في الوقت الذي يرزح فيه ” العراق ” تحت وطأة الأزمات المالية المتلاحقة وتتأخر فيه مستحقات الموظفين والفلاحين وتتصاعد فيه شكاوى المواطنين من ضعف الخدمات وتراجع القدرة الشرائية ، تبرز إلى السطح تصريحات النائب السابق ” محمد الشمري ” بشأن منح العراق قروضا مالية لدول ” أفريقية ” بمئات ملايين الدولارات ، وفق وثائق قال إنها صادرة عن ” صندوق العراق للتنمية الخارجية ”
أن هذه الأرقام التي تتحدث عن مبالغ تجاوزت ” مئتي مليون دولار ” موزعة على عدد من الدول الأفريقية ، لا تثير التساؤلات حول جدوى السياسة المالية العراقية فحسب ، بل تفتح بابا واسعا أمام سؤال أكثر عمقا وهو : كيف لدولة تعلن التقشف وتبرر تأخر الرواتب والمستحقات بعجز السيولة أن تتحول إلى جهة مانحة للقروض خارج حدودها ؟ ، وذلك مايظهر لنا بأن االأزمة العراقية اليوم لم تعد أزمة موارد ، فالعراق يمتلك ثروات نفطية هائلة وإيرادات بمليارات الدولارات ، لكنها تتبخر في دهاليز الإدارة المرتبكة وشبكات المصالح المتشابكة ، فمنذ سنوات طويلة تحول الفساد من حالات فردية معزولة إلى منظومة متكاملة تضرب جذورها في مفاصل الدولة ، حتى بات أشبه بمستنقع واسع يبتلع كل محاولات الإصلاح ويستنزف مقدرات البلاد ، فهذه الأموال التي صرح بها اليوم لم تذهب ” حسنه لوجه الله ” دعما من الحكومة العراقية للانسانية في افريقيا بل ذهبت ضمن ترتيبات ومشاريع مخفية المعالم وفي إطار تفاهمات لا تخضع للرقابة والشفافية ، ضمن شبكات مصالح وصفقات تدار بعيدا عن أعين الرأي العام ، مستفيدة من حالة الفوضى الإدارية وضعف المساءلة
لقد أصبح الفساد في العراق أكبر من مجرد اختلاس هنا أو عقد مشبوه هناك بل تحول إلى بنية معقدة تتغذى على غياب المحاسبة وتداخل النفوذ السياسي والمالي ، حتى أصبح المواطن العراقي يشعر بأن ثروات بلده تسير في اتجاهات عديدة بينما يبقى هو عالقا بين انتظار راتب متأخر أو مستحقات زراعية مؤجلة أو خدمة أساسية لا تصل ، فقضية القروض الممنوحة للخارج ليست مجرد أرقام مالية بل مرآة تعكس خللا كبيرا في عمق الدولة ، لأن الدولة التي تعجز عن إنصاف أبنائها وتطلب من مواطنيها تحمل التقشف ، ثم تذهب بأموال الشعب الى الخارج هي دولة يكتب على مدخل مكاتبها ” دولة الصفقات المشبوهة ” ، فأنفاق الأموال خارج حدودها ليس بأمر يستهان به ، ويجب ان تحاسب عليه ويقدم كشف حساب شفافا لكل دينار خرج من خزينة البلد دون مبرر
فالشعوب دائما ما تثور حينما تشعر أن ثرواتها تُدار بلا وضوح ، وأن أبوابا كثيرة تفتح في الخفاء ، فيما تبقى الأبواب الموصدة في وجه المواطن البسيط هي الأكثر حضورا في المشهد ، ليبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم : ما وراء تلك الأرقام من حكايات لم تُكشف بعد ؟ ، في بلد ما زالت ملفات الفساد فيه أكبر من أن تختصرها التقارير ، وأعمق من أن تخفيها البيانات الرسمية .


