Homeمقالاتقصيدة "لو كنت شجرة" للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند * : ترجمة سهيل...

قصيدة “لو كنت شجرة” للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند * : ترجمة سهيل الزهاوي

لو كنتُ شجرة،

لو كنتُ شجرة،

لكانت لي أفراحٌ صامتة.

لأتتني تلك السعادةُ من أماكن بعيدة.

لو أنني فقط أفسحتُ لها السبيل.

 

لتسكنني الطيورُ وتبني فيَّ أعشاشها،

وأقفُ على جانب الطريق؛

فيقصدني أبناءُ البشر المُرهَقون،

ويلتمسون السكينةَ في ظلي؛

وكان كلُّ شيءٍ سيأتي إليَّ.

 

ريحٌ لكانت تهدرُ فيَّ،

ونحلٌ يحملُ لقاحي،

تمضي الأيامُ من حولي،

وتسكبُ الليالي نداها فوق أوراقي.

 

فوق هذه الأرض تمضي الفصول،

تخترقني جميعًا في مسيرها،

تُثقلني الثمارُ بفيضها،

وتتساقطُ أوراقي،

ثم يعودُ الربيعُ فيبعثُ فيَّ الحياةَ من جديد.

تحتَ النجومِ الصامتة،
كنتُ لأرقدَ رقدتي في الثلج،
لو كنتُ شجرةً!

 

*أرنولف أوفرلاند وقصيدة “لو كنتُ شجرة“: فلسفة الصمود في زمن الاضطراب

 

 

في تاريخ الأدب النرويجي، تبرز قصيدة “لو كنتُ شجرة” (Var jeg et tre) للشاعر أرنولف أوفرلاند كعلامة فارقة، ليس فقط لجمالها الغنائي، بل لكونها“مانيفستو” صامتاً للسكينة في عصر كان يضج بالتحولات الكبرى. نُشرتهذه القصيدة عام 1927 ضمن مجموعته الشهيرة “الجبل الأزرق” (Berget det blå)، لتمثل ذروة مرحلة “الغنائية التأملية” في مسيرة شاعر سيتحوللاحقاً إلى صوت المقاومة الأول في بلاده.

سياق عاصف ورمزية صلبة

لم يكن اختيار أوفرلاند لرمزية “الشجرة” في عام 1927 محض صدفة جمالية. فقد كان المجتمع النرويجي آنذاك يغلي فوق صفيح ساخن من الاضطراباتالعمالية والصراعات الطبقية الحادة. وسط هذا الضجيج السياسي والفوضىالاجتماعية، لجأ أوفرلاند إلى الطبيعة، لا هروباً منها، بل بحثاً عن “نموذجللصمود“. الشجرة في قصيدته ليست مجرد نبات ساكن، بل هي كائنأخلاقي، ثابت في مكانه، يقف على قارعة الطريق ليمنح ظله وأمانه للجميع دونتمييز؛ إنها تجسيد لليوتوبيا (المدينة الفاضلة) التي عجزت الأيديولوجيات عنتحقيقها.

لغة “السهل الممتنع” وحرب الهويات

“… خاض أوفرلاند في تلك الفترة معارك ثقافية طاحنة، أبرزها“حرب اللغات” في النرويج. وباعتباره المدافع الأول عن لغة“الريكس مول” (Riksmål) — وهي النسخة الأدبية الكلاسيكيةوالرصينة التي تطورت لتصبح لغة “البوكمول” (Bokmål) المستخدمة رسمياً اليوم — أراد أوفرلاند من خلال هذه القصيدة أنيبرهن على أن هذه اللغة قادرة على ملامسة أعمق الشجونالإنسانية بأقل عدد من الكلمات. لقد صاغ القصيدة في قمة صفائهااللغوي؛ مكثفة، واضحة، وخالية من الحشو، فيما يُعرف أدبياً بـ“السهل الممتنع”، حيث الكلمة البسيطة تحمل خلفها عمقاً وجودياً هائلاً

الواقعية الروحية في قلب الراديكالية

رغم انخراط أوفرلاند في حركة باتجاه الفجر “Mot Dag” اليساريةالراديكالية، إلا أن قصيدة “لو كنت شجرة” كشفت عن جانب إنساني شفيفبعيد عن النبرة الثورية الصاخبة. القصيدة تنتمي إلى تيار “الواقعية الروحية” الذي ساد في أوروبا بعد أهوال الحرب العالمية الأولى؛ وهو تيار حاول استعادةالتوازن النفسي للإنسان من خلال إعادة الارتباط بالطبيعة. لقد قدم أوفرلاندالشجرة كـ “ملجأ داخلي”، وصورة مثالية للإنسان الذي يطمح أن يكونه: كائناً يتحمل ثقل الحياة (الثمار) وقسوة الزمن (الفصول) بكرامة صامتة، بعيداً عنضجيج “بني البشر” وقلقهم الوجودي وخوفهم من الغيبيات.

الخاتمة: الشجرة كبيان للكرامة

بهذه القصيدة، ثبّت أرنولف أوفرلاند مكانته كشاعر للروح والواقع معاً. لقد علّمناأن الأمان والعدالة لا يحتاجان دائماً إلى صراخ، بل يحتاجان أحياناً إلى“رسوخ الأشجار“. “لو كنتُ شجرة” ليست مجرد أمنية طفولية بالراحة، بل هيدعوة ناضجة للتحلي بصلابة الطبيعة ونقائها، وهي تذكير دائم بأن أسمىأشكال النضال قد تكمن في القدرة على البقاء صامداً، مثمراً، ومانحاً للطمأنينة وسط عواصف الحياة.

ضمن مجموعته الشهيرة “الجبل الأزرق” 1927

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular