Homeمقالاتالجلاد في هيئة المُخلِّص العراق بين مسرحية الإصلاح ومكافحة الفساد : دعاء...

الجلاد في هيئة المُخلِّص العراق بين مسرحية الإصلاح ومكافحة الفساد : دعاء هزاع الجابري

دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

 

هناك لحظات لا يحتاج فيها الواقع إلى كاتب يبالغ في وصفه ، لأن العبث نفسه يتولى المهمة ، وفي ” العراق ” حين يجلس من يُنظر إليهم بوصفهم جزءا من ” المنظومة الحاكمة للفساد ” على طاولة ” مكافحة الفساد ” ، لا يعود السؤال : ماذا سيحدث؟ بل : كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المتهم يروي للضحية معنى العدالة؟ ، حيث لم يعد الفساد هنا مجرد ظاهرة سياسية بل أصبح فلسفة حكم ، وعقيدة سلطة ، ومنهجا لإدارة الدولة ، فمنذ عام 2003 لم يُبنَ النظام السياسي على مفهوم الدولة بل على تقاسمها ، ولم تُوزع المسؤوليات بقدر ما وُزعت الغنائم ، حتى أصبحت المحاصصة مصنعا دائما لإنتاج الفساد لا وسيلة لاحتوائه

ولذلك فإن كل حديث عن الإصلاح يبدأ من داخل المنظومة نفسها يبدو أشبه بمحاولة إقناع الناس بأن النار قادرة على إطفاء نفسها ، فحين يجتمع رئيس الوزراء اليوم مع القوى السياسية التي يراها كثير من العراقيين جزءا من المنظومة التي حكمت البلاد طوال السنوات الماضية تحت عنوان ” مكافحة الفساد ” فإن المشهد لا يبعث على الاطمئنان بل يوقظ سؤالا منطقيا لا مهرب منه وهو : هل يستطيع المتهم أن يكون قاضيا ؟ وهل يملك من عاش على اقتصاد السلطة والمحاصصة الشجاعة ليهدم الأساس الذي حفظ له النفوذ والثروة ؟

فالفساد ليس لصا سرق خزينة ثم هرب ، إنه منظومة كاملة تبدأ بالقرار السياسي وتمر بالمحاصصة وتنتهي بإهدار المال العام ، إنه شبكة من المصالح المتداخلة لا أفرادا متفرقين ، ولذلك فإن من يريد اقتلاع الفساد عليه أولا أن يقتلع التربة التي أنبتته ، لا أن يقطف بعض أوراقه اليابسة أمام عدسات الكاميرا ، أما حملة الاعتقالات التي رافقت هذه الاجتماعات فقد قُدمت للرأي العام بوصفها بداية معركة الدولة ضد الفساد ، لكنها في حقيقة الأمر ليست سوى مشهد مسرحي تأبى الحقائق أن تصفق له ، فالدولة التي تريد حقا أن تحارب الفساد لا تبدأ بالأطراف وتترك الرؤوس ، ولا تختار خصومها وتغض الطرف عن حلفائها ، ولا تجعل القانون يمر على الضعفاء ثم يتوقف عند أبواب الأقوياء

فلقد أثبت التاريخ أن السلطة حين تشعر بأن صورتها تتآكل تبحث عن مشهد يعيد إليها شيئا من هيبتها ، فتُكثر من اللجان وتعلن الحملات وتُصدر أوامر الاعتقال ، لكنها تتجنب السؤال الأخطر وهو : من الذي صنع هذا الخراب بعمقه؟ ، لأن الإجابة عن هذا السؤال لا تقود إلى موظف صغير بل إلى منظومة كاملة لا تستطيع أن تحاكم نفسها دون أن تعترف أولا بأنها كانت جزءا من المشكلة ، ثم تأتي الدعوات لاجتماعات جديدة مع بقية أركان المشهد السياسي وكأن المطلوب هو استكمال أركان المسرحية لا استكمال شروط العدالة ، وكأن العراق بذلك يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات لا إلى قضاء لا يعرف أسماء السياسيين ، ولا انتماءاتهم ، ولا تحالفاتهم

إن أكثر ما يثير الأسى في هذا السيناريو المعد مسبقا ، ليس استمرار الفساد بل محاولة تحويله إلى بطل يقود معركة القضاء على نفسه ، فهذه ليست مفارقة سياسية بمضمونها بل مفارقة وجودية تكشف كيف يمكن للسلطة أن تعيد تعريف الأشياء حتى يصبح الجلاد مصلحا والمتسبب بالأزمة منقذا ، ويصبح المطلوب من الشعب أن يصفق لا لأن الحقيقة انتصرت بل لأن المسرحية أُخرجت بإتقان ، لكن الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب هي أنها بذاتها ومعناها الوجودي لا تعيش في المؤتمرات ولا في البيانات الرسمية ولا في صور المصافحات ، بل تعيش في ” ذاكرة الشعوب ” وهي ذاكرة لا تنسى من حكم ، ومن قرر ، ومن اقتسم ، ومن صمت ، ومن استفاد ، ولهذا تبقى عصية على التزييف ، وتأبى أن تصفق لمشهد لم يتغير فيه سوى ” عنوان الفصل ” بينما بقي الممثلون أنفسهم وبقي النص نفسه وبقي العراق يدفع ثمن مسرحية يطول عرضها ويقصر فيها الأمل .

Messenger_creation_701DF671-F922-4A5B-96EC-76D1F3302991wGgtuQ9

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular