غالبا ما يقاس معنى الحياة في الوعي الجمعي بلحظاتها الاستثنائية او الفارقة، في حين تهمل الابعاد اليومية المتكررة التي تشكل البنية الفعلية للتجربة الإنسانية. غير ان هذا التصور يغفل حقيقة اساسية مفادها ان كثيرا من اكبر النعم الانسانية لا تظهر في صورة أحداث لافتة، بل تتجلى في انتظام الحياة اليومية واستمرارها دون انقطاع او اضطراب جوهري. فالتشابه الظاهري للايام لا يعكس بالضرورة فراغا في المعنى او رتابة في الحياة اليومية، بل قد يشير، في كثير من الاحيان، الى حالة من الاستقرار الصحي والنفسي والاجتماعي، حدا يجد الانسان سعادته في ذلك، واحيانا يؤدي فقدان ذلك لسبب او ظرف قاهر الى الشعور بالوحدة والغربة مع النفس بما يجعل الإنسان في حالة كآبة وملل لا يمكن الخروج من دوامتها الا بعودة أيامه النمطية تلك.
يمكن توضيحا لهذا، استحضار تجربة انسانية دالة كنموذج مكثف لمعنى الحياة اليومية بوصفها حاضنة للاستقرار الوجودي، تتمثل في قصة رجل من سهل نينوى، وتحديدا من مدينة القوش، قادته هو وعائلته احداث داعش القسرية الى النزوح، ثم الى الغربة والهجرة نحو اميركا. هناك، حيث يفترض أن تتجسد فرص الأمان المادي والاستقرار المعيشي، وجد نفسه في مواجهة شكل اخر من اشكال الفقدان، تمثل في وحدة قاتلة وحزن صامت ناجم عن انقطاعه المفاجئ عن عالمه الاجتماعي الذي الفه، وعن اصدقائه الذين كانوا يشكلون جزءا عضويا من نسيج أيامه. كان يقضي معهم اوقات فراغه، بعد اداء واجباتهم الاجتماعية في محيط مدينتهم الصغيرة، يجتمعون في مقهى قريب، ثم ينطلقون معا في مشي هادئ عبر الدروب المؤدية الى اطراف الجبل المطل على القوش او صوب السهل الممتد اسفل مدينتهم. لم تكن تلك اللقاءات تحمل طابعا استثنائيا ، بل كانت تمثل شكلا من اشكال التكرار المريح الذي يمنح الزمن معناه، ويمنح الفرد إحساسه بالانتماء والاستمرارية.
هذا الرجل، الذي احيل الى التقاعد بعد سنوات طويلة من الخدمة في مهنة التعليم، لم يتمكن من التكيف مع حياة اميركا رغم توفر متطلبات العيش المادي، ورغم وجود اولاده واقربائه وحرصهم على تلبية احتياجاته. ذلك ان ما افتقده لم يكن امرا يمكن تعويضه بالخدمات او الرفاه، بل كان فقدانا لنمط حياة يومي مشبع بالعلاقات، ولروتين بسيط لكنه محمل بدلالات عميقة على الطمأنينة والالفة. لذلك، أثر في نهاية المطاف العودة الى بلده واصدقائه، مفضلا استعادة تلك الحياة اليومية المتكررة على الاستمرار في اغتراب طويل. وجد راحته من جديد في ربوع مدينته الصغيرة، القوش، التي يحتضنها جبلها من الشمال، وتطل المدينة على سهل القوش الذي يشكل جزءا من سهل نينوى المترامي. هناك، في هذا الفضاء الجميل، استعاد الرجل توازنه الداخلي، مؤكدا ان قيمة الحياة لا تقاس فقط بما توفره من امن مادي، بل بما تمنحه من شعور بالانتماء، والقدرة على العيش داخل إيقاع يومي مفهوم ومشترك مع الاخرين. وكم من امثال هذا الرجل الذين امضوا سنوات عمرهم في محيط الالفه واجبروا على الهجرة وتحمل واقعهم الجديد، ولكن دون ان تتوفر لهم آفاق العودة والعيش بأمان وسلام في ديارهم التي ولدوا فيها وهجروها مضطرين، وهذا موضوع آخر.
ان وجود علاقات اسرية ومجتمعية مستقرة، التي يرافقها الاستيقاظ اليومي دون الم جسدي، والقدرة على اداء الوظائف الحيوية بشكل اعتيادي، جميعها عناصر تدرك غالبا بوصفها أمورا طبيعية، رغم كونها في حقيقتها مؤشرات دقيقة على سلامة النظام الحياتي للفرد. ان الإنسان لا ينتبه الى هذه العناصر إلا عند اختلالها.
تمر الكثير من النعم في تفاصيل الواقع اليومي، دون أن تستوقفنا. تفاصيل تذكرنا ، مثلا ، بالموظف الذي يسلك الطريق ذاته كل صباح، متذمرا من الزحام وطول المسافة، لا يرى في هذا الطريق نعمة الا عندما يجبر على البقاء في المنزل بسبب وعكة صحية، فيتحول الطريق الذي كان يمل منه الى امنية مؤجلة. ويمكن ان نجد مثلا اخر في التفاعل الأسري اليومي، الذي يتجسد في اجتماع أفراد الاسرة مع بعض حول مائدة الطعام، في نسق لا ينظر اليه بوصفه قيمة الا حين يتعرض هذا النسق للانقطاع نتيجة فقدان او غياب او هجرة احد او بعض افراد العائلة الى بلد آخر بعد عمر قضب مع جميع أفراد العائلة في محبة وتألف اسريا مستقر و مشبع بالحنان والتضحية والتعاون.
إن هذا المشهد العادي سيغدو ذكرى تستوقف بقية أفراد العائلة يوميا ، بعد أن يفرغ الغياب بسبب الهجرة او غيرها احد المقاعد، فيكتشف افراد الاسرة ان الامتلاء الحقيقي لم يكن في الطعام، بل في الحضور.
وإذا ما تناولنا نظرة الإنسان الى نفسه، نجد انه حتى جسده الذي يعمل بصمت ودقة بادارة عقله الباطن ، دون أن يطالب صاحبه بشيء، لكن الانسان مع ذلك لا يلتفت اليه الا عندما يختل جزء صغير منه، فيدرك أن ما كان يسميه طبيعيا هو في جوهره نظام دقيق من النعم المتشابكة.
من هذا المنطلق، يمكن النظر الى ما يوصف عادة بالملل او الرتابة باعتباره تعبيرا عن غياب الأزمات الكبرى، لا عن غياب المعنى ذاته. فاستمرار الايام دون احداث صادمة او اخبار مفجعة يشير الى وجود ارضية مستقرة تحكم الحياة اليومية. وتشير التجارب الاجتماعية إلى أن التحولات الجذرية في حياة الأفراد لا تنتج غالبا عن تراكم بطيء للاحداث، بل تنتج، كما اشرت، عن لحظة واحدة فاصلة، تتجسد في خبر مفاجئ او فقدان عزيز غير متوقع او تغير واقع حياة معيشي او سكني بسبب ظرف معين. هذه اللحظة تنقل الفرد من حالة الاستقرار النسبي إلى حالة من الاختلال الوجودي.
تكمن الاشكالية الاساسية، في هذا السياق، لا في تشابه الايام، بل في نمط الادراك الذي يتعامل مع هذا التشابه بوصفه فراغا دلاليا، وفي النظرة التي اعتادت النعمة حتى فقدت قدرتها على التأمل. فالروتين في ذاته ليس قاتلا للحياة، بل هو اطارها المستقر، وما يفرغه من المعنى هو غياب الامتنان، ذلك الاحساس الهادئ الذي لا يفرض حضوره، لكنه ان غاب تحولت النعم الى تفاصيل باهتة، لا ترى ولا تقدر. فالسعادة العميقة لا تكون دائما صاخبة او لافتة، بل كثيرا ما تسكننا بصمت، وتعمل في الخلفية، ولا نشعر بقيمتها الا حين تنتزع منا فجاة. من منظور تحليلي، لا يؤدي الروتين اليومي بالضرورة الى تاكل المعنى، بل يشكل الاطار الذي تنتظم داخله الحياة الاجتماعية والنفسية.
غير أن غياب الوعي القيمي، ولا سيما قيمة الامتنان، يحول هذا الاطار الى حالة من التبلد الشعوري. الامتنان، بوصفه الية ادراكية واخلاقية، يسهم في إعادة الاعتبار للنعم غير المرئية، ويمنح التجربة اليومية عمقا يتجاوز بعدها التكراري.
عليه، فإن تشابه الأيام لا يمكن اعتباره مؤشرا على خواء التجربة الانسانية، بقدر ما يمكن فهمه بوصفه دلالة على وجود دائرة أمان تحيط بحياة الفرد. هذه الدائرة لا تعلن عن نفسها بشكل صريح، لكنها تؤدي وظيفة وقائية تتمثل في حفظ التوازن النفسي والاجتماعي، وتمنع الانهيار المفاجئ لبنية الحياة اليومية. ومن هنا، فإن الاستقرار الصامت الذي يرافق تكرار الأيام يمثل، في جوهره، احد اكثر اشكال النعم حضورا، وان كان اقلها اثارة للانتباه.
هكذا لا يظهر غالبا اعظم ما يمنح للانسان في هيئة لحظات استثنائية تلتقط لها الصور او احداث صاخبة يحتفى بها، بل تجده، كما عبرت عنه الكاتبة الشابة هدى صادق في مقال لها تناول هذا الموضوع، يتسلل بهدوء عبر تكرار الأيام نفسها. فالصباح الذي يبدو نسخة مكررة من سابقه يحمل في داخله نعمة الاستيقاظ دون وجع، والقدرة على النهوض دون مساعدة، والتنفس دون جهاز، او تجده في ضحكة مألوفة تتردد في أرجاء البيت، قد لا تثير الانتباه، لكنها دليل صامت على أن من نحب ما زالوا أحياء، وأن الحياة لم تسرق اصواتهم ولا حضورهم بعد. أما الامان الذي اعتدناه حتى كاد يتلاشى من وعينا، فهو في حقيقته احدى اندر النعم، لا ننتبه لوجوده الا عندما يختل فجأة، لنكتشف قسوته حين يغيب. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن فترة الصداقة التي قد لا نشعر بجمالها وطيبتها إلا عند فقدان صديق عزيز.
حين يمر يومك شبيها بامسه، بلا خسائر فادحة ولا كسور داخلية، فذلك ليس دليل فقر في المعنى او خواء في التجربة، بل علامة على أنك تعيش داخل دائرة رحمة تتكرر دون ضجيج. رحمة لا تعلن عن نفسها، ولا تطلب الشكر بصوت عال، لكنها تمسك بحياتك من اطرافها، وتحمي توازنها الهش، وتمنعها من الانهيار يوما بعد يوم.
الحياة اليومية، على الرغم من بساطتها الظاهرية، تمثل المجال الأعمق لتجلي الاستقرار النفسي والاجتماعي والوجودي، وان غياب الوعي بقيمتها لا ينفي كونها احد اكثر اشكال النعمة رسوخا. يشير الدكتور حامد زهران الأستاذ في جامعة عين شمس، في كتابه علم النفس الاجتماعي، الى أن قدرة الفرد على التفاعل الإيجابي في حياته اليومية تعد مؤشرا أساسيا للتمتع بصحة نفسية، وأن العلاقات الشخصية والاجتماعية المستقرة تساهم في تقليل التوتر النفسي وتعزز من القدرة على التكيف مع الضغوطات.
كلمة أخيرة:
أن المشاهد التي توصف بالرتابة والملل ليست فراغا كما يتصوره البعض، بل شواهد خفية على استقرار لم يسلب بعد. فان تمضي أيامك دون صدمات كبرى، وان تنتهي ساعاتك دون خبر مفجع، يعني انك ما زلت واقفا على ارض لم تتشقق تحت قدميك.
كثيرون لم تبدأ مآسيهم بانهيارات ضخمة، بل برسالة قصيرة، او اتصال مفاجئ، او لحظة واحدة نقلتهم من عالم الحياة العادية الى عالم لا يشبه ما عرفوه من قبل، عالم تقاس فيه الايام بالخسارات لا بالتواريخ.

