Homeمقالاتبين جراح الماضي ومخاوف المستقبل : خالد الياس رفو

بين جراح الماضي ومخاوف المستقبل : خالد الياس رفو

في ظل الواقع المأساوي الذي يثقل كاهل المجتمع الايزيدي وبين ضبابية المشهد العام وغموض المستقبل يعيش أبناء هذا الشعب اليوم حالة عميقة من القلق والترقب والخوف وذلك ليس بسبب أزمة عابرة أو ظرف مؤقت، بل يعود إلى تداعيات إبادة جماعية ما تزال آثارها تنخر في تفاصيل حياتهم وتلقي بظلالها الثقيلة على حاضرهم ومستقبلهم.

من الصعب على شعب نجا من واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث أن يستعيد شعوره بالأمان بينما لا تزال أسباب الخوف قائمة والعدالة غائبة والحقوق مؤجلة والجراح مفتوحة على احتمالات مجهولة.

لقد تجرع الأيزيديين مرارة المأساة بكل تفاصيلها وتعرضوا للقتل الجماعي والخطف والسبي والتهجير القسري وسلبت ممتلكاتهم ودمرت منازلهم وأُحرقت مزارعهم ونهبت ثرواتهم الحيوانية ولم تكن تلك الجريمة تستهدف الإنسان وحده، بل استهدفت وجوده وهويته وتاريخه وذاكرته الجماعية في محاولة لاقتلاع شعب بأكمله من جذوره وتركه يواجه مصيراً تتجاوز قسوته حدود الوصف مخلفاً جراحاً لم تندمل حتى اليوم.

غير أن الأكثر إيلاماً هو أن آثار تلك الإبادة لم تنته بانتهاء العمليات العسكرية فبعد أكثر من عقد من الزمن لا يزال الذين انسحبوا (هربوا) وتركوا أبناء الشعب الأيزيدي فريسة سهلة في أكثر اللحظات خطورة ومصيرية بعيدين عن أي مساءلة أو محاسبة، كما لا يزال كثير ممن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء وارتكبوا جرائم القتل والسبي والإبادة يفلتون من العدالة في وقت ما تزال فيه عشرات المقابر الجماعية شاهدة على هول الجريمة وتنتظر استخراج رفات الضحايا فيها ليواروا الثرى بما يليق بكرامتهم وإنسانيتهم.

في الوقت ذاته ما تزال آلاف الأمهات يحدقن في الطرقات بعيون أنهكها الانتظار وقلوب تتشبث بأمل يكاد ينطفئ في عودة أبنائهن وبناتهن المختطفين وما يزال آلاف الأطفال الذين كانوا رضعاً أو لم يتجاوزوا عمر الخمس سنوات أثناء الإبادة أو ولدوا بعدها في مخيمات النزوح يكبرون وهم لا يعرفون قراهم ولا بيوتهم ولا الأرض التي ينتمون إليها، لقد نشأ الكثير منهم وهو يعرف نفسه بأنه ابن المخيم لا ابن سنجار أو إحدى القرى الايزيدية التي حرم منها بسبب الإبادة.

أما سنجار الجريحة التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن وجودها فما تزال تنتظر أن تعود إليها الحياة .. شوارعها ومدارسها ومستشفياتها ومراكزها الصحية وشبكات المياه والكهرباء ومؤسساتها الخدمية جميعها ما تزال تنتظر إعادة الإعمار وكأن الزمن توقف فيها عند لحظة الفاجعة، لتبقى مدينة كاملة معلقة بين الماضي والحاضر تنتظر أن تستعيد روحها فيعود إليها أهلها الذين ما زالوا يعيشون في وطنهم وكأنهم لاجئون.

لقد صنعت هذه التراكمات واقعاً نفسياً بالغ القسوة فالغالبية العظمى من أبناء الشعب الأيزيدي يعيشون اليوم تحت وطأة الصدمات النفسية والكوابيس والقلق المزمن والخوف من المستقبل، إنهم يخوضون معارك صامتة في أعماقهم .. يصرخون بلا صوت ويتمسكون بالحياة رغم ثقل الآلام لكنهم كثيراً ما يشعرون بأن لا أحد يسمع صرخاتهم ولا أحد يكترث لمعاناتهم.

