السلام ليس شعارًا، بل التزامًا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وهو ما تفتقده أنقرة في ظل سياساتها الإقصائية والمتشددة.

خلفيات الدعوة وأبعادها التاريخية.

خطاب القائد عبد الله أوجلان الأخير يأتي في سياق معقد تاريخيًا وسياسيًا، حيث يحمل في طياته دلالات متشعبة تتعلق بالماضي الصراعي بين الدولة التركية والحركة الكوردية، وتحديدًا حزب العمال الكوردستاني (PKK)، الذي خاض صراعًا مسلحًا منذ عقود ضد الدولة التركية مطالبًا بالاعتراف بالهوية الكوردية وحقوقها السياسية والثقافية.

ولد حزب العمال الكوردستاني في فترة كان فيها العالم يعيش في ظل الحرب الباردة، وتوسع الفكر الاشتراكي الثوري، وإنكار الوجود الكوردي في تركيا، ما جعله يتبنى نموذجًا ثوريًا مستوحى من الاشتراكية الثورية وحركات التحرر الوطني.

ومع انهيار الاشتراكية السوفييتية وتغير المشهد الدولي، تراجع هذا النموذج، وتحولت الاستراتيجيات السياسية والعسكرية لحركات التحرر، حيث انتقلت معظم الحركات القومية إلى البحث عن حلول سياسية سلمية.

وفي تركيا، جاء انهيار السياسات القمعية المطلقة تجاه الكورد خلال العقود الأخيرة نتيجة تطورات داخلية، ونضال الحزب على جميع الأصعدة، وضغوط دولية، ما فتح المجال لمراجعة نهج المواجهة المسلحة، وهو ما يبدو أن القائد أوجلان يدعو إليه بشكل صريح في خطابه الأخير، حيث يقرّ بأن حركات الكفاح المسلح قد استنفدت دورها التاريخي، وأن البديل يكمن في العمل السياسي والاجتماعي الديمقراطي.

يتضمن خطاب القائد عبد الله أوجلان عدة نقاط محورية تتعلق بالتحول من المواجهة المسلحة إلى الحل الديمقراطي السلمي، لكن في المقابل، يحمل في طياته بعض الإشكاليات والتساؤلات حول مدى واقعيته وإمكانية تطبيقه على الأرض.

  • الدعوة إلى التخلي عن السلاح وحل حزب العمال الكوردستاني بمؤتمر حزبي، وهو ما كان متوقعا وتم الحديث فيه منذ ان أعلن بأنه سيخرج بخطاب إلى الحزب، وكما نعلم فهو من أحد أهم شروط الدولة التركية، والانخراط في العمل السياسي والاجتماعي كجزء من الدولة والمجتمع التركي، وهو موقف غير مسبوق على لسانه، خاصة أنه كان تاريخيًا يؤكد على النضال ضد الدولة التركية لانتزاع الحقوق.  هذه الدعوة ربما تعكس إدراكه أن العمل العسكري لم يعد خيارًا ناجعًا في السياق التركي والإقليمي الحالي، خصوصًا بعد تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وصعود النظام الأمني القومي المتشدد في تركيا بقيادة أردوغان.
  • استبدال الطروحات القومية الكوردية بحل “المجتمع الديمقراطي” وبها يرفض النزعات القومية المتطرفة مثل إنشاء دولة قومية، الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، ويؤكد على مفهوم المجتمع الديمقراطي كبديل، هذا المفهوم يتماشى مع رؤيته السابقة حول “الأمة الديمقراطية”، التي تقوم على التعاون المشترك بين الشعوب دون إقامة كيانات قومية منفصلة.

لكن يبقى السؤال:

    • هل هذا الطرح واقعي في ظل نظام تركي لا يزال يتعامل مع القضية الكوردية من منظور أمني وقومي عنصري متشدد؟
    • هل تتوافق هذه الرؤية مع تطلعات الشعب الكوردي في شمال كوردستان، خاصة بعد عقود من القمع؟

يتبع…

كلية الخطاب يعكس تحولًا في الرؤية السياسية للقائد أوجلان تجاه مفهوم الصراع المسلح، حيث يعترف ضمنيًا بأن الحزب أصبح يعاني من التكرار وعدم القدرة على تحقيق أهدافه، خاصة بعد فشل الأنظمة الاشتراكية التي ألهمته، وبروز تحديات جديدة لم تكن موجودة في بدايات الحزب.

من الجانب التركي، هناك عدة دوافع قد تجعل هذه الدعوة مقبولة أو مرفوضة، بناءً على السياق السياسي الحالي:

  • الضغط الداخلي والدولي:
    • تركيا تواجه أزمات اقتصادية متزايدة، وملفات دولية مرتبطة بحقوق الإنسان، ما يجعلها بحاجة إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.
    • أي حوار مع الكورد قد يُنظر إليه كخطوة إيجابية أمام الدول الغربية، وبوابة لقبولها في الإتحاد الأوروبي، التي تنتقد سياسات القمع التركية ضد الكورد.
  • الاستفادة من إنهاء الصراع المسلح:
    • إنهاء النزاع مع حزب العمال الكوردستاني يعني تقليل الإنفاق العسكري في جنوب شرق تركيا، والتي كلفت تركيا خلال العقود الأربعة الماضية، أكثر من 360 مليار دولار على اقل تقدير من البعد العسكري إلى جانب الخسائر الهائلة في الاقتصاد والدخل الوطني بشكل عام، مما قد يتيح للحكومة تحويل الموارد التي تصرف على صراعها العنصري هذا، نحو مشاريع اقتصادية ترفع من مكانة تركيا عالميا.
    • كما أن انتهاء الصراع سيضعف قدرة الأحزاب الكوردية داخل تركيا على استخدام القمع كحجة لحشد الدعم السياسي ضد الدولة.
  • رفض محتمل من القوميين الأتراك:
    • التيار القومي التركي بزعامة حزب الحركة القومية (MHP) ودولت بهتشلي (والذي يقال بأنه مرض ودخل في غيبوبة في نفس هذا اليوم الذي صدر فيه الخطاب) قد لا يقبل بأي حلول سياسية تمنح الكورد حقوقًا موسعة، خوفًا من فتح الباب لمزيد من المطالبات القومية.
    • الدستور التركي الحالي قائم على مبدأ القومية التركية كهوية الدولة، مما يعني أن أي تغيير دستوري يعترف بالكورد قد يواجه مقاومة عنيفة من القوميين.

وهذا ما يدفع بنا إلى السؤال التالي: هل يمكن أن تؤدي هذه الدعوة إلى تعديل الدستور التركي والاعتراف بحقوق الكورد؟

هناك احتمالان رئيسيان:

  • الاحتمال الأول (الإيجابي):

بداية مرحلة جديدة من الاعتراف السياسي بالكورد، رغم المعارضة المحتملة من القوميين الأتراك.

    • إذا تبنّت تركيا نهجًا إصلاحيًا، فقد يتم إقناع أو الانتصار على القوميين الأتراك، وتعديل بعض القوانين لتعزيز حقوق الكورد، مثل السماح باستخدام اللغة الكوردية في التعليم والإعلام الرسمي، وفتح المجال أمام أحزاب كوردية بالمشاركة السياسية دون تهم الإرهاب.
    • يمكن أن يتم تطوير صيغة حكم ذاتي محلي تضمن للكورد إدارة شؤونهم الداخلية دون انفصال.
  • الاحتمال الثاني (السلبي):
    • قد تستخدم الدولة التركية هذه الدعوة كغطاء للقضاء نهائيًا على أي نفوذ سياسي لحزب العمال الكوردستاني، بل وكل حركة كوردية تطالب بحقوق الشعب الكوردي في تركيا وسوريا، بحيث يتم إجبار الحزب على التفكك دون تقديم أي تنازلات حقيقية للكورد.
    • يمكن أن يكون الدعوة إلى الحوار مجرد استدراج لإضعاف الحراك السياسي الكوردي داخل تركيا وخارجها.
    • ويمكن لهذه الدعوة أن تكون مقدمة لحوار سياسي تاريخي، أو مجرد خطوة تكتيكية ضمن لعبة المصالح التركية. نجاحها يعتمد على عدة عوامل، أهمها:
  • مدى استعداد تركيا لتقديم تنازلات حقيقية بدلًا من مجرد استغلالها سياسيًا.
  • استجابة الشارع الكوردي لهذه الدعوة، فهناك فئات قد ترى فيها استسلامًا، بينما قد يدعمها البعض كفرصة لإنهاء عقود من الصراع.
  • الموقف الدولي من القضية الكوردية، حيث إن أي ضغط غربي على تركيا قد يدفعها إلى إظهار نوايا إصلاحية.

لكن، وبعيدًا عن الاحتمالات، ومن خلال النظر فيما وراء كواليس الأحداث، فإن المنطق السياسي يفرض أن المعتدي والمهيمن هو من يجب أن يبادر إلى السلام، لا الطرف المضطهد.  فحين تطالب تركيا الكورد، الذين عانوا لعقود من التهميش والقمع، بأن يكونوا هم من يطرحون أنفسهم كمبادرين للسلام، فإنها بذلك تعكس المعادلة، وتجعل الضحية تبدو وكأنها المذنبة، بينما تتنصل هي من مسؤوليتها التاريخية عن الاضطهاد الممنهج الذي مارسته.

ومع ذلك، وباختياره تقديم المنطق السياسي الوطني التركي على حساب البعد القومي الكوردي، تجاوز القائد عبد الله أوجلان هذه الجدلية، وحاول قلب المعادلة، متجاوزًا الماضي الدموي بنية حسنة لإنهاء الصراع.  فعل ذلك رغم وعيه العميق بأن الحكومات التركية لم تتخلّ يومًا عن سياسات الإقصاء والقهر ضد الكورد على مدى قرن من الزمن.

رغم أن هذه المعادلة مختلة ومشوهة، لا تتماشى مع المنطق السياسي القومي، ولا مع القيم الأخلاقية أو المبادئ الحقوقية التي دمرت في تركيا. مع ذلك، وكما أشرنا، فضّل السيد أوجلان تغليب البعد الوطني التركي على القومي الكوردستاني، واختار أن يطرح السلام كخيار، رغم أن الطرف المسؤول عن الظلم هو من يجب أن يتحمل مسؤولية الحل.

 

 

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

27/2/2025م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular