منذ أن بدأ المجتمع الدولي عموما والبلدان الغربية خصوصا المساعي المختلفة من أجل کبح جماح
النظام الايراني والعمل من أجل إحتوائه وإعادة تأهيله وإمکانية إندماجه مع العالم، فإن نتيجة تلك
المساعي وطوال أکثر من ثلاثة عقود لم تکن سلبية فقط بل وحتى ذات مردود عکسي حيث إن النظام
الايراني إستفاد من تلك المساعي من أجل المحافظة على نفسه من جهة والاستقواء على شعبه بشکل
خاص وعلى بلدان المنطقة بشکل عام.
أما فيما يتعلق بالاقدام على خيار شن الحرب ضد النظام الايراني بعد فشل خيار التفاوض من أجل جعله
يرضخ للمطالب الدولية ويضع حدا لشروره لعدوانيته المفرطة، فإنها أيضا قد أخفقت ولاسيما وإن النظام
يريد هذه المرة إستخدام ظروف وأوضاع الحرب أو ما سيعقبها کستار وغطاء من أجل مضاعفة
ممارساته القمعية ضد الشعب الايراني والحيلولة دون إندلاع إنتفاضة أو ثورة شعبية ضده ولاسيما وإن
وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق تقوم بعملياتها الثورية التعبوية التي ترفع من معنويات
وحماس الشعب کثيرا وتجعله يستمر في مواجهته ضد النظام حتى إسقاطه.
وفي ضوء فشل خياري التفاوض مع النظام أو شن الحرب ضده، فإن هناك الخيار الثالث الذي طرحته
السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الايرانية قبل 21 عاما من الان، والذي يقوم
على أساس دعم عملية الصراع والمواجهة التي يخوضها الشعب والمقاومة الايرانية ضد النظام من أجل
إسقاطه وإقامة جمهورية ديمقراطية تٶمن بالتعايش السلمي وبمبادئ حقوق الانسان وإيران غير نووية،
وهذا الخيار صار يلفت أنظار العالم إليه وحتى إن أوساطا ومحافل وشخصيات سياسية دولية باتت ترى
فيه الخيار الافضل لإيران.
وفي سياق متصل من حيث دعوة شخصيات سياسية دولية للأخذ بالخيار الثالث، وفي مقابلة حصرية
ومهمة مع صحيفة “دي فيلت” (WELT) الألمانية، حذر الدبلوماسي الأمريكي البارز روبرت ج.
جوزيف، الذي كان مهندس صفقة نزع السلاح الليبي في عام 2003، من أن النظام الإيراني لن يتخلى
طوعا عن الأسلحة النووية أبدا. وأوضح جوزيف أن سنوات من المفاوضات وسياسات الاحتواء قد
باءت بالفشل، وأن الحل لا يكمن في الحرب أو المزيد من المفاوضات العقيمة، بل في "خيار ثالث"
يتمثل في دعم الشعب الإيراني والمعارضة المنظمة لإحداث تغيير ديمقراطي من الداخل.
وبدأ السفير روبرت ج. جوزيف، الذي كان شخصية رئيسية في السياسة الأمنية الأمريكية في عهد
الرئيس جورج دبليو بوش، حديثه لصحيفة "دي فيلت" بتقييم الوضع الحالي للبرنامج النووي الإيراني
بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو. وردا على سؤال حول تأثير هذه الهجمات، أوضح
جوزيف أن المعلومات تشير إلى أن البرنامج قد تراجع بشكل كبير، ربما لمدة تتراوح بين ستة أشهر إلى
عامين. لكنه شدد على أن السؤال الحقيقي هو: "ماذا سنفعل بهذا الوقت؟".
وعندما سئل عما يجب فعله، كان موقف جوزيف واضحا: "إذا لم نعمل على تغيير الحكومة – أي النظام
في طهران – فإن هذا النظام سيحصل في نهاية المطاف على أسلحة نووية. لدينا الآن فرصة لدعم
الشعب الإيراني في سعيه لإنهاء حكم الملالي. ومن واجبنا اغتنام هذه الفرصة". وأكد أن هذا التغيير
يجب أن يأتي "من الداخل، على يد الشعب الإيراني"، موضحا أن الأمر لا يتعلق بغزو عسكري أمريكي
لإسقاط النظام، بل باستخدام القدرات العسكرية لضرب أهداف نووية محددة لكسب الوقت. وأضاف:
"يجب أن نستخدم هذا الوقت لدعم المعارضة المنظمة التي نعرف أنها تمثل رأي العديد من الإيرانيين".
وأعرب جوزيف عن اعتقاده الراسخ بأن التوصل إلى حل تفاوضي مع النظام الإيراني أمر مستحيل.
وقال: "لقد حاولنا لأكثر من 20 عاما وفشلنا، بغض النظر عن شكل المفاوضات أو مزيج الحوافز
والردع. لقد رأينا كل شيء: من استراتيجيات الضغط الأقصى إلى محاولات سياسة الاسترضاء في عهد
الرئيسين أوباما وبايدن. لم ينجح شيء". وفسر ذلك بأن امتلاك سلاح نووي هو حجر الزاوية لبقاء
النظام، وهو أمر أساسي لهويته واستراتيجيته.
وخلص جوزيف إلى أن النظام سيحاول مجددا لعب ورقة المفاوضات لكسب الوقت، لكنه سيواصل
"لعبة القط والفأر" طالما سمحنا له بذلك. وقال: "لقد منحتنا العملية العسكرية الأخيرة وقتا، لكنها لم تحل
المشكلة الأساسية. يجب علينا الآن تغيير سياستنا بشكل جذري. يجب أن نرفض النموذج الخاطئ الذي
يخيرنا فقط بين الحرب والتفاوض، وأن نختار خيارا ثالثا يشمل المقاومة الإيرانية".
وفي تقييمه للسياسة الأمريكية الحالية، اعتبر أن موقف الرئيس ترامب الذي يعرب فيه عن استعداده
للتفاوض وانتظار مبادرة من الإيرانيين هو "سوء تقدير جوهري لطبيعة النظام". وأوضح: "هذا النظام
لا يمكنه إصلاح نفسه. لا يمكن أن يصبح أكثر اعتدالا. إنه يبقى على قيد الحياة من خلال القمع الوحشي
لشعبه، وتصدير شكل سام من الإسلام، ودعم الإرهاب، وبرامجه الصاروخية والنووية". وأعرب عن
أمله في أن تكون المواقف التي اتخذها الرئيس ترامب خلال حرب الـ 12 يوما "بذرة لسياسة جديدة"
تدعم حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره، على غرار ما فعله الرئيس ريغان مع الاتحاد السوفيتي.