لعل أكثر ما يضاعف من عمق هذه الجراح هو شعور الايزيديين بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الموت والمصير المجهول فالسلطات السياسية في بغداد وأربيل والموصل لم تظهر حتى اليوم اهتماماً يرتقي إلى حجم الفاجعة الإنسانية التي حلت بهذا الشعب، بل بدا في كثير من الأحيان أن القضية الايزيدية تحولت إلى ملف ثانوي مهمل أو إلى ورقة للمساومات السياسية تناقش من دون حضور أصحابها وتتخذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم من دون الرجوع إليهم وكأنهم مجرد أرقام في تقارير رسمية لا شعب يمتلك تاريخاً عريقاً وهوية أصيلة وحقوقاً لا يجوز التفريط بها.

في خضم هذا الإحباط المتراكم برزت وللأسف الشديد ظاهرة مؤلمة داخل المجتمع الايزيدي نفسه ففي بعض الأحيان، بدلاً من أن تتحول الجراح المشتركة إلى مصدر للوحدة والتكاتف أصبحت مدخلاً للخلاف والانقسام وبدلاً من أن يسند الأيزيديين بعضهم بعضاً، أخذ بعضهم يهاجم بعضاً ويتبادل الاتهامات والتجريح والتخوين وكأنهم خصوم متنازعون لا أبناء قضية واحدة ومصير واحد.

إن هذه الانقسامات لا تخدم إلا الجهات التي تسعى إلى إضعاف الشعب الايزيدي، فهي تستنزف طاقاته وتعمق جراحه وتؤخر تعافيه وتضعف قدرته على الدفاع عن حقوقه وانتزاع مستقبله ولقد أثبتت تجارب الشعوب التي مرت بالكوارث الكبرى أن النهوض لا يتحقق إلا عندما تتجاوز خلافاتها وتؤمن بأن وحدتها هي الركيزة الأولى للعدالة والتعافي والبقاء.

إن الأجدر بشعبنا الأيزيدي أن يحتضن بعضه بعضاً وأن يصغي إلى اختلافاته بعقل منفتح وأن يدافع أفراده عن بعضهم بعضاً وأن يتصالحوا مع أخطائهم ويقدموا التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة العامة. فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة والنقد لا يجوز أن ينحدر إلى الإساءة والتنوع في الأفكار داخل المجتمع يجب أن يكون مصدر قوة لا سبباً للتفكك والانقسام.

إن المرحلة التي يعيشها الأيزيديين اليوم تتطلب وعياً فكرياً عميقاً وإرادة جماعية راسخة وإيماناً بأن مستقبل هذا المجتمع لا يمكن أن يبنى إلا بسواعد أبنائه.
كما تتطلب احتضان الشباب والاستماع إلى أفكارهم وتشجيعهم على المشاركة الفاعلة وعدم الخوف من طموحاتهم أو مبادراتهم فهم ليسوا عبئاً على مجتمعهم بل يمثلون الأمل الحقيقي في إعادة بنائه وصناعة مستقبله.

إن مسؤوليته اليوم لا تكمن في أن يبقى أسرى للماضي، بل في أن يتعلم منه ولا في أن يستسلم للخوف، بل في أن يحوله إلى قوة تدفع نحو العمل والبناء.
القضية الأيزيدية ليست قضية ضحايا فحسب، بل قضية شعب يستحق الحياة والكرامة والعدالة ولن يكون قادراً على حماية وجوده ومستقبله إلا إذا آمن بوحدته واحترم تنوعه وجعل مصلحة مجتمعه فوق كل اعتبار.

لقد آن الأوان لأن يستفيق الشعب الأيزيدي من كابوس الإبادة الجماعية وأن يعيد بناء الثقة فيما بينهم وأن يوحد الصفوف ويوجه طاقاته نحو خدمة المجتمع وقضيته الإنسانية العادلة فالمستقبل لا يصنعه اليأس ولا تبنيه الخلافات وإنما تصنعه إرادة شعب يؤمن بأن النهوض يبدأ من الداخل وأن الوحدة ليست خياراً سياسياً فحسب بل شرطاً أساسياً للبقاء وضمانة حقيقية لصون الوجود وحماية الهوية وصناعة مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وكرامة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular