Homeمقالاتالحياة بوصفها أثراً: تأملات في معنى الوجود الإنساني وحدوده : ب. د....

الحياة بوصفها أثراً: تأملات في معنى الوجود الإنساني وحدوده : ب. د. خالد محمود خدر

كتب مؤخراً أحد الأصدقاء في صفحته على منصة الفيسبوك عبارة نسبها و ينسبها الكثير إلى الفلسفة اليونانية:
نأتي من ظلام ونعود إليه، وما بينهما هو ما نسمّيه حياة. وما أن نولد حتى تبدأ رحلة العودة.

بالرغم من أن العبارة تتناغم مع بعض التصورات الفلسفية القديمة، كما تشير الكثير من المراجع، خاصة الفلسفة الأفلاطونية التي تتحدث عن عودة الروح إلى عالمها الأصلي، وعن أن الحياة مجرد عبور بين عالم الظلال وعالم الحقيقة، إلا أن التعامل معها على أنها قول يوناني يحتاج إلى تدقيق أكبر. وتبقى العبارة أقرب ما تكون إلى استعارة فلسفية عامة لا إلى نص موثّق. ومع كل هذا، لا توجد أيّة مراجع موثوقة وموثّقة بشكل موحّد تشير إلى أن هذه العبارة منسوبة إلى أفلاطون أو إلى أيّ فيلسوف يوناني معروف.

ويبدو أنها من الأقوال الحديثة التي صيغت بروح فلسفية تشبه لغة اليونانيين القدماء، ثم جرى تداولها دون تحديد مصدر واضح، كما يحدث كثيراً مع جمل تتقمّص روح الحكمة القديمة، وهذا ما يحدث مع الكثير من مجالات العلوم والمعرفة وحتى الأمور الدينية عموماً.

وعليه يمكن القول إن العبارة جميلة في معناها، وتشبه الفكر الأفلاطوني في رمزيتها، لكنها ليست جزءاً من التراث اليوناني الموثّق، ولا تُعرف لها نسبة دقيقة لأي فيلسوف.

هذه العبارة رغم ما فيها من شاعرية، إلا أنها تجعل الحياة تبدو مجرد طريق ينتهي بالموت، وكأن الوجود كله يتلخص في النهاية. لكن التجربة الإنسانية على الأرض تثبت العكس، الغاية ليست الموت، بل ما نفعله قبل أن نصل إليه. وتبقى الحقيقة أوسع من ظنّ كاتب العبارة هذه.

لو تأملنا مسيرة الكائنات على الأرض لوجدنا أن الحياة هي الغاية، وأن الموت، على قسوته، مجرد جسر تعبر به الحياة نحو بدايات جديدة. ماتت أجيال لتبقى أنواع. النبات يموت ليغذّي تربة تنبت غيره ، والحيوان يرحل ليبقى جنسه، والإنسان يعيش أثره لا عمره ، ولهذا بقيت البشرية رغم موت مئات المليارات من البشر ، لأن كل جيل يضيف شيئاً، صغيراً كان أو كبيراً، يمكن به للجيل الذي يليه من التقدم خطوة إلى الأمام في بناء حضارة تليق ببني البشر.

هكذا، فالحياة، على مستوى النوع، لا تبقى إلا لأنها تتجدد. ولكنها حياة يبقى فيها الإنسان لا بعدد سنوات عمره فقط، بل بما يفعله في حياة الآخرين من أثر ، ذلك أن الفكر أطول عمراً من الجسد، والضمير الذي يتحرك في قلب الإنسان أشد رسوخاً من القلب كجهاز في ذلك الجسد .

بعيدا عن النوع ، على مستوى الفرد البشري ، أذكر قصة قصيرة قرأتها منذ زمن بعيد عن حياة رجل عاش أكثر من مئة وعشر سنوات.
سألوه عن سر طول عمره، فقال في رضا:
لم أغادر قريتي يوماً، ولم أتورّط في خلاف، ولم أتعب نفسي في عمل، وطعامي وشرابي يُجلبان لي حيث أجلس.
فنظر إليه أحدهم وقال: وأيّ حياة هذه التي عشتها؟
إنه تساؤل دقيق ، حياة بلا مغامرة ، بلا تعب، بلا احتكاك، بلا محاولة، هي حياة لا تختلف عن حياة شجرة هرمة على سفح جبل قريب منه عاشت أضعاف عمره، بل إن الشجرة نفسها قدّمت للحياة ثماراً، وظلّ لمن مرّوا قربها، واحتضنت طيراً وضع عشه على أغصانها، وأعطت ثمارها لمار قربها دون أن تسأل من الذي اخذ.

العمر بلا عطاء مجرد وقت.
والوقت بلا معنى فراغ يمضي.

ظاهرياً تبدو حياة ذلك الرجل المعمّر حياة رائعة وكلها راحة من طعام واستراحة من شراب. عاش سنوات كثيرة، نعم، لكنه لم يختبر شيئاً، لم يعمل، لم يخدم أحداً، لم يتعلم، لم يترك أثراً، وحتى تلك الشجرة الهرمة قدّمت أكثر منه. ولعل هذه القصة القصيرة تقترب من المعنى الذي يُفهم من العبارة التي نشرها الصديق، ولكن قبل ذلك تعطينا تفسيراً لحكمة مفادها أن العمر الطويل ليس ميزة إذا لم يكن له معنى.

يمكن العثور على أمثلة أخرى مختلفة في حياة أشخاص لم يبحثوا عن الأضواء، لكن حياتهم بقيت تحمل معنى إنسانياً وهدفاً نبيلاً، وإن أثرهم امتدّ إلى أبعد مما كانوا يتصورون:

كم معلماً في مدرسة نائية ابتعد عن أهله لسنوات طويلة، وكرّس حياته لعقود في تعليم أجيال تخرّجوا من تلك المدرسة التي كان يصل إليها مع بداية كل سنة دراسية عبر طريق جبلي وعر على ظهر دابة. لكن بتربيته وجهوده غيّر مستقبل آلاف الطلاب، رغم أنه عاش عمره عادياً وراتبه كان متواضعاً.

كم من مهندس حمل فكرة صغيرة في ذهنه ثم نزل بها إلى ميدان العمل حتى تحولت إلى تقنيات تعيد تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية ، من حلول بيئية مبتكرة إلى أدوات تغير وجه المدن، إلى مشاريع كبرى في البنى التحتية والعمران، وصولاً إلى المختبرات والمصانع التي تنتج الأجهزة الحديثة والطائرات العملاقة وأنظمة الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
هؤلاء المهندسون أسهموا كلٌّ بطريقته في إدخال البسمة إلى حياة ملايين البشر. قد لا تحظى أسماؤهم بالشهرة الإعلامية، لكن بصيرتهم واجتهادهم يحضران في كل جسر نعبره، وكل مبنى نرتاده، وكل نظام نعتمد عليه كل يوم. تبقى أفكارهم حيّة في نبض الحياة حتى إن بقيت أسماؤهم مجهولة لدى الكثيرين.

بالمقابل كم أمّ وربّة بيت، ربّت أبناءها على الأخلاق والرحمة، فصاروا نافعين لمن حولهم، وهذا وحده إنجاز لا يُقاس بالأرقام.
كم ربّة بيت بسيطة نجدها في كل أحياء مدننا وقرانا، وقفت طوال سنوات الفقر لتعلّم أبناءها وتدعمهم. كبر الأبناء وأصبح أحدهم طبيباً وآخر مهندساً والثالث معلماً أو مدرّساً. إنها بمثابة مدرسة كاملة صنعتها أم ربما لم تدخل الجامعة يوماً للدراسة فيها، أو أنها فقدت زوجها مبكراً، واضطرت لتكسب رزق عائلتها في أعمال منزلية بسيطة، لكنها أصرت على تعليم أبنائها ليخرجوا إلى الحياة متعلمين وخريجين، وكل ذلك جاء بعد فترة كثمرة لصبرها.

وكم نصادف عاملاً، سواء كان عامل نظافة يستيقظ قبل الفجر، لا يعرفه أحد باسمه الحقيقي كـ”مهندس نظافة”، لكنه يجعل المدينة قابلة للعيش كل يوم بتنظيف شوارعها ومخلفات دورها السكنية وأماكنها العامة.

كم نلمح من بعيد فلاحاً يجتهد مواظباً في حراثة وزراعة أرضه، ويكدّ ليؤمّن رزق عائلته ويضمن لهم حياة كريمة، لكنه في الوقت نفسه يساهم في حياة الآخرين من خلال إنتاجه الذي يصل إلى السوق ويغذّي استدامة مجتمعهم. هذا الفلاح يعلّمنا أن قيمة العمل لا تُقاس فقط بما يعود على صاحبه، بل بما يتركه من أثر على من حوله. كل حفنة تراب يقلبها، وكل بذرة يغرسها، ليست مجرد وسيلة للبقاء، بل رسالة صامتة عن العطاء والمثابرة، عن ارتباط الإنسان بالأرض وبأخيه الإنسان، وعن الدور الذي يلعبه كل فرد مهما بدا بسيطاً في نسيج الحياة الأوسع. في تعبه اليومي يبرز معنى الحياة الحقيقي الذي يتمثل في القدرة على دعم الحياة ومنح الآخرين فرصة للعيش والاستمرار، وليس في امتلاك الكثير.

هذه النماذج وغيرها الكثير تشترك في شيء واحد:
الإنسان لا يبقى بما عاش، بل بما أعطى.
هؤلاء وغيرهم الكثير الذين لا يتسع المقال لذكرهم عاشوا أعماراً بقدر ما أعطوا، لا بقدر ما عاشوا.

البشرية تمضي منذ آلاف السنين في مسارات متداخلة:
هناك من دمّر، وهناك من بنى.
هناك من ظلم، وهناك من ساعد.

هذه هي مسيرة البشر، منذ أن وطأت أقدامهم التراب، لم تكن يوماً خطاً مستقيماً.
مسيرة سلكت فيها البشرية دروباً تتشعّب، تتقاطع، تتصادم أحياناً، وتتآلف أحياناً أخرى. ولكن على هذه الدروب سار من أثقل خطوات الإنسانية بالظلم والخراب، وسار آخرون غيرهم ممن رفعوا رأس البشرية بالعلم والخير والعطاء والبصيرة.

ما أريد أن أخلص له أن الإنسان في هذه المسيرة وفق كل ما أشرتُ إليه يُقاس ليس بالضرورة بما يتركه من أبناء بررة، بل بما يتركه من عطاء وإنسانية. قد يرحل شخص لم يُرزق ولداً، لكنه يترك وراءه كتاباً، موقفاً، فكرة، عملاً إنسانياً كبيراً، أو حتى أثراً صغيراً يغير حياة ولو إنسان واحد، فيكون بذلك قد عاش ألف حياة. وفي المقابل، قد يرحل آخر يترك عشرة، ولا يترك معنى واحداً من كل ما أشرت إليه.

ولكن كل ما أشرت إليه من نماذج إيجابية أو غيرها الكثير هو الذي صنع التقدم الإنساني وما وصلت إليه الحضارة الإنسانية.

ولذلك فإن قيمة كل فرد لا تُقاس بطول عمره أو قصره، بل بما يضيفه في مشوار حياته للإنسانية.

في النهاية، الحياة ليست سباقاً نحو الموت، ولا هي مجرد وقت نعدّه.
الحياة هي ما نتركه وراءنا من عمل نافع، موقف صادق أو إيجابي مؤثر، فعل صغير يساعد شخصاً، فكرة تغير طريقة تفكير أحدهم، كلمة طيبة تصلح القلوب.
هذه الأشياء البسيطة، وليس طول الأعمار، هي التي تجعل الإنسان يعيش حتى بعد رحيله.

هكذا ستبقى مسيرة الإنسان درساً طويلاً يتعلم فيه كيف يسمو إلى الغاية التي وجد لأجلها. وحين تدرك البشرية تلك الغاية، ستنظر إلى ماضيها بدهشة، ولسان حالها يردد:
ترى كم عبث بعض أبنائها بما حولهم، وكم نهض آخرون بما استطاعوا.
وسيفهم حينها أفراد البشرية أن السؤال ليس كم بقي الإنسان حيّاً، بل كم ترك حباً وأثراً حيّاً بعد رحيله.

هكذا، فالوجود لا يُقاس بطول السنين التي يعيشها الإنسان، بل بذلك الضوء الذي يتركه خلفه، فالأثر وحده هو العمر الذي لا يزول. وهذه هي الحياة الحقيقية التي لا تُمحى، حتى حين تبدأ لحظة الموت في نهاية رحلة حياة كانت لها بداية.

وهكذا، لا يُقاس الوجود بطول السنوات التي يعيشها الإنسان ، بل بما يخلّفه من أثر يبقى بعد رحيله. فالعمر الحقيقي هو ما يظل حاضرا في تأثيره وأعماله، لا ما تسجّله الأيام وحدها من عمر. وتبقى هذه هي الحياة التي لا تزول، حتى عند لحظة الموت التي تُنهي مسار حياة بدأت يوما ما ، وهذا ما أريد به في ملحمة كلكامش.

Most Popular