في زاوية نائية من الغابة المنسية، يذوي بيت خشبي قديم تحت سياطالطقس، حتى يضمحلّ في سكون الكون. الأشجار العالية التي كانت يومًاما شامخة، تحولت إلى حُرّاس منهكين، يابسة لا تقاوم، تحيط بالمكانكأطياف زمن مضى. أوراق الخريف الميتة تناثرت على الأرض، كأنها شواهدصامتة على اندثار الحياة.
إلى جانب البيت، شاحنة بيك أب صدئة، تحتضر بلا جدوى، جماد فقدوظيفته، يشارك الأوراق موتها البطيء. المشهد كله يشي بالفناء، كأنالطبيعة والجماد اتفقا على إعلان النهاية.
لكن وسط هذا الخراب، كان هناك كلب ضال، يتجول في العدم، يبحث عنشيء لا يعرفه. لم يكن يسمع صدًى ولا حفيفًا، ومع ذلك كان يشعر أنهيتنفس. أنفاسه الخفية بدت وكأنها إعلان أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالتمستمرة.
وفي قلب المشهد، تعتصم شجرة الأم، بجذورها في عمق الثرى، تحفظ ماتبقى من ذاكرة تقاوم النسيان، شاهدة على أن الفناء لا يكتمل أبدًا ما دامتهناك أنفاس تتردد في فضاء الغابة.
لم يكن الكلب يبحث عن طعام أو مأوى؛ كان يقتفي أثر الحياة التي ظنالجميع أنها غادرت. وعندما زفر نفساً طويلاً بجانب البيت المتهدم، انحنى لهالغبار إجلالاً. ففي تلك اللحظة، تنفّس الصمت.

