التربية والواقع: من الأسرة إلى المجتمع
تعد الأسرة اللبنة الأولى في تشكيل الشخصية الإنسانية والقيم الاجتماعية، ومن خلالها يكتسب الفرد المهارات الاجتماعية والعاطفية الأساسية التي تؤهله للتفاعل الكفء مع محيطه.
في الوقت الذي يفترض فيه أن تبدأ التربية من الأسرة، لكنها لا تبدأ دائما كما ينبغي، ذلك أن كثيرا من أولياء الأمور أنفسهم كانوا في نشاتهم ضحايا غياب التوجيه والتربية الصحيحة، فكيف لمن لم يتلق تربية سليمة أن يربي غيره تربية أفضل، وكيف لمن لم يعرف القدوة أن يكون قدوة، وكيف لمن لم يتعلم المعنى الحقيقي للأبوة والأمومة أن يمارس هذا الدور بإخلاص ومسؤولية؟
في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر، أصبحت التكنولوجيا الرقمية واقعا لا يمكن تجاهله في حياة الأفراد والأسر. ومع أن هذه التكنولوجيا تحمل إمكانيات معرفية وتنموية كبيرة، إلا أنها في الوقت نفسه تمثل تحديا تربويا وسلوكيا حقيقيا عندما تستخدم دون وعي أو تنظيم داخل الأسرة. إن الاستخدام المفرط وغير المراقب للأجهزة الرقمية من قبل الأبوين قد يفضي إلى ما يمكن التعبير عنه بتعطيل التفاعل الأسري وظهور مشكلات سلوكية لدى الأطفال وضعف جودة التفاعل بين الأجيال داخل الأسرة.
اليوم، في عصر الانترنت والعولمة والتكنولوجيا الحديثة، كم من طفل يعيش في أسرة لا يلتقي أفرادها حتى على مائدة الغداء أو العشاء. الوالدان مشغولان عن بعضهما البعض، فالأم غارقة في هاتفها النقال، والأب مشغول بالعمل طوال يومه. لا حوار في البيت، ولا وقت للتوجيه أو الاحتواء. كل ما يعرفه الطفل عن الحياة هو ما يراه على شاشات التلفاز والهاتف النقال أو ما يسمعه من أصدقاء المدرسة، فتصبح الألعاب الإلكترونية معلمه الأول، والهاتف النقال نافذته على العالم، لكنها تبقى نافذة لا تعلمه الأخلاق أو الحب أو الاحترام كما يجب، ليبقى بعدها يعيش واقعا في أسرة دون أن يشعر فيها بحوار حقيقي أو احتواء أسري. ومع مرور الزمن سيتعامل هذا الطفل مع العالم الافتراضي أكثر من تعامله مع عائلته، لتظهر بعدها عليه علامات التوتر والعزلة، تماما كما يلاحظ مع غيره الكثير من الأطفال أمثاله الذين باتوا يقضون ساعات طويلة أمام الهاتف والألعاب الإلكترونية وسط لا مبالاة الوالدين، بل فرحهم لانشغاله عنهم. هذا العالم الافتراضي الموبوء بالتوتر والعزلة بات يتكلم فيه الطفل بمفردات ولهجة غير لهجة أسرته أو حتى مدينته أو بلده، لهجة التقطها من برامج للصغار يدور فيها الحوار بين الأطفال بلغتهم ولهجتهم المحلية. طفل كهذا بات يتكلم باللهجة السورية أو المصرية أو الأجنبية أكثر أحيانا من لغته أو لهجته المحلية وفق ما يشاهده ويسمعه في عالمه الافتراضي.
يمكن القول إن أسر كهذه تمثل حصيلة زواج حمل مظهرا اجتماعيا أكثر منه مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وأصبح الإنجاب فيها بمثابة خطوة تلقائية، وليست قرارا نابعا من وعي عميق بعظمة الأمانة. والمحصلة أن كثيرا من الأطفال اليوم لا يعيشون في أسر حقيقية، بل وسط جدران يسكنها الفراغ العاطفي والجفاء التربوي، مما يولد جيلا تائها، بلا بوصلة أخلاقية أو سند نفسي متين يواجه به تحديات الحياة. ولم تكتف الفجوة التربوية بالاتساع، بل تحولت إلى هاوية سحيقة تبتلع الكثير من القيم والأخلاق. الهاتف المحمول أصبح صديق الطفولة الأول، والشاشات معلما افتراضيا يزرع القناعات بلا رقابة، والألعاب الإلكترونية تسلب براءة العمر وقد تزرع العدوانية في حالات كثيرة في الأرواح الطرية بسبب ترك الطفل دون عناية ودون متابعة. هذه الأسر كما أشرت أصبح فيها التواصل الحقيقي مشهدا نادرا، الوالدان مشغولان في عالمهما الافتراضي، والأبناء تائهون في عوالم بلا وجوه ولا قلوب حقيقية. اختفى الحوار، وذبلت المشاعر، وتلاشت هيبة الأسرة، وصار البيت مجرد مكان للنوم والأكل، لا حضنا دافئا ولا مدرسة للقيم كما يفترض.
لاحظت إحدى الجمعيات التطوعية أن الأطفال الذين يقضون أكثر من خمس ساعات يوميا على الأجهزة الرقمية يميلون إلى العزلة والعدوانية، ويجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو التواصل مع أقرانهم، بينما الأطفال الذين تحظى أسرهم بوقت يومي من الحوار والأنشطة المشتركة يظهرون قدرة أكبر على التحكم في العواطف وحل النزاعات سلميا.
إن إصلاح الأسرة يتطلب أولا تأهيلا علميا وتربويا لأولياء الأمور. فالتربية ليست مجرد نقل للمعلومات أو قواعد سلوكية، بل هي عملية متكاملة تهدف إلى صوغ الشخصية الإنسانية من منطلق القيم والمبادئ والثوابت الإيجابية. ومن هذا المنطلق، يتعين على الآباء والأمهات فهم أن الحب مسؤولية، وأن التربية رسالة سامية تتطلب حضورا واعيا ومستمرا في حياة الأبناء، بحيث يصبح الأب موفرا للأمان النفسي والاجتماعي، وتكون الأم مصدرا للعطاء المتوازن والموجه نحو النمو الشامل للفرد.
وفي سياق ذلك، ينبغي العمل على تهيئة الوالدين معرفيا ونفسيا لإدراك دورهما الريادي في التنشئة الاجتماعية، من خلال برامج التوعية والتدريب حول إدارة استخدام التكنولوجيا داخل الأسرة، وكيفية الحفاظ على توازن صحي بين التفاعل الأسري واستخدام الأدوات الرقمية. فمن شأن غرس القيم المفقودة، وإيقاظ الضمير الاجتماعي، وتمكين الأولياء من فهم عميق لدورهم في بناء الإنسان، أن يسهم في تحقيق تنشئة سليمة تأخذ بالاعتبار المتغيرات المعاصرة دون التفريط في الثوابت الأخلاقية والإنسانية.
إن عملية التربية الفعالة تتجاوز مجرد رعاية جسدية أو توفير احتياجات مادية، فهي تتطلب وجودا واعيا، واختيارا حكيما لاستخدام التكنولوجيا، وتواصلا إنسانيا مباشرا بين الأجيال داخل الأسرة. وهذا ما يجعل التربية مدخلا أساسيا لبناء مجتمع قوي قادر على مواجهة التحديات الرقمية والثقافية والنفسية في العصر الحديث.
كم من الضرورة بمكان أن يدرك الوالدان أن التربية رسالة مقدسة، وأن مهمة الأب أن يكون حاضنا للأمان، والأم نبعاً للعطاء المتوازن، وأن حقيقة دورهم العظيم تكمن ليس فقط في إنجاب الطفل، بل في بنائه الذي يعني بناء الإنسان والأمم. هذا الدور أصبح أكثر تعقيدا مع كثرة مصادر التأثير الرقمي والانفتاح التكنولوجي، إذ تتداخل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع في التأثير على نمو الطفل وقيمه.
في هذه المهمة، لا يكفي عموما التوجيه العابر ولا الحملات الإعلامية الموسمية، بل لا بد من بناء مؤسسات تربوية واجتماعية حقيقية، يقودها أصحاب الكفاءة والرسالة من الذين يحملون هم الإنسان في قلوبهم عبر بناء العقول وتوفير التربية السليمة. وهذا يتطلب إنشاء مراكز لتأهيل المقبلين على الزواج تأهيلا نفسيا وتربويا قبل أن يكون تأهيلا ماديا، مراكز تجعل التربية مشروعا وطنيا يتبناه الجميع: الأسرة، المدرسة، الإعلام، الدولة.
إن إصلاح المجتمع لا يبدأ من الشوارع ولا من البنية التحتية، بل من الإنسان، من روحه، من فكره، من قلبه. فإذا صلح الإنسان صلح كل شيء حوله، وإذا فسد الإنسان فسد كل شيء، مهما حاولنا تجميل الواجهة الخارجية.
في إحدى الورش المجتمعية لتأهيل الآباء، لاحظ المدربون أن الكثير من المشاركين لم يعرفوا أساسيات الحوار مع الأطفال أو كيفية التعامل مع الغضب والمشاعر الصعبة، وخرجوا من الورشة وقد أدركوا أن التربية ليست مجرد واجب اجتماعي، بل رسالة مقدسة تتطلب وعيا ومثابرة يومية. في كثير من الدول المتقدمة، توجد برامج تأهيل للمقبلين على الزواج تشمل حصصا للتنشئة النفسية وفهم مسؤوليات الأبوة والأمومة، وقد أظهرت الدراسات انخفاض حالات الطلاق والنزاعات الأسرية بين المشاركين مقارنة بمن لم يخضعوا لمثل هذه البرامج.
إن بناء المجتمع يبدأ ببناء إنسان حر، واع، مسؤول، محب لأهله ولوطنه وللإنسانية كلها. وهذا البناء يحتاج إلى خطة طويلة الأمد، لا تخضع لمزاج السياسيين ولا لموجات الموضة، بل لخطة وطنية راسخة، يتعاهد عليها المخلصون جيلا بعد جيل.
فهل آن الأوان أن يبدأ كل المعنيون بهذا؟
المصادر المعتمدة:
1- طارق البكري ، الطفل والتكنولوجيا.. إيجابيات وسلبيات طارق، Volume 19, Issue 44, June 2022, Pages 151-155
2- محمد زياد حمدان ، تربية الأطفال على الإنترنت وحمايتهم من مشاكل الإنترنت والتكنولوجيا المعاصرة ، في ثقافة الأسرة والتربية.
3- جعفر حسن جاسم الطائي ،الأسرة العربية وتحديات العصر الرقمي
، مجلة الفتح للبحوث التربوية والنفسية / كلية التربية الاساسية / جامعة ديالى ، مجلد 16 عدد 4 ، 2012.
4- محمد زياد حمدان ،
الأسرة مع الانترنت وتكنولوجيا المعلومات لإدارة وتقدم الأبناء والحياة الأسرية (الإرشاد والتوجيه الأسري) ،دار التربية الحديثة ، 2015.
5- إحسان محمد الحسن ، موسوعة علم الاجتماع. دار وائل للنشر، عمّان.
التنشئة الاجتماعية للطفل. عالم الكتب، القاهرة.
6- منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
الأطفال في العالم الرقمي. تقارير دورية.
7-.منظمة الصحة العالمية (WHO).
إرشادات حول استخدام الشاشات لدى الأطفال.

