Homeمقالاتأزمة النظام الإيراني لا تحل بالحرب أو بالمفاوضات : منى سالم الجبوري

أزمة النظام الإيراني لا تحل بالحرب أو بالمفاوضات : منى سالم الجبوري

لم تعد أزمة النظام الإيراني أزمة مرتبطة بملفه النووي أو بعلاقته مع الولايات المتحدة والغرب، بل باتت أزمة بنيوية تمس طبيعة النظام نفسه وآلية حكمه. ولذلك، فإن كل المحاولات التي جرت خلال العقود الماضية لمعالجة هذه الأزمة، سواء عبر الحروب والضغوط العسكرية أو عبر المفاوضات وسياسات الاسترضاء، لم تؤد إلى حل دائم، بل أسهمت في تأجيل الانفجار الداخلي وإطالةعمر الأزمة.

لقد أثبتت التجارب أن الخيار العسكري، رغم ما قد يلحقه بالنظام من خسائر، لا يستطيع أن يصنع بديلا سياسيا أو يحققالاستقرار داخل إيران. فالحروب غالبا ما تترك وراءها فراغاسياسيا وتداعيات إنسانية واقتصادية معقدة، بينما يبقى الشعبالإيراني هو الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر.

وفي المقابل، فإن المفاوضات التي تعاقبت على مدى سنوات طويلة لم تحقق هي الأخرى النتائج التي كان المجتمع الدولي يأملها. فكل جولة تفاوض كانت تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة، سرعان ما تتراجع فعاليتها مع عودة الأزمات إلى الواجهة. وقد تعامل النظام مع تلك المفاوضات باعتبارها وسيلة لكسب الوقت، وتخفيف الضغوط، وإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية، أكثر من كونها فرصة لإحداث تغيير حقيقي في سياساته.

إن جوهر المشكلة يكمن في أن الأزمة ليست خارجية فحسب، بل هي داخلية بالدرجة الأولى. فهناك فجوة متسعة بين السلطة والمجتمع، وتراجع مستمر في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتصاعد للاحتجاجات الشعبية، إلى جانب اتساع دائرة الرفض الشعبي لمنظومة الحكم. وهذه العوامل لا يمكن لأي اتفاق سياسي أو مواجهة عسكرية أن يعالجها بصورة جذرية.

ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل إيران لا ينبغي أن يقتصر على مفاوضات العواصم الكبرى أو حسابات القوة العسكرية، بل يجب أن ينطلق من حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بنفسه. فالتغيير الحقيقي لا يفرض من الخارج، وإنما يصنعه الداخلعندما تتوافر له قيادة سياسية واضحة، وبرنامج بديل، وقدرة علىتنظيم الحراك الشعبي وتحويله إلى مشروع وطني للتغيير.

لقد برهنت السنوات الأخيرة أن وجود معارضة منظمة تمتلك رؤية سياسية وشبكة نشاط داخلية وخارجية نظير المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، يمثل عاملا أساسيا في أي عملية انتقال نحومستقبل مختلف. فكلما اتسعت رقعة الاحتجاجات وتزايد التنسيقبين القوى الرافضة للاستبداد، أصبحت فرص الوصول إلى تغييرمستدام أكثر واقعية.

إن الأزمة الإيرانية بلغت مرحلة لم تعد تسمح بالرهان على الحلول التقليدية. فلا الحرب قادرة على بناء إيران مستقرة، ولا المفاوضات أثبتت قدرتها على تغيير سلوك النظام بصورة جوهرية. ويبقى الطريق الأكثر واقعية واستدامة هو ذلك الذي يستند إلى إرادة الإيرانيين أنفسهم، وإلى نضالهم من أجل إقامة دولة تقوم على الحرية وسيادة القانون والتعددية السياسية، بما يفتح الباب أمام إنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في المنطقة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular