في مشهد حمل دلالات عميقة وتحوّلات مذهلة في ميزان القوى الإقليمي، عقد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، خلال زيارته الرسمية إلى المملكة العربية السعودية هذا الشهر، لقاءً علنيًا مع الرئيس السوري الجديد أحمد حسين الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، وذلك بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
ما كان يُعدّ مستحيلًا قبل سنوات، أصبح واقعًا سياسيًا معلنًا: الرجل الذي قاد هيئة تحرير الشام، وكان مُدرجًا على لائحة الإرهاب الأمريكية، أصبح رئيسًا لسوريا، وجالس ترامب وجهًا لوجه تحت أضواء الكاميرات، في قلب الرياض. هذا اللقاء لم يكن مجرد إشارة رمزية، بل نقطة تحول في مفهوم “صناعة الزعيم” في الشرق الأوسط.
من إمارة إدلب إلى القصر الجمهوري: صعود بأدوات خارجية؟
صعود الشرع إلى سدة الحكم في سوريا لم يأتِ عبر انتخابات تقليدية أو عملية سياسية نابعة من الداخل السوري، بل كان نتيجة مسار معقد من التفاهمات الدولية، والرهانات الاستخباراتية، والفراغات التي خلّفها النظام السابق بعد انهيار الدعم الروسي واحتدام الخلافات داخل محور طهران–دمشق.
تقرير صادر عن Carnegie Middle East Center في أبريل 2025 أوضح أن “وصول الجولاني إلى الرئاسة جاء بعد توافق أمريكي–تركي–خليجي ضمن ترتيبات أوسع لإعادة إنتاج النظام السوري بدون بشار الأسد، وتحت ضمانات إقليمية لإبعاد النفوذ الإيراني”.
مباركة واشنطن والرياض: إعادة ضبط التوازنات
اللقاء في الرياض، بحضور ولي العهد السعودي، كان إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن “النظام الجديد في سوريا” أصبح مقبولًا، بل مرحّبًا به، في أروقة صنع القرار الدولي. ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض محمّلًا بأجندة لإعادة تشكيل التحالفات التقليدية، وجد في الشرع رجل المرحلة: إسلامي سابق، محارب ميداني، وقائد مستعد لتقديم ضمانات أمنية للغرب.
د. لينا الخوري، الباحثة في معهد الدراسات الأمنية في برلين، تقول إن “التحول في موقع الجولاني، أو الشرع، يعكس تغيرًا عميقًا في مفهوم ‘الشرعية’ كما تُعرّفها واشنطن: لم تعد ترتبط بالصناديق، بل بالقدرة على ضبط الأرض والوقوف في وجه المحور الشرقي”.
سوريا ما بعد العقوبات: التمهيد لحقبة جديدة
رفع العقوبات الغربية عن سوريا، والذي بدأ تدريجيًا منذ مارس 2025، لم يكن مجرد خطوة إنسانية، بل تمهيدًا واضحًا للاعتراف بالنظام الجديد بقيادة الشرع. وقد اعتُبر ذلك جزءًا من استراتيجية أوسع لفصل دمشق عن طهران، وتقليص اعتمادها على موسكو التي باتت منشغلة في صراعاتها الأوروبية والآسيوية.
تقرير Brookings Institution يؤكد أن “التحولات في سوريا هي جزء من صفقة إقليمية كاملة تشمل الطاقة، وإعادة الإعمار، والتوازن مع النفوذ الصيني المتنامي في البحر الأبيض المتوسط”.
صناعة الزعماء: النمط المكرر بأدوات جديدة
كتاب Secret Affairs للمؤرخ البريطاني مارك كورتيس لا يزال مرجعًا في فهم كيف تُصنَّع الزعامات السياسية في الشرق الأوسط. فكما صعد شاه إيران بدعم استخباراتي غربي، وتحوّل صدّام من حليف إلى عدو، يُعاد اليوم تدوير شخصيات من خلفيات متطرفة لتصبح وجوهًا رسمية في الحكم، ضمن سياق “براغماتية قاسية”.
البروفيسور أحمد داود أوغلو، أشار في ندوة حديثة بجامعة إسطنبول أن “الشرع يُمثّل اختبارًا جديدًا لقدرة الغرب على توجيه الأنظمة في المنطقة وفق معادلة الأمن مقابل الشرعية”.
شعوب بلا رأي: الزعيم المُفصَّل مسبقًا
في ظل كل هذه الترتيبات، يغيب الصوت الشعبي السوري عن المشهد. لا انتخابات مفتوحة، ولا عملية مصالحة وطنية شاملة، بل إعادة توزيع مراكز النفوذ بين قوى دولية وإقليمية ترى في سوريا قطعة شطرنج لا أكثر.
ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، كتب مؤخرًا أن “نجاح أي نظام جديد في المنطقة لا يُقاس فقط بمدى رضى الخارج، بل بقبول الداخل. وتجربة الشرع ستكون إما بداية استقرار جديد، أو مقدمة لانفجار قادم”.
خاتمة: هل يمكن كسر الحلقة؟
يبقى السؤال قائمًا: هل يمكن للشرق الأوسط أن ينتج قادته من داخل مجتمعاته لا من مختبرات القرار الدولي؟ هل تكون تجربة الشرع نهاية لتدخل الخارج، أم استمرارًا لنمط “القائد حسب الطلب”؟
حتى إشعار آخر، تبدو الإجابة واضحة: الشرق الأوسط لا يزال يُدار من الخارج، وشعوبه تُشاهد ولا تختار.

