في خضم ما يحدث من تطورات في الشرق الأوسط وانعكاسات ذلك علىواقع بلداننا مجتمعة ومنفردة ومن واقع خصوصية تعقيدات الوضع العراقي، نحاول تأويل ما جاء به داروين في نظرية التطور ونقرنها بتطورات مواقفبعض القوى السياسية واذرعها المسلحة في البلاد… فوفقاً للاعتقادالخاطئ السائد حول ” نظرية النشوء والارتقاء ” لتشارلز داروين، إنهاتستند على مفهوم ” البقاء للأقوى” وهو الاعتقاد الذي تبنته، على ما يبدو، الفصائل المسلحة والميليشيات العراقية، من خلال سلوكها، دون دراية، وهيالتي بالتأكيد ترفض هذه النظرية لأسباب إيمانية عقائدية، وترمي بداروينفي قعر جهنم، لكنها عملياً استندت على هذا المبدأ الملفق الخاطيء عنالعالم الطبيعي داروين ونظريته الفريدة، لفرض وجودها.
وبينما كانت قد استفادت، لحين، من تأييد شعبي بعد قتالها الإرهاب فإنهذا التأييد بدأ ينحسر بعد الانتصار على دولة الخلافة الإسلامية داعش، حيث شاركت فصائل الحشد كظهير ساند للقوة الأساسية من جيش وشرطةاتحادية وجهاز مكافحة الارهاب التي قصمت ظهر الارهاب الداعشيوحررت المدن من ربقته. وارتقى بسببها شهداء أبرار كُثر.
وكانت الميليشيات قد استثمرت، تلك السُمعة، بادعاء احتكارها للبطولاتبدعم من أحزابها المهيمنة على السلطة والإعلام وإضفاء صفة القدسية علىتشكيلاتها لتبرير استخدامها العنف المفرط بقتل شباب انتفاضة تشرين2019 الشعبية لضمان بقائها على سدة الحكم…
ولكن أغلب هذه الفصائل والميليشيات أدركت متأخرة، أن ضغط الواقعوالوقائع تحتم عليها التعامل بشكل مختلف مع المستجدات بعد أن تغيرتظروف البيئة المكانية لها أي الحاضنة الشعبية وانحسار التأييد لها إلىالرفض بعد قمع أبنائها المنتفضين بوحشية وبعد تسخير هذه التشكيلاتسلاحها، الذي يُفترض أن يتكرس إلى حماية الاستقرار والتنمية بعدالانتصار على الإرهاب، إلى وسيلة للهيمنة والنفوذ والابتزاز المالي وفرضالإتاوات.
لذا أصبح لزاماً عليها التزام الأصل الصحيح الذي بشّر به داروين وهو ” البقاء للأصلح ” من خلال ” تكيّف كل كيان مع بيئته ” وما تفرضه الحياةللحفاظ على استمرار نوعها السياسي وكيانها الوجودي وعدم انقراضها.
لاسيما بعد أن طال التغيير، ليس فقط البيئة المكانية الحاضنة، بل ظروفالمناخ السياسي العام في المنطقة، و لغير صالحها ايضاً، بعد الحربالامريكية الاسرائيلية على ايران الاسلامية وتراجع مشروع الهلال الشيعيوالهيمنة الإيرانية التوسعية وتنامي، من ثمة، دور أمريكا بعد فقدانالجمهورية الإيرانية لسوريا الأسد وإضعاف حزب الله اللبناني وانحساردور الميليشيات العراقية الموالية لإيران وتراجع ثقة المواطن الشيعي العراقي، بالخصوص، بصدقية مشروع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي واذرعهاالمسلحة، كما ذكرنا، وشعاراتها المنافقة “.
لهذا كان نزع سلاحها مطلباً شعبياً عراقياً قبل أن يكون مطلباً امريكياً.
لقد شُنت عملية تشويه ظالمة لمباديْ انتفاضة تشرين السلمية عام 2019 وتخوين لشبابها لمجرد دعوتهم لاحتكار الدولة للسلاح، وتعرضوا بسببهاكذلك للإبادة، بينما نشهد اليوم اصطفاف ذات الميليشيات التي قتلتهملتسليم سلاحها إذعاناً لإملاءات أجنبية متمثلة بترامب وإدارته.
إن مبدأ ” الانتقاء الطبيعي ” الذي تفرضه الحياة ونزعة البقاء التي تنتابهذه الاطراف السياسية الاسلامية والميليشيات صيّر تسابقها للاصطفافبالطابور لنزع سلاحها وتبييض وجهها أمام الأمريكان، واجباً شرعياً، لتجنب العاصفة وفقدان كل شيء، بيد أن ذلك لو تقبله الأمريكان فلنيرتضيه العراقيون.. لأنه لن يكون ضماناً كافياً لهم للاطمئنان على مستقبلهمبعد أن أوغلت، هذه القوى، في دمائهم ونهبت ثرواتهم
والمعلوم أن هذا بالتأكيد لا يشكل همّاً أمريكياً وليس من أولوياتهم.
إن الارتقاء الطبيعي يستوجب التزاوج الانتقائي ضمن شروط مناسبة، حسب داروين، للإتيان بنوع موائم للظروف الجديدة، وربما لذلك كانتصريح أحد ممثلي الميليشيات الرافضة لنزع السلاح عندما قال : ” علاقتنانحن المقاومون بإيران مترسخة مثل الزواج الدائم، وعلاقة أبناء السفارةالأمريكية ( من رفاق السلاح ) وقتية مثل زواج المتعة يوم أو يومين وتطردهم“.
من المؤكد أن تحقيق طفرة جينية لهذه الميليشيات نحو الأحسن وارتقاء نسلهابنتيجة هذه الزيجات أعلاه، أمر لا يتوقع المواطن العراقي منه خيراً، بأيحالٍ من الأحوال !

