لم يكن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس قرارا عاديا يمكن المرورعليه مرور الكرام، أو إدراجه في خانة الإجراءات التنظيميةوالأمنية المألوفة، بل بدا ــ بكل ما أحاط به من توقيت ملتبسوملابسات مثيرة للريبة ــ قرارا سياسيا بامتياز، يكشف أكثر ممايخفي، ويطرح أسئلة محرجة عن الخلفيات الحقيقية التي وقفت وراءه، ولا سيما أنه استهدف تظاهرة كانت تحمل في جوهرها صوت الإيرانيين الرافضين للدكتاتورية الدينية، ورسالة واضحة إلى العالم بأن هذا النظام لم يعد يواجه مجرد اعتراض سياسي، بل يواجه شعبا يتطلع إلى إسقاطه، ومقاومة منظمة تعمل بثباتمن أجل هذا الهدف.
إن التظاهرة التي كان من المفترض أن تقام في باريس لم تكنمجرد تجمع اعتراضي عابر، بل كانت تمثل حدثا سياسياوإعلاميا ذا دلالة خاصة، لأنها تأتي في مرحلة هي الأخطروالأكثر حساسية في تاريخ النظام الإيراني، حيث تتزاحم عليهالأزمات من كل صوب: أزمة شرعية داخلية متفاقمة، اقتصادمنهك، مجتمع يغلي تحت وطأة القمع والإفقار، صراع أجنحةيتسع داخل بنية الحكم، وعزلة خارجية لم تعد قابلة للترميمبسهولة. وفي خضم هذا المشهد، كان من الطبيعي أن ينظرالنظام الإيراني بعين القلق إلى أي حشد جماهيري كبيرللمعارضة في قلب أوروبا، وبالأخص في باريس، المدينة التي ارتبط اسمها سياسيا وتاريخيا بكثير من محطات المعارضةالإيرانية.
ومن هنا، فإن قرار الإلغاء لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد احتياط أمني، لأن الذريعة الأمنية، مهما جرى تكرارها، تبدو واهية أمام حقيقة أن التظاهرات والفعاليات السياسية الكبرى ليست أمرا جديدا على باريس ولا على أوروبا عموما، وأنالمعارضة الإيرانية نظمت خلال العقود الماضية مناسباتجماهيرية عديدة من دون أن يكون المنع هو الجواب. أما أن يصدرالقرار في توقيت متأخر، بعد أن كانت الاستعدادات قد اكتملت،وبعد أن توافد آلاف المشاركين من بلدان مختلفة، فذلك لا يعكسحرصا أمنيا بقدر ما يعكس ارتباكا سياسيا أو استجابة لضغوطمورست في الكواليس، وربما لتفاهمات غير معلنة اقتضت إسكات هذا الصوت في اللحظة التي كان يفترض أن يرتفع فيها.
إن أخطر ما في هذا القرار أنه يشي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن النظام الإيراني ما زال قادرا على مد ظله خارجحدوده، ليس فقط عبر شبكاته الاستخبارية وأذرعه المعروفة، بلأيضا عبر استثمار الحسابات الغربية المعقدة، ومخاوف بعضالحكومات من التصعيد أو الإحراج أو تعطيل قنوات التواصل معطهران. فكلما دخلت العلاقة مع النظام الإيراني مرحلة حساسة،وكلما ازدادت حاجة بعض العواصم الغربية إلى إبقاء خطوطالتفاوض مفتوحة معه، ظهرت فجأة تلك اللغة الفضفاضة عن“الاعتبارات الأمنية” و“الحفاظ على النظام العام“، وهي لغةكثيرا ما تُستخدم لتبرير قرارات تصب عمليا في مصلحة الجلادعلى حساب الضحية.
وليس من الصعب فهم سبب انزعاج النظام الإيراني من تظاهرة كهذه. فهو يعرف جيدا أن المشكلة لم تعد في مجرد وجود معارضةفي الخارج، بل في وجود معارضة تمتلك خطابا سياسيا واضحا،وشبكة حضور دولي، وقاعدة من الأنصار، وقبل ذلك كله مشروعابديلا يفضح ادعاء النظام بأنه لا بديل له. ولهذا، فإن أي فعاليةجماهيرية واسعة للمقاومة الإيرانية، ولا سيما إذا أقيمت فيعاصمة أوروبية كبرى، تتحول إلى صفعة سياسية ومعنويةللنظام، لأنها تفضح هشاشته، وتؤكد أن صراعه لم يعد مع أفرادمتناثرين أو أصوات معزولة، بل مع تيار منظم يرى في إسقاطولاية الفقيه شرطا لإنقاذ إيران والمنطقة معا.
ومن هنا تحديدا، يصبح إلغاء التظاهرة خدمة سياسية مجانيةللنظام، سواء تم ذلك بقصد أو من دون قصد. فالنظام الذي فشلفي إسكات المعارضة داخل إيران عبر الإعدامات والسجونوالتعذيب، والذي عجز عن منعها من فضح جرائمه على الساحةالدولية، وجد نفسه فجأة أمام قرار يحقق له ما عجز عن تحقيقهبنفسه: إلغاء منصة كان يمكن أن تتحول إلى إدانة علنية واسعةله، وإلى مناسبة لتجديد التضامن الدولي مع نضال الشعبالإيراني ومقاومته. وبكلمة أخرى، فإن ما لم تستطع أجهزة القمعالإيرانية إنجازه بالقوة، أنجزته حسابات سياسية ملتبسة تحتعنوان “المنع الوقائي“.
إن المستفيد الأول من هذا الإلغاء ليس سوى النظام الإيراني، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجدل. فحين يمنع الإيرانيونمن رفع صوتهم في باريس ضد الإعدامات والقمع والدكتاتورية،فإن الرسالة التي تصل إلى طهران هي أن الضغوط التييمارسها النظام، بصورة مباشرة أو عبر التلويح بالفوضىوالتهديدات، يمكن أن تؤتي ثمارها. أما الرسالة التي تصل إلىالشعب الإيراني فهي أشد مرارة: حتى حين يبحث عن منبر حرفي الخارج، فإن حسابات السياسة قد تتقدم مرة أخرى علىمبادئ الحرية وحقوق الإنسان.
وهنا تكمن الفضيحة الأخلاقية والسياسية في آن واحد. فالغربالذي لا يتوقف عن الحديث عن الديمقراطية وحرية التعبير وحقالشعوب في مقاومة الاستبداد، يجد نفسه في لحظة الاختبارالحقيقية مترددا، مرتبكا، بل وقابلا ــ تحت ذرائع شتى ــ لاتخاذخطوات تصب في مصلحة أحد أكثر الأنظمة قمعا وعداء لتلكالقيم. وما يزيد الأمر سوءا أن هذا التردد لا يعبر فقط عنازدواجية المعايير، بل يبعث برسالة خطيرة إلى الأنظمةالاستبدادية مفادها أن الضغط والابتزاز والمساومة يمكن أن تؤديفي نهاية المطاف إلى خنق أصوات المعارضين حتى في عواصمالحرية نفسها.
ثم إن القضية هنا لا تتعلق بتظاهرة واحدة ألغيت، بل بما هوأعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالصراع بين من يريد لإيران أنتبقى رهينة لنظام ديني قمعي قائم على القتل والتصدير المنهجيللأزمات، وبين من يريدها بلدا حرا سيدا يعيش في ظل دولةديمقراطية تفصل الدين عن السلطة وتحترم الإنسان. ولذلك فإنأي إجراء من شأنه أن يضيق على المعارضة الحقيقية، أو أن يحدمن قدرتها على إيصال صوتها، لا يمكن اعتباره خطوة محايدة،لأنه يحدث موضوعيا اختلالا في ميزان الصراع لمصلحة النظام.
لقد كان المنتظر من دولة مثل فرنسا، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حاضنة لقيم الحرية والحق في التعبير، أن تؤمنالتظاهرة وتحميها، لا أن تلغيها. وكان الأجدر بها أن تدرك أنحماية حق الإيرانيين في التظاهر ضد الاستبداد لا تقل أهمية عنأي اعتبار آخر، بل هي جزء من صون القيم التي تدعي الدفاععنها. أما أن يترك الأمر لذرائع فضفاضة وقرارات متأخرة ومربكة،فذلك لا يزيد المشهد إلا غموضا، ولا يمنع إلا من طرح السؤالالأوضح والأكثر إلحاحا: من الذي أراد فعلا إسكات تظاهرة 20 يونيو؟ ولمصلحة من جرى ذلك؟
إن ما حدث في باريس يجب ألا ينظر إليه بوصفه مجرد واقعةعابرة، بل بوصفه مؤشرا خطيرا على طبيعة الاشتباك الدائر حولالملف الإيراني، وعلى حجم ما يبذله النظام من جهود لكي يضيقالخناق على خصومه حتى خارج حدوده. كما يكشف، في المقابل،أن معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية ليست فقط معركة ضدالاستبداد في الداخل، بل هي أيضا معركة ضد الصفقاتالرمادية والتسويات الملتبسة والحسابات الباردة التي قد تجد فيإسكات صوت الضحية ثمنا مقبولا لتجنب إزعاج الجلاد.
وفي المحصلة، فإن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس لا يطرح سؤالا عن سبب المنع فحسب، بل يطرح سؤالا أكبر وأخطر: إلىأي حد يمكن للمصالح السياسية أن تدفع بعض الديمقراطياتالغربية إلى التضحية بمبادئها عندما يتعلق الأمر بالنظامالإيراني؟ وما جرى، مهما حاول البعض تغليفه بالتبريرات، يبقىعلامة استفهام كبيرة، بل وصمة سياسية وأخلاقية، لأن نتيجتهالنهائية كانت واضحة: إسكات صوت المحتجين، ومنح النظامالإيراني فسحة تنفس هو بأمس الحاجة إليها في واحدة منأصعب مراحله.

