في مشهد صادم ومؤلم، وثقته عدسات الكاميرات وانتشر كالنار في الهشيم، أقدم عناصر من السلطة الجديدة في مدينة
حلب على تحطيم تمثال الشهداء في ساحة سعداهلل الجابري، أحد المعالم الرمزية التي طالما خلدت ذكرى من قدموا
لمعنى الشهادة، وإهانة لذاكرة وطن،
أرواحهم فداًء للوطن. لم يكن األمر مجرد تحطيم قطعة حجر، بل كان طمسًا
وعدوانًا سافرًا على تاريخ وحضارة الشعب السوري.
الفكر التكفيري.. عداء للحضارة والرموز الوطنية
واضحًا عن نهج فكري تكفيري متطرف، ال يرى في التماثيل إال
، بل كان تعبيرًا
ما جرى لم يكن عمًال فرديًا عابرًا
باهلل”، متجاهًال القيمة الرمزية والوطنية لهذه المعالم. هذا الفكر الذي يجّرم التمثال
“، ويعتبر وجودها “شركًا
“أصنامًا
لكنه يتغاضى عن جرائم القتل والخطف ومصادرة األمالك، هو فكر يناهض الحضارة ويرفض كل أشكال التنوع
والتعدد، بل ويعمل على طمس كل ما ال يشبهه.
بما فعل، بينما
، متفاخرًا
واألدهى من ذلك، أن من نفذ هذا العمل توثيقه وهو يضحك ويهلل وكأنه أنجز فتحًا عظيمًا
المواطن السوري يعيش في غياب تام ألبسط مقومات الحياة من كهرباء، ماء، أمن، واستقرار.
أين هي أولويات الدولة؟
المؤسف أن هذا الفعل يأتي في وقت يعاني فيه الشارع السوري من أزمات معيشية خانقة، وانهيار في الخدمات،
وفوضى أمنية تنخر مفاصل المجتمع. فهل تحطيم التماثيل هو األولوية اليوم؟ أين هي الخطط لتوفير الكهرباء، والماء،
بحق المواطن، من خطف وابتزاز ومصادرة
والدواء، والتعليم، واألمن؟ وأين المحاسبة لمن يمارس االنتهاكات يوميًا
أرزاق الناس تحت ذرائع شتى؟
من التطرف والتشدد، بل دولة تحترم القانون، والمؤسسات، وحقوق اإلنسان. دولة
ما يحتاجه الشعب اليوم ليس مزيدًا
تنتمي للقرن الحادي والعشرين، ال لعصور الجهل واالنغالق. لكن لألسف، من تولوا الحكم اليوم في سوريا لم يذكروا
حتى اآلن، بعد مرور أكثر من 8 أشهر على تسلمهم للسلطة، مصطلح “الديمقراطية” ولو مرة واحدة، وكأنها رجس
من عمل الشيطان.
عقلية متحجرة وخطر داهم على مستقبل سوريا
من يقود السلطة اليوم هم من يعتنقون إيديولوجيا إقصائية متخلفة، ترفض اآلخر، وتؤمن بنظام شمولي مغلق ال
يعترف بالتعددية أو الحريات. هؤالء يسعون لفرض تصورهم الخاص لما يجب أن تكون عليه الدولة والمجتمع، غير
آبهين بحقيقة أن سوريا وطن لكل مكوناته الدينية والعرقية والسياسية، ال ملك لفئة أو طائفة أو جماعة.
الخوف الكبير ليس فقط على حاضر سوريا، بل على مستقبلها وهويتها، إذا استمر هذا النهج التخريبي في إدارة الدولة
والمجتمع. فالهدم ال يقتصر على التماثيل، بل يمتد ليشمل تفكيك الذاكرة الوطنية، وتمزيق النسيج االجتماعي، وقتل
األمل بأي مستقبل مشترك.
كلمة أخيرة
إن تحطيم تمثال الشهداء في ساحة سعداهلل الجابري ليس فقط اعتداء على الحجر، بل على اإلنسان، وعلى الفكرة التي
تقول إن التضحية من أجل الوطن تستحق الخلود. ما حدث يجب أال يمر بصمت. إنه ناقوس خطر يجب أن يوقظ
كامًال تم تحطيمه، ال لشيء، إال ألنه لم يشبه فكرهم.
نرثي وطنًا
ضمائر الجميع، حتى ال نجد أنفسنا قريبًا
: حرب ضد العقل، ضد الرموز، وضد اإلنسان.
اهلل يعين الشعب السوري، فالحرب لم تنتِه بعد، بل اتخذت شكًال جديدًا
برلين 06.07.2025

