Homeمقالاتالنظام الايراني دخل مرحلة اللاعودة من أزمته الداخلية : منى سالم الجبوري

النظام الايراني دخل مرحلة اللاعودة من أزمته الداخلية : منى سالم الجبوري

واحد من أهم الاهداف التي يصر النظام الايراني على التمسك به وعدم التخلي عنه مهما کانت الظروف، هو ضمان بقائه ودرأ کل الاخطار والتهديدات المحدقة به والتي قد تتسبب في إسقاطه، وطوال أکثر من 4 عقود عمل النظام جاهدا من أجل هذا الهدف بل وحتى جعله الهدف الاکبر له وعلى رأس أولوياته الاساسية.

لکن، حرص النظام على ضمان بقائه لم يکن بذلك الامر السهل والممکن، بل إنه کان ولازال على حساب مصلحة الشعب الايراني ومصلحة أجياله القادمة ولاسيما وإنه ومن أجل ضمان تحقيق هدفه المذکور، فقد إضطر الى إنتهاج سياسة تجاه الشعب الايراني تعتمد على الممارسات القمعية والاعدامات بالاضافة الى إفقاره وتجويعه وذلك وحسب ما يفکر النظام حتى لا يفکر الشعب بمواجهته والاطاحة به کما فعل مع سلفه نظام الشاه.

هذه السياسة الشريرة التي لم يکن من السهل على النظام أن يقوم بتنفيذها بل إنها واجهت ولاتزال تواجه معارضة شديدة من جانب الشعب الايراني ولاسيما وإن هناك منظمة مجاهدي خلق وهي القوة الوطنية الفعالة التي تقوم بتوجيه وتنظيم الشعب من أجل الوقوف بوجه هذا النظام الارعن، وبسبب من هذه المواجهة وقيام مجاهدي خلق بکشف وفضح الوجه الحقيقي للنظام ومخططاته المشبوهة المزعزعة للأمن والسلام في المنطقة والعالم، فإن المعارضة الداخلية والدولية ضد النظام قد جعلته يواجه أزمات حادة قلبت أوضاعه رأسا على عقب.

والحقيقة إنه وبعد أکثر من أربعة عقود من حکم هذا النظام، فإن أوضاعه لم تعد کالسابق وإنما تضعضت وإختلت بصورة غير مسبوقة حتى إنه وبسبب من أزمته الداخلية قد دخل مرحلة اللاعودة، وبهذا الصدد و في شهادة صريحة على تآكل أسس استقرار النظام الإيراني، نشرت صحيفة “جمهوري إسلامي“الحكومية في 25 أكتوبر 2025، مقالا بعنوان “شرخ النخب، أفول الحكمة الجماعية“. ورغم أن المقال يستخدم لغة موالية للنظام ويتبنى لهجة تحذيرية، إلا أنه في جوهره اعتراف نادر بأن بنية “ولاية الفقيه“ قد دخلت مرحلة اللاعودة من أزمتها الداخلية، خاصة بعد تراجع الهيمنة المطلقة لخامنئي. إنه تشريح دقيق لآليات التدمير الذاتي التي بدأت تعمل في جسد السلطة الحاكمة في مراحلها الأخيرة.

ويبدأ المقال بالإقرار بأن بقاء النظام لأربعة عقود لم يكن نتيجة “وحدة السلطة المطلقة“، بل لقدرته على “الحفاظ على التوازن بين القوى داخل الحكم“. لكن جوهر المقال هو الإعلان عن نهاية هذا التوازن، وظهور “تباعد بين النخب السياسية والإدارية“ (أي بين الزمر وأقطاب الحكم المختلفة). صدور هذا الاعتراف من صحيفة حكومية هو مؤشر خطير على أن آلية البقاء الأساسية للنظام – وهي إدارة الصراعات الداخلية – قد بدأت تتعطل بشكل نهائي.

النقطة المحورية في المقال هي الإشارة إلى تصدع “القاعدة غير المكتوبة“ التي حكمت سياسة النظام لعقود: “المنافسة مسموحة، لكن المساس بالشرعية ممنوع“.

طالما كانت هيمنة خامنئي قادرة على الوساطة ورسم الخطوط الحمراء، كانت التوترات تظل محصورة في المستوى الإداري. لكن كاتب المقال يؤكد أن التطورات الأخيرة تظهر أن “الانقسامات السياسية والفكرية“ قد انتقلت لتضرب “مستوى شرعية النظام“نفسه.

ولإظهار عمق الأزمة، يستشهد الكاتب بمنظري التحولات السياسية مثل أودانيل وشميتر، موضحا أن “التحولات السياسيسة تبدأ في اللحظة التي يشعر فيها جزء من النخب (قادة النظام) أن كلفة الولاء أصبحت أكبر من منافعه“. هذه الحالة، التي تظهر في إشارات رمزية مثل “الجدل حول المناسبات العائلية لبعض الشخصيات السياسية والعسكرية“، لم تعد خلافا فصائليا بسيطا، بل هي إشارة على فقدان مركز السلطة قدرته على إعادة توزيع المنافع وفرض إرادته.

ويعتبر المقال بوضوح أن غياب “الحكمة الجماعية” هو نتيجة مباشرة لسياسة “الصوت الواحد” واحتكار السلطة. فبدلاً من“المشورة”، وقع النظام في “فخ التفرد بالرأي وتراكم السخطالصامت في داخله”. هذا النقد هو قلب الاعتراف بتفكك البنيةالحالية، والذي يعزوه الكاتب إلى عاملين:

الاول: ابتعاد جزء من النخب عن الخطاب الأيديولوجي المركزي (مبدأ ولاية الفقيه).

أما الثاني: محاولة “الجزء الآخر بنظرة إقصائية واحتكارية“ طرد أي صوت مختلف.

هذه “السياسة الإقصائية“ هي التي خلقت “شرخا ناعما ولكنهعميق داخل بنية الحكم“.

لکن وفي الواقع، هذا المقال ليس مجرد تحليل، بل هو وثيقة تعلن انهيار الهيكل الذي ضمن تماسك نظام ولاية الفقيه لعقود. إنه يؤرخ، من الداخل، لمشهد سقوط النظام المتسارع. الأزمة الحالية لم تعد ظاهرة هامشية، بل هي مؤشر على ظهور انقسامات جيولوجية عميقة بين قادة وزمر السلطة. وفي مثل هذه الحالة، لم يعد التحذير قادرا على إيقاف الانهيار.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular