ثمة قادة يدخلون الحروب باحثين عن النصر، وثمة قادة يدخلونها مقتنعين سلفًا أنهم منتصرون، فلا يهمهمسوى خطاب النصر. الفرق بين الفئتين أن الأولى تنظرإلى الخرائط والنتائج على الأرض، أما الثانية فتنظرإلى الميكروفون والكاميرا. الأولى تراجع حساباتهاعندما تخطئ، أما الثانية فلا تراجع إلا القاموس،فتستبدل كلمة “هزيمة” بكلمة “نصر“، ثم تواصلالمسير كأن شيئًا لم يكن. من هذه الزاوية يبدو ليالتشابه بين الديكتاتور صدام حسين و“الملك” دونالدترامب محكمًا جدًا. ليس لأنهما ينتميان إلى البيئةالسياسية نفسها، ولا لأنهما واجها الظروف ذاتها، بللأن كليهما جسّد ظاهرة سياسية قديمة: تحويل الفشلإلى “بطولة“، والهزيمة إلى رواية انتصار. وهل نسيناأدولف هتلر، الذي ظل في أيامه الأخيرة يعد الألمانبالنصر النهائي بينما كانت برلين تتهاوى فوق رأسهتحت ضربات الجيش الأحمر السوفياتي؟
خاض صدام حسين، “فارس الأمة العربية“، سلسلةً منالحماقات التي دفع العراق ثمنها باهظًا. بدأت بحربٍطويلة استمرت ثماني سنوات مع جارته إيران،استنزفت البلاد والعباد، ثم بغزو جارته “دولة الكويت“،الذي استدعى تحالفًا دوليًا واسعًا ضده، أعقبه حصارٌاقتصادي وعزلةٌ لسنوات طويلة تجرّع خلالها الشعبالعراقي ويلاتٍ لا تُحصى، وانتهت بسقوط نظامهواختبائه في حفرةٍ أصبحت رمزًا لنهايةٍ مأساوية لاتنسجم مع الصورة الأسطورية التي رسمها لنفسه، فماأبعد المسافة بين صهوة الحصان في الملصقات الرسميةوقاع الحفرة. لكن الكوارث لم تكن تنعكس على خطابه،فكلما ازداد الخراب، ازداد حديثه عن النصر.
أما “الرئيس البرتقالي” دونالد ترامب، “أعظم رئيس فيالتاريخ” وفقًا للرواية التي يحب أن يرددها عن نفسه،فرغم اختلاف السياق والظروف، فقد أظهر نزعة مشابهةفي التعامل مع الإخفاقات والتحديات. فالتاجر الذيبنى صورته على النجاح الدائم والقوة المطلقة بدا، فيكثير من الأحيان، عاجزًا عن الاعتراف بأن النتائج قد لاتتوافق دائمًا مع رغباته أو توقعاته. سواء في حربه معإيران، أو في ألعاب الرسوم الكمركية، ففي عالمه لا تكونالمشكلة في القرار، بل في العالم الذي يرفض الاعترافبعبقرية القرار. وعندما تسوء النتائج، يصبح الخطأ فيالآخرين: في الإعلام، أو المؤسسات، أو الخصوم، أوحتى الحلفاء إذا اقتضت الحاجة تحميل أحدهمالمسؤولية.
ولأن التاريخ يعشق السخرية أحيانًا أكثر مما يعشقالمنطق، فإذا كانت سياسات صدام حسين قد انتهت بهإلى حفرةٍ أصبحت رمزًا لسقوط أوهامه، فإن السؤالالذي لم يُجب عنه التاريخ بعد هو: إلى أين يمكن أنتقود سياسات ترامب صاحبها؟
جوهر التشابه بين الرجلين أن كليهما تعامل مع الواقعباعتباره مادة قابلة للتفاوض، لا حقيقة يجب التعاملمعها. فالاعتراف بالفشل، بالنسبة إلى الشخصيةالنرجسية، ليس مراجعة ضرورية، بل تهديد لصورة الذات.
لذلك لا يُعالج الفشل، بل يُعاد تسويقه. وبدل السؤال: لماذا أخفقت؟ يصبح السؤال: كيف أشرح الإخفاقباعتباره إنجازًا؟ عند هذه النقطة تفقد الكلمات معناها. تصبح الهزيمة صمودًا أسطوريًا، والتراجع مناورةذكية، والخسارة نجاحًا مؤجلًا. إنها عملية تجميللغوية، تشبه محاولة إخفاء حفرة عميقة بسجادة فاخرة. قد تخدع العين للحظة، لكنها لا تلغي وجود الحفرة، ولاتمنع السقوط فيها.
غير أن الواقع لا يهتم بالخطب، ولا الشعارات، ولابالتصفيق، ولا بحشود المؤيدين. إنه يواصل تقدمهبصمت وعناد حتى يفرض نفسه في النهاية. ولهذا يقع“القادة” الذين يحيطون أنفسهم بالمصفقين وينفرون منالنقد في الفخ ذاته؛ فمع مرور الوقت لا يعودونيسمعون إلا أصواتهم، وعندما تختفي الأصواتالمخالفة، يختفي معها جرس الإنذار المبكر فتزداد الأخطاء وتتفاقم الكوارث.
التاريخ مليء بقادة خسروا معارك أو انتخابات أورهانات سياسية، لكنهم احتفظوا باحترام الناس لأنهمامتلكوا شجاعة الاعتراف بالخطأ، مثل ونستون تشرشلالذي تقبّل خسارته الانتخابات عام 1945 رغم أنه كان قدقاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الثانية. أماالذين أصروا على تحويل كل هزيمة إلى نصر، فقدانتهوا أسرى لأوهامهم الخاصة. فالكذب على الجماهيرخطير، لكن الأخطر منه أن يبدأ السياسي بتصديقالأكاذيب التي صنعها بنفسه.
في النهاية، لا يُقاس النصر بعدد المرات التي يُعلَن فيها،بل بالنتائج التي يتركها خلفه. أما الذين يحولون الفشلإلى عقيدة، والهزيمة إلى مناسبة للاحتفال، فإنهميشبهون لاعب شطرنج يخسر قطعة بعد أخرى، ثم يقفأمام الجمهور مبتسمًا ليعلن أنه بات أقرب إلى الفوز. قديصفق البعض للحظة، لكن الرقعة تعرف الحقيقة دائمًا.
* الرسم للصديق حمزة حوني طراد

