Homeمقالاتالإنسان… عدو نفسه: من ميادين الحروب إلى صناديق الاقتراع : د. سعيد...

الإنسان… عدو نفسه: من ميادين الحروب إلى صناديق الاقتراع : د. سعيد بير مراد

مقدمة: حين يصبح الإنسان خصماً لذاته

منذ أن وطأت أقدام الإنسان وجه الأرض، لم يعرف عدواً أكثر خطراً عليه من نفسه. فالحروب التي أحرقت الأخضر واليابس لم تكن من صنع الطبيعة ولا من غضب السماء، بل من اختراعات العقل البشري ذاته. المدهش في هذه المعادلة أن الإنسان، الذي اخترع الدواء ليطيل حياته، هو نفسه الذي صنع السلاح لينهيها. وهكذا يعيش في صراعٍ أبدي بين غريزة البقاء وغريزة الفناء.

الحروب العبثية: حين يُستعمل الإنسان كوقود

كم من ملايين البشر قُتلوا في حروبٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
يُقال للجندي إنه يقاتل دفاعاً عن وطنه، بينما الوطن الحقيقي يُباع في صفقات السلاح والنفط، وتُرسم حدوده في مكاتب السياسيين لا في ساحات الشرف. الجندي البسيط لا يدرك أنه مجرد أداة تُحرَّك باسم “الوطنية” و”الشرف العسكري”، بينما المستفيدون الحقيقيون هم تجار الموت الذين يحصدون الأرباح على أنقاض الجثث.

الحرب، في جوهرها، ليست صراعاً بين الشعوب، بل بين مصالح خفية تُدار بأصابع ناعمة خلف الستار. إنها مسرحية كبرى، أبطالها يُدفنون على الجبهات، ومخرجوها يكتبون بيانات النصر من قصورهم.

الانتخابات: حربٌ باردة بوسائل ديمقراطية

وحين تسكت المدافع، تبدأ حربٌ أخرى لا تقل خبثاً عن الأولى: حرب الانتخابات.
فيها يُستخدم المواطن لا كمقاتل، بل كـ”ناخب” يُمنح ورقة يوهمونه بأنها تساوي الحرية. يُقال له: “صوتك يصنع المستقبل”، بينما القرار الحقيقي قد صُنع مسبقاً في دهاليز المال والإعلام والنفوذ.

في الحرب، يُقتل الإنسان برصاصة؛ وفي الانتخابات الفاسدة، يُقتل بصندوق. كلاهما ضحية—الأول لجشع السلطة، والثاني لوهمها. الناخب في النهاية مجرد ترس صغير في ماكينة ضخمة تدور لمصلحة قلة من المنتفعين الذين يتقنون فن التمثيل والخداع.

من الخنادق إلى المنابر: تغيّر المسرح ولم يتغير الممثلون

التاريخ يعيد نفسه، لا لأن الزمن دائري، بل لأن الإنسان لم يتعلم شيئاً.
الوجوه ذاتها تتبدل بالأسماء فقط، والخطابات تتزين بشعارات جديدة، لكن الجوهر ثابت: سلطة، مال، واستغلال.
يُستبدل صوت الرصاص بصوت الهتاف، والزي العسكري بالبدلة الأنيقة، غير أن الضحية تبقى واحدة: الإنسان المغرّر به.

الخاتمة: حين يصفق الإنسان لجلاده

الحروب تقتل الجسد، والانتخابات الزائفة تقتل الوعي.
وبين الجسد والوعي، يظل الإنسان أسيراً لأوهامه، يركض نحو هاويته وهو يصفق لنفسه ظناً منه أنه يمارس الحرية.
إن أعظم مأساة يعيشها الإنسان اليوم ليست في الحروب ولا في الأزمات، بل في عجزه عن إدراك أنه هو من يصنع جلاده، ويمنحه السلطة، ثم يشكو من بطشه.

لقد آن الأوان أن يعترف الإنسان بالحقيقة المُرّة:
عدوه الحقيقي لم يكن يوماً خارج حدود بلاده… بل في داخله.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular