لم تكن أفلام رعاة البقر التي نشأنا على مشاهدتها مجرد تسلية بريئة بل كانت تأسيسا لمنطق يقوم على تمجيد القوة وتبرير العنف وصناعة بطل ينهب ويقتل ويخون تحالفاته ثم يقدم بوصفه حارس العدالة .
رجل الكاوبوي كان دائمًا فوق القانون حيث كان يفرض إرادته بالسلاح وياخذ ما يريد متى شاء فيما الآخرون مجرد كومبارس في مشهده البطولي .
اليوم لم يعد الكاوبوي الأمريكي شخصية سينمائية بل تحول إلى نهج سياسي واقعي يدار به العالم ولا سيما الشرق الأوسط .
تغيرت الأزياء والشعارات والهتافات لكن الجوهر واحد هي الهيمنة وصناعة الفوضى ومن ثم الادعاء بادارتها وكانت سوريا والعراق في مقدمة الدول التي دفعت الى هذا الجحيم بينما لحقت بهما دول عربية أخرى ومعها ايران كل بطريقته في مشهد إقليمي معقد تديره المصالح لا المبادئ .
لم يكن الإرهاب في هذه الجغرافيا حدثا طارئًا بل اداة سياسية جرى استخدامها بوعي . استخدم الدين كسلاح تعبوي والسياسة كغطاء والجماعات المسلحة كأذرع ميدانية ومن بين هذه الجماعات جرى تمجيد الكثير ومنها عصابات الجولاني الابن المدلل وتقديمها في مراحل معيّنة كـ ( قوى أمر واقع ) أو ( بدائل سياسية ) في محاولة فاضحة لإعادة تدوير التطرف ومنحه شرعية جديدة تخدم خرائط النفوذ لا تطلعات الشعوب .
ولم تقف المأساة عند حدود الاقليات الدينية رغم أنها كانت الضحية الاضعف والأكثر عرضة للابادة والاقتلاع بل تجاوزت ذلك لتطال دول الشرق باكملها. فالدولة نفسها جرى استهدافها : تآكلت السيادة، تفكّكت المؤسسات، وتحولت الجيوش إلى كيانات منهكة أو أدوات في صراعات بالوكالة. لم يعد الخراب موجها لمكون بعينه بل لفكرة الدولة ذاتها كي يبقى الشرق هشا وعاجزا عن إنتاج قرار مستقل أو مشروع نهوض حقيقي .
وفي خلفية هذا الدم كله كان الهدف الحقيقي حاضرًا بوضوح : الثروات الطبيعية ( النفط والغاز والمعادن النادره ) في العراق وسوريا والممرات الحيوية في المنطقة تحولت إلى جوهر الصراع .
استغلت هشاشة الدول المنهكة بالحروب لفرض وقائع اقتصادية جديدة وعقود غير متكافئة وسيطرة مباشرة أو غير مباشرة على الموارد ، لم تدخل الجيوش وحدها بل تبعتها الشركات العملاقة لتقاسم الغنائم تحت عناوين ( الاستثمار واعادة الإعمار ) .
إنّ ما جرى ويجري في سوريا والعراق ليس دفاعا عن شعوبهما ولا حربا على الإرهاب بقدر ما هو إدارة للإرهاب بما يخدم المصالح الكبرى تبدأ بتدمير البلد ثم يعاد تشكيله بما يناسب ميزان القوى ومصالحهم بينما يترك الإنسان وحيدا بلا دولة حقيقية ولا سيادة ولا عدالة .
الصراع اليوم ليس صراع حضارات بل صراع مصالح مجردة من الاخلاق .
رجل الكاوبوي الحديث لايرى في الشرق سوى ساحة نفوذ وخزان طاقة ومختبر تجارب للجماعات المسلحة وكلما احترق ملف فتح آخر وكلما انتهت جماعة أعيد تدويرها باسم جديد .
إن بقاء سوريا والعراق ومعهما دول المنطقة في موقع الفريسة ليس قدرا محتوما بل نتيجة صمت طويل وتواطؤ اقليمي ودولي وكسر هذه المعادلة يبدأ بالوعي ورفض تلميع وتمجيد الجماعات المسلحة وفضح المشروع الذي يجمع بين نهب الثروة وادامة الفوضى في لعبة واحدة لا يتغير فيها سوى الاقنعة
( كاوبوي واحد وشرق يستباح ) .

