في ساعة الغروب، انزلقت العتمة على وجه األرض، تاركة نوافذ النهار مشرعة لبعض الوقت، كما لو أنها ال
تعارض وجوب الرؤية بوضوح.
وحين لمح ذلك الشبح الذي بدا كسراب، لم يكن الجسد مرئًيا، وال نابًضا بالحس أو الحياة. انتابته صدمة، أعقبتها
جعلت أسنانه تصطك. لم يكن يعرف إن كان ذلك السراب هو اآلخر، أم هو نفسه حين نسي كيف يبدو وجهه.
رعشٌة
مبتور في شتاء تلك الليلة المشؤومة، حين المس وميُض البرق
ٍم
كان الوقوف أمامه أشبه بالجلوس على حافة حل
النافذة المغلقة، كرسالة تحذير لم تكد ُتسَّجل في الذاكرة حتى زمجر الرعد كأنما ينتقم من صمٍت قديم. ثم اخترقت
صاعقة شجرة الزيزفون الواقفة في وسط الحديقة، وتصاعدت ألسنة اللهب، لتسقط ضحية الغدر.
لم يتكلم… لم يتحرك… كأنما تجمد الزمن في عينيه.
لكن الذكريات المدفونة بدأت تتسلل من جوف الحلم، وتخرج كخيوٍط غير مرئية تسبح بين ذرات الهواء، على
هيئة جحافل من الوهم، ال تزحف بل تندفع كأنها تعرف الطريق إلى مواضع األلم، تتكّون من ظالٍل متراكمة، ال ُترى
إال حين يصمت العقل، وُتصغي الروح لما ُيشبه الحقيقة، تتجه نحو السراب كأنها حكاية من قصص الخيال، ينفصل
لم يكن يعرف موضعه.
ٍح
فيها العقل عن الواقع. ساوره شٌّك، بل أثار ألًما في جر
الحفاظ على إيقاع الحياة الهش، والتغلغل إلى دهاليز البحث عن
ًة
وهكذا بدأت رحلة الشقاء نحو المجهول، محاول
انفاس مبعثرة في زوايا الزمن.
مع كل دوي برق كانت الجروح القديمة تفتح أفواهها ال لتجدد األلم فحسب ، بل لتذكره أنه ما زال حًيا.
ــ الجرح ال يسكن، بل يتذّكر.
ــ الجرح ال يسكن، بل يتذّكر.
ــ الجرح ال يسكن، بل يتذّكر.
كررها في داخله، كأنما يحاول أن يثبت لنفسه أن األلم ليس نهاية، بل بداية اإلدراك.
ذبذبات مكتومة تتماوج فوق جيش من الغيوم، مدفوعة بأعاصير البحر، مقتحمة أديم السماء، كأنها ُتعيد تشكيل
الجرح ليغدو أكثر وجًعا، أكثر حضوًرا، كوميٍض ال يهدأ.
ثم تالشت األصوات، وسكن الضوء، ولم يبَق سوى صمته…
أدرك حينها أن كل ما رآه لم يكن سوى رعشٍة في الذاكرة، تتجّسد كلما نطق البرق كأنما الجرح ال يسكن، بل
يتذكر.

